أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / في الذكرى 25 لرحيله: عدنان بوظو – عَلَمُ التعليق الرياضي ورائده السوري

في الذكرى 25 لرحيله: عدنان بوظو – عَلَمُ التعليق الرياضي ورائده السوري

محمد علاء الدين

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

صوت مؤثر نفاذ، عميق رشيق، ولغة فصيحة سلسة مطواعة، سريعة الإيقاع، تتالى صورها متقافزة تقافز الكرة بين اللاعبين، وبراعة وصف تغني خيال المتابع لتجعله متفاعلاً كأنه يعيش الحدث ويراه عبر سماعه، قبل انتشار النقل التلفزيوني، وبعده، مضيفاً نكهة متميزة من خبير.

أخلص لعمله وأعطاه كل عزم وجهد ومثابرة دؤوبة لم تنقطع أربعين عاما، فقطف الثمار مجداً في ميدانه لا بضاهى، وشهرة ونجومية يغبطه عليها مشاهير السياسة والفن والمجتمع. ظل معتلياً قمتها أكثر من ثلاثين عاماً، إلى أن ترجل فارساً لم يبلغ من العمر ستينا.

هو ( عدنان بوظو) رائد التعليق الرياضي السوري إذاعةً وتلفزة، ومرسخ الصحافة الرياضية المتخصصة في سورية. تجاوز حدود المحلية والاقليمية، ليكون في دنيا العرب قاطبة التالي شهرة وانتشاراً للمصري العملاق محمد لطيف (كابتن لطيف) وصديقاً له يستضيفه في برامجه كلما زار سورية معترفاً، بتواضع الكبار، بأستذته وفضله، إلى أن نعاه على الشاشة باكياً (1990)، كطبيعته في الوفاء لمن يستحقونه.

. مولده وأسرته ومسيرته الرياضية :

ولد عدنان بوظو في حيّ ركن الدين الدمشقي لأسرة كردية دمشقية عريقة، جد والده محمود باشا بوظو، قائم مقام القنيطرة وأمير الحج الشامي، ومن العمومة وأبنائهم أعلام بارزون كالدكتور خالد بوظو عميد كلية العلوم وأمين جامعة دمشق 1949 والوزير علي بوظو أحد مؤسسي حزب الشعب، تولى أكثر من وزارة في عهدي الاستقلال والوحدة. كان ترتيب عدنان الثاني بين ثلاثة ذكور أشقاء لوالده محمد عارف بوظو، الأكبر (هولو – توفي 1993) والأصغر بسنتين العميد فاروق بوظو أول حكم سوري في نهائيات كأس العالم (الأرجنتين 1978) رأس بعدها اتحاد الكرة ولجان تحكيم عربية واقليمية وآسيوية قبل اعتماده الرسمي من الفيفا خبيراً دولياً.

عشق عدنان الرياضة منذ صغره وأغرم بكرة القدم فلعب منذ 1950 في نادي بردى (شيخ الأندية السورية) ثم لمنتخب دمشق ولعب مع أشهر نجوم الخمسينات والستينات، من أَمثال موسى شماس وحنين بتراكي ووائل عقاد، لكنه لم يمثل المنتخب الوطني فاعتزل قبل بلوغه الثلاثين مستمراً في الإعلام والتحكيم الذي نال درجته الدولية 1966 إلى أن اعتزلته أيضاً أواخر السبعينات متفرغاً كليةً لعمله الإعلامي المكثف مسموعاً ومرئياً ومقروءا.

مسيرته في الإعلام الرياضي بدأها مبكراً أيضاً منذ سنته الجامعية الأولى بمقالات ومتابعات رياضية في الحيز المخصص لها ضمن صحف العاصمة حين كانت الصحافة حرة. وهو ما دعاه، بعد التخرج من كلية الحقوق، إلى الابتعاد عن العمل في الميدان الحقوقي على أهميته ورفعة شأنه سياسياً واجتماعياً ذلك الوقت، والتوجه للتخصص في الإعلام الرياضي احترافاً مع بدء عهد الوحدة مع مصر 1958 حيث عمل في الصحيفة الجديدة (الوحدة) محرراً لصفحتها الرياضية، ثم في الجريدة المتخصصة (الموقف الرياضي) ليصبح قلمه مطلوباً لأكثر من مطبوعة عربية (الرياضة والجمال)، ومنذ العام 1982 إلى وفاته رأس تحرير الصحيفة الجديدة (الاتحاد) والتي على رغم جدتها اكتسحت طوال المدة ساحة الصحف المحلية بكل تخصصاتها وكانت الوحيدة الرابحة من مبيعاتها.

الأبرز والأكثر شهرة وتأثيراً جماهيرياً في حياته كان عمله في التعليق الرياضي المباشر والذي بدأه مبكراً أيضاً منذ بدأت إذاعة دمشق في الخمسينات نقل الأحداث الرياضية الهامة من الملاعب مباشرة، لكن ذلك وبأعراف تلك المرحلة والتقاليد العريقة للإذاعات لا يجعل المعلق من الكادر الإذاعي بل يبقى في حضرة مذيع معتمد يفتتح ويختم مشرفاً على النقل، وهو ما رواه لنا أكثر من زميل مذيع من مشاهير تلك المرحلة. النقلة النوعية في تلك المسيرة الطويلة كانت عندما بدأ التلفزيون السوري بثه 1960 إبان عهد الوحدة مع مصر، ليغدو عدنان بوظو أول معد ومقدم للبرامج الرياضية عبر الشاشة وليتسلم بعدها ولأكثر من ثلاثين عاماً الدائرة الرياضية في هيئة الإذاعة والتلفزيون، محققاً فيها رصيداً فاق التوقعات، رافضاً سواها كل منصب أعلى في الهيكلة الوظيفية، حتى منصب المدير العام الذي عرض عليه من رأس السلطة غير مرة، وبحكمة واحترام للتخصص دون انجرار لإغراءات مناصب عالية تفقده رصيده الجماهيري.

لنجاحات المتتالية، والرصيد الجماهيري المتنامي محلياً وعربياً، وزيادة مشاركته في الفرق الإعلامية الموحدة الناقلة لكبرى الأحداث الرياضية عربياً وقاريّاً ودولياً عبر تفعيل اتحاد الإذاعات العربية، وكذلك مشاركته الفاعلة في عدد من الرابطات الإعلامية الرياضية العربية، كل ذلك، لم يصبه بغرور أو ركون إلى ما أنجز، ولم يشغله عن محاولات التطوير الدائم، ولم يجرفه إلى إهمال الشأن المحلي الذي بقي أولوية لعمله. فبعد النجاح الكبير لدورة المتوسط 1987 في اللاذقية والتي قاربت في لوحات افتتاحها و نقلها الإعلامي مستوى الدورات الأولمبية، انبرى عدنان بوظو بعدها مباشرة ليحدث نقلة نوعية مدهشة، كان رائدها، عندما أطلق البرنامج الأشهر (ملاعبنا الخضراء) والذي بقي لسنوات حاصداً أولوية المتابعة، وأعلاها رقماً بين كل الإذاعات الناطقة بالعربية، بنقله بعد ظهيرة كل يوم جمعة جميع مباريات الدوري السوري الكروي، من جميع الملاعب في المحافظات، وبوقت واحد على الهواء مباشرة، محدثاً حالة غير مسبوقة تأخرت عنها بقية الإذاعات سنيناً، بفضل إدارته لفريق إعلامي يقوده بخبرة وحنكة من الاستديو المركزي في إذاعة دمشق، معيداً إليها انتشاراً وبريقاً سبق وفقدت كثيراً منه قبل ذلك، ومن ثم بعده.

حادثة خاصة وذكرى أليمة:

لم تكن طرق عدنان بوظو في الإعلام، على الرغم من نجاحاته، مفروشة بالورود دائماً، و واجه  أحياناً بعض إدارات حاولت وضع عصيّها في عجلة تطويره المتنامي رغبة في فرض سلطتها الإدارية عليه، وهو ما لم يكن يستسلم له وإن كان يعكر صفوه أحياناً. من أمثلة ذلك ما سأسوقه لأنه كان بداية نهاية. الحدث كان في نهاية عام 1993، كنت يومها في السنوات الأولى لعملي الإذاعي الاحترافي، والذي حرصت على تنوع ميادينه أن أستمر مع فريق عمل (ملاعبنا الخضراء) ليس بسبب جماهيريته فحسب، بل من قبيل الوفاء للذات أولاً وللأستاذ العلم الذي أثر من غير أن يدري في تكويني منذ الطفولة فحببني عبر أسلوبه بالعمل الإذاعي بكليته إلى أن احترفته شاباً، فكنت سعيداً بلقائه مقدار سعادتي بالعمل معه ضمن الفريق. أثار ذلك الإعجاب حفيظة أحد المديرين من خصوم عدنان، خاصة عندما اعتذرت عن المشاركة في برنامج اقترحه ذلك المدير، فكان أن اتخذ قراراً انفعالياً برفضه سفري ذلك الأسبوع لنقل مباراة هامة في دير الزور البعيدة والتي كان ناديها الشهير (الفتوة) يخوض مباراة هامة، متذرعاً بنقص طارئ في مذيعي الفترة والأخبار، بل واتخذ قراره بسفر المعلق (جوزيف بشور) الذي كان يعمل مع عدنان في الاستديو المركزي. كان القرار من صلاحياته مديراً فامتثلنا له، لكن الذي حدث، وقد جعل مناوبتي في ذات توقيت بث البرنامج (ملاعبنا الخضراء) على الهواء. أثناء إذاعتي موجزاً قصيراً للأخبار يتخلل البرنامج ويبث من استديو الهواء ذاته، لاحظت ضيقاً في ملامح (الكابتن) كما كنا نناديه، سألته بعد انتهاء الموجز عن السبب فقال إنه يشعر ببعض التوعك، تمنيت له السلامة وغادرت إلى غرفة المناوبة، ولم تمض دقائق إلا وفوجئت به خارج الاستديو ليعلمني بأن حالته مزعجة وأنه مضطر للمغادرة وسيعتمد عليّ بمتابعة البرنامج مكانه. سارعت بطلب المصعد والاستعانة بزميل فني يوصله وهرعت للاستديو إنقاذاً للموقف، لم أعلن على الهواء السبب الحقيقي بل تذرعت بطارىء سفر، وبقدر ما شكلت الصدفة، حينها من موقف رد اعتبار شاءه القدر تجاه قرار ظنه ذلك المدير بصلفه عقوبة، بقدر ما يترك في نفسي ذكرى مؤلمة، فتلك اللحظات كما كشفت الفحوصات والتحاليل لاحقاً، كانت بداية اكتشاف المرض الخبيث إلى دم الرجل الذي أقدّر وأُحب.

عدنان الإنسان.. الموقف و القيم:

ما لا يعرفه كثيرون عن عدنان بوظو، سوى من اقتربوا منه، خصالاً كثيرة كانت في شخصه تتبدى في مواقف، فهو على الرغم من معرفته الوثيقة برأس النظام حينها، حافظ الأسد، ولقاءاته المتكررة به، فإن عدنان لم يطلب منه طلباً شخصياً، فإن طلب يطلب دعماً لأبطال الرياضة أو ما يطور العمل، ومن طرائفه أنه بقى سنيناً طويلة يقود سيارة بغير أوراق نظامية وكان من عزة النفس وكبريائها أنه لم يطلب لنفسه سيارة أو بيتاً، كما كان يفعل كل إعلامي يقابل الأسد، حتى علم الأسد بالأمر بعد سبعة عشر عاماً من حكمه فأهداه سيارة بعد دورة المتوسط. وللعلم فإن حافظ الأسد هو من سعى للتعرف إلى عدنان بوظو منذ كان ضابطاً عادياً قبل توليه مناصبه. كما أن عدنان بوظو لم يأبه للتسلق عبر انتماء سياسي وبقي رافضاً التحزب بل وكان يسخر علنية بجرأة من كل مسؤول حزبي أو متملق حين يقترح أمراً بقوله : (اطرحوه في اجتماعاتكم الحزبية).

الوفاء كان سمة بارزة في شخصيته، تجلى في أكثر من موقف بإيفائه من يستحق حق قدره ممن يغادرون مكاناً أو منصبا ودوام تواصله، وما زلت أذكر تماماً حاله يوم جاء من دمشق إلى حلب مكابراً على مرضه العضال ليشارك في تأبين صديقه (وائل عقاد) وكلمته بوقع جرسها وعذوبة صوته (أخفوا عني نبأ رحيلك، ولو علمت لأتيت على عكازين أو حبواً لألقي عليك نظرتي الأخيرة يا وائل، إنه الوفاء في زمن عز فيه الأوفياء) قالها ماسحاً دمعات ترقرقت وهو ينظر لمسؤول حاضر كان قد قابل إنجازات وائل بغدر وطعنات وإقالة.

القيمة الأساسية في أولويات الراحل كانت (العمل) والإخلاص له وفيه، بعيداً عن أي انتماء أو محسوبية، فلم يكن يمرر لأي من فريق عمله أي خطأ مقصود أو عصبية انتماء، فللمخطئ عقوبته كما للمجتهد نصيب من ثقة وثناء. كان يلخص أولوياته بثلاثية اشتهر بها (العمل، الأسرة، الحرية الشخصية) فإن سُئل عن تقديمه العمل كانت إجابته: لا معنى لأسرة أو حرية بلا عمل. ومن هذا الباب، باب قدسية العمل، يمكن الدخول لفهم سر النجاح المبهر الذي حققه، وأسباب لجمه جميع محاولات التدخل التي حاول بعضهم بحكم المناصب فرضها على عمله، وما يشهد له أنه لم يقف يوماً على باب أي مدير أو وزير منتظراً بل تفتح له الأبواب مباشرة لأنه لا يأتي إلا لضرورة عمل عاجلة. ومن هذا الباب أيضاً يمكن فهم الكيفية التي وزع بها وقت العمل اليومي بين برامجه وتسيير الشأن الرياضي المتوسع في الإذاعة والتلفزيون وبين رئاسته تحرير صحيفة الاتحاد الأسبوعية ليجد في المساء فرصة لذاته وأسرته وأصدقائه، وليقتنص من الأسبوع يومي عطلة غالباً ما كان يمضيهما في حلب التي عشقها.

بالتأكيد فإن الراحل لم يكن يبلغ صفات الكمال لأنها ليست من سمات البشر لكن مختصر القول أنه تمتع بكثير من الخصال النبيلة التي يقدر اجتماعها لترتقي بصاحبها إلى علياء.

. الرحيل :

عانى سنتين من المرض الذي على اشتداده ما كان يمنعه من العمل، وكان كلما عاود المكوث في مشفى يتحدث عن قرب مغادرته ليتابع، إلى أن اشتد عليه المرض في شهريه الأخيرين وأسلم الروح لبارئها في مثل هذا اليوم 25 / 10 قبل خمسة وعشرين عاماً. فسار الآلاف من محبيه في موكب جنازته الكبير الذي طاف على أماكن عمله في العاصمة. وأقيم له لاحقاً حفل تأبين حرص كثير من محبيه على حضوره، وكانت أبرز الكلمات فيه للشاعر السوري شوقي بغدادي الذي لم يلتقه مرة لكنه في كلمته المؤثرة اتضحت صورة ما أثرى به الراحل الوجدان الجماهيري وما أثر به على أكثر من جيل، أما كلمة الصحفي المصري الشهير محمود السعدني الذي عرفه وصادقه في التسعينات وانبرى مدافعاً أمام حملة شنتها مجموعة إعلاميين رياضيين مصريين لعصبيات محلية وإقليمية سبق ووجه الراحل انتقاداته لفعلها وتزييفها الحقائق، فكانت الكلمة شهادة مخلصة على مصداقية الراحل وامتداد تأثيره عربيا.

برحيل عدنان بوظو انطوت صفحة رائد حقيقي في الإعلام الرياضي السوري والعربي. والرياضة السورية لم تخسر برحيله إعلامياً فذاً ومدرسة رياضية فحسب بل هرماً رياضياً متكاملا، لم تزل ذكراه حاضرة بعد جيل.

عدنان بوظو..

أيها الكبير بأثرك واسمك فوق الألقاب.

رحلت عنّا ولم ترحل منّا، وها أنت بعد خمس وعشرين، ما زال عبقك حاضراً ملء الروح والوجدان.

تنويه: نشر جزء من هذه المقالة في صحيفة العربي الجديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

لماذا يدعم الغرب الثورات المضادة ؟! (إسرائيل كلمة السر)

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق تحركت الشعوب العربية بسلمية حضارية لم يعرفها …