أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (4)

السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (4)

محمد الحاج

باحث وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

من العوامل التي سهلت نشوء البابوية وسيطرتها، إلى جانب ما فعله بعض الأباطرة، وما قام به بابوات أقوياء كما ذكرنا آنفا، ج – نقل العاصمة من روما إلى القسطنطينية. د – والاضمحلال التدريجي للإمبراطورية، حتى السقوط النهائي.

ج – نقل العاصمة إلى القسطنطينية: كان انقسام الإمبراطورية الرومانية، إلى شرقية وغربية عقب وفاة ثيودسيوس، ومن قبله نقل عاصمة الإمبراطورية، من روما إلى القسطنطينية، من العوامل المؤثرة في قوة كنيسة روما وأسقفها، مقابل ضعف كنيسة القسطنطينية. ” فالإمبراطورية الغربية، أصبحت بعد تقسيم العالم الروماني ضعيفة. لا تستطيع أن تفرض سيطرتها على الكنيسة والدولة جميعا، كما حدث في الشرق. وسرعان ما وجدت الكنيسة الغربية ضالتها في شخص أسقف روما. الذي تحول كرسيه إلى بابوية، لها السيادة العليا على الكنيسة، في مختلف بلدان العالم الغربي “.(1)  ” غير أنه مما لاشك فيه، أنه لو ظل الأباطرة في روما، لما استطاع البابوات – وهم حماة التقاليد التي وضع أسسها بطرس – أن يتجنبوا المصير الذليل الذي آل إليه البطارقة البيزنطيون، بسبب إقامة الأباطرة الشرقيين في القسطنطينية “. (2)

أما في الشرق، فقد تقيدت حركة الأساقفة، كون إدارة السلطتين بيد الإمبراطور من جهة، وإقامته في القسطنطينية من جهة أخرى. لذا  ” أسلمت الكنيسة زمامها للأباطرة الذين ازداد تدخلهم في شؤون الكنيسية، وبخاصة في القرنين السادس والثامن. بحيث أنشؤوا يتدخلون لا في السياسة الخارجية فحسب، بل في نظمها وسياساتها الداخلية أيضا … حتى غدا إمبراطور القسطنطينية، يمثل نوعا من القيصرية البابوية، أي الجمع بين السلطتين السياسية والدينية [وقد] وضع هذه السياسة قسطنطين، منذ اعترافه بالمسيحية وإنشائه القسطنطينية  “.(3)

ومن العوامل المؤثرة في قوة كنيسة روما: تسليم الناس بكل ما من شأنه التدليل على المجد الروماني القديم. ومن ذلك ” حديث المسيح مخاطبا سمعان بن يونا باسم بطرس : أنت بطرس – أي الصخرة – وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي. إن المسيح اصطفى بطرس، وفضله على سائرالرسل المسيحيين، وإن بطرس أول من جاء بالمسيحية إلى روما “.(4) وقد اعتبر الناس ذلك مجدا لروما، وأصبح أثيرا لديهم. ثم إن روما كما يذكر بعض المؤرخين ” تمتاز عن سائر المدن المسيحية الكبرى، بشيء من الهيبة والقدسية، لاحتوائها على رفات القديسين بطرس وبولس “.(5)

ومن العوامل المؤثرة أيضا في قوة كنيسة روما، وضعف كنيسة القسطنطينية: ” أن السلطة

الكنسية في إمبراطورية القسطنطينية، كانت موزعة بين الأساقفة الكبار، أو البطارقة في القسطنطينية، فيما تركزت في بابا روما، وكان الجميع يعترقون على الدوام بأن أسقف روما، هو الأول بين البطارقة “.(6)

د – سقوط الإمبراطورية الغربية: سقطت روما في القرن الخامس الميلادي (476). وبسقوطها بدأت العصور الوسطى. وقد تعددت الإجابات عن أسباب ذلك السقوط. لكن موريس بيشوب، أجملها بما يلي: الإجابة الفكرية (مونتسكيو): وتتلخص بتحول روما من مبادئ الجمهورية، التي غزت بها العالم، إلى غطرسة الإمبراطورية.

الإجابة الأخلاقية: الركون إلى التساهل والرفاهية والنعومة والتدهور في الشخصية والنظام.

الإجابة المسيحية (أوغسطين)*: التي تقول: إن روما الآثمة سقطت لكي تمهد الطريق لانتصار مدينة الله.

الإجابة العقلية (المفكرون الملحدون في القرن 18): التي تعيد السقوط إلى المسيحية، والتعاليم القائمة على الاستكانة، والتسليم بالأمر الواقع، التي جعلت الرومان منزوعي الإرادة في مواجهة البرابرة.

وهناك الإجابة السياسية: التي تعلق الأمر بفقدان الروح الجماعية، وفشل القوى الاجتماعية، في السيطرة على مقدرات الجيش.

والإجابة الاجتماعية: التي ترى أن الحروب الطبقية، وإقامة نظام العبودية، قد أخمدا كل البواعث نحو التغيير والتقدم.

أما أصحاب التفسير الاقتصادي: فيرون السبب في الركود التجاري وانخفاض الانتاج، مع ندرة الذهب والفضة.

وأما أصحاب التفسير المادي: فالسبب عندهم، هو استنزاف التربة الزراعية، وإزالة الكثير من الأحراش، وتغير المناخ، والجفاف.

بينما يرى أصحاب التفسير الباثالوجي (المرضي): السبب يعود لكثرة الطاعون والملاريا، والرصاص الذي كثر استخدامه في أواني الطبخ.

ويرى أصحاب التفسير التاريخي: السبب في تضاؤل العنصر الروماني، لكثرة الحروب، وتحديد النسل، واندماج الرومان مع سلالات شرقية وبربرية.

بقي أصحاب التفسير البيولوجي: الذين يرون: أن الإمبراطورية كائن حي، يمر بعدة مراحل:

من نشوء، ونمو، ونضج، ثم اضمحلال وموت.(7)

وهناك من المؤرخين من يرجع السقوط، لأسباب أكثر التصاقا بالظروف الموضوعية  للإمبراطورية، مثل: ” فشل الإمبراطورية في إيجاد نظام ثابت لوراثة العرش.، وسياسة الإمبراطورية تجاه البرابرة، ونقص القوى البشرية، وهروب الموظفين المدنيين من ثقل الأعباء الملقاة على أكتافهم، وتحلل الطبقات الاجتماعية، وثقل الضرائب الملقاة على الأقاليم والولايات لمساعدة الجيوش الرومانية … في الوقت الذي ضاعفت فيه غزوات البرابرة في خطورة تلك العوامل … وفي كلمات قليلة: أنه من المستحيل القضاء على أية حضارة عظيمة من الخارج، مالم تكن تلك الحضارة، قد قضت على نفسها من الداخل “.(8)

حدثت الفوضى خلال اضمحلال الإمبراطورية، وكان لا بد من سلطة تقف في وجه تلك الفوضى. فكانت الكنيسة أكثر قوة مؤهلة لاستلام زمام الأمور، إذ أنها لم تأل جهدا في بناء نظامها الداخلي وتفرعاته التي امتدت إلى وظائف الحكومة، وقد ” جعلت من التنظيم الإمبراطوري، نموذجا لتنظيمها، بل المعروف أنها أصبحت بعد تحول قسطنطين إلى المسيحية، هي الإمبراطورية الرومانية في قالب كنسي “.(9) يقول فيشر واصفا حالة  التوازي بين الفوضى خلال اضمحلال الإمبراطورية، وتصدي الكنيسة لها: ” مع دخول الجرمان في الدولة الرومانية أفواجا متبربرة … انهار العلم المدني، وانهارت الثقافة إلى درجة شنيعة. ولأول مرة في تاريخها بدت الكنيسة صاحبة الصدارة الفكرية، [كون رجل الدين] هو الوحيد الذي يعرف القراءة والكتابة والتكلم باللاتينية، وهو الذي يفهم دون غيره حساب الشهور، لتحديد عيد القيامة، بالإضافة إلى مقدرته … لتصريف شؤون الإدارة … لذا لم يكن عجبا أن يتخذ الفرنجة في غاليا والقوط الغربيون في إسبانيا، من رجال الدين أداة للحكم، وشؤونه المختلفة. وإذا ذكرنا أن [أولئك الملوك] هاموا بصيد الخنزير البري والأيل والغزال، وشغفوا بالحروب والمذابح والتخريب، صار من الواضح أنه لم يكن باستطاعتهم أن يديروا دفة الحكم في البلاد، لولا الكنيسة ورجال الدين … والواقع أن الكنيسة قامت على كل شيء، حتى الماديات في ذلك العصر، فإذا تطلب نهر من الأنهار جسرا، أو احتاج بلد [من أجل ] السقاية لحمل الماء إلى جهة مرتفعة، كان الأسقف في أغلب الأحيان، صاحب المشروع، ومصدر المال لتنفيذه … فغدا رجال الدين بالضرورة، طبقة بارزة ذات نفوذ وسطوة. [لذا] طلبت الكنيسة في القرن السادس الميلادي إلى رجال الدين أن يتخذوا لأنفسهم طرازا خاصا، فاختاروا القباء الطويل والشعر القصير، حفظا للزي الروماني القديم، على حين ظل الجرمان على عادتهم، من القباء القصير والشعر المرخي على الكتفين … وإلى ذلك العصر الغاشم وحوادثه بالذات، يرجع أصل السيطرة والمكانة التي يتمتع بها رجال الدين … لأن الفوضى التي تردت فيها الإمبراطورية منذ القرن الرابع، هيأت للكنيسة جوا خاليا من المنافسة. وطفولة الجرماني وجهالته أبرزت مقام القسيس في المجتمع … في عصر ندرت فيه الكتب، وارتهنت الأمور كلها بقول القسيس

ومسلكه، وسمح الجرماني الساذج بتدخل الدين في اخص شؤونه “.(10)

…………………………..

الهوامش:

* أوغسطين: كاتب وفيلسوف، يُعدّ أحد الشخصيات المؤثرة في الكنيسة الغربية، وأحد آباء الكنيسة البارزين، وواضع قواعد نظام اضطهاد المخالفين للإيمان الكنسي.

1 – د. سعيد عبد الفتاح عاشور، د. اسمت غنيم، تاريخ أوربا في العصور الوسطى، دار النهضة العربية 1976، بيروت، الجزء1 ، ص49

2 – هـ .أ .ل فيشر، تاريخ أوربا العصور الوسطى، ترجمة: محمد مصطفى زيادة، السيد الباز العريني، جز1 ، ص109

3 – عاشور، ص49

4 – فيشر، ص107

 5 – فيشر، ص107

6 – د. أحمد عجيبة، البابوية وسيطرتها على الفكر الأوربي في العصور الوسطى، ط1 ، 1992، ص11

 7 – موريس بيشوب، تاريخ أوربا في العصور الوسطى، ترجمة علي السيد علي، ص13 – 14، بتصرف

 8 – د. محمود محمد الحويري، رؤية في سقوط الإمبراطورية الرومانية، ط3، 1995، دار المعارف، ص190 – 191

9 – فيشر، ص106

10 – فيشر، ص111 – 112     

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المغرب لما يرغب قريب (4 من10)

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …