أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / تركيا في سورية ليست جمعيّة خيريّة

تركيا في سورية ليست جمعيّة خيريّة

علي الصالح الظفيري

ناشط سياسي سوري
عرض مقالات الكاتب

الثورة السورية ، التي ربما حيّرت العالم كله قبل أن تحيّر المواطن السوري ، سواء كان معها أو ضدها أو محايد إن صح التعبير .
لن أطيل بسرد تاريخ الثورة السورية منذ البداية وحتى الآن ، ولكن سأبدأ من الواقع الذي تعيشه اليوم ، ولا شك أنه واقع معقد ومتداخل ، وربما من أكثر مايثير الجدل اليوم هو الدور التركي في سورية والذي تحول إلى ميدان حرب إعلامية في المحطات الفضائية ، ومواقع التواصل الاجتماعي .
ولا شك أن من يُقيّم الدور التركي وغيره من الأدوار في سورية سيضيع في الكم الهائل من التقاطعات الدولية والتصريحات والأفعال والوعود التي لا يتضّح منها إلّا القليل ، و الكثير هو مخفي .
لذا يجد المتابع أنّ المتحدثين عن الدور التركي ينقسمون إلى قسم يؤيّد الأتراك في سورية بالمطلق ويبرّر ما يحتمل التبرير ومالا يحتمل .
والقسم الآخر يهاجم تركيا في سورية وفي كل مكان بحيث يشيطنها حتى في بناء المساجد وتقديم الإغاثة ، والقسم الثالث فهو تراه تارًة يسبّ ويلعن بعد كل اجتماع تركي روسي أو بعد كل خسارة أراضي لصالح النظام ، ويعود ليمدح ويُشيّد بمواقفها بعد كل تقدّم ودعم واضح ، أمّا القسم الرابع فهو الذي يُشخّص الموقف التركي بشكلٍ عام ويحلّل كل تصرّف على حدة ، ويتوقع مستقبل التطوّرات المرتبطة بالدور التركي بتحليل منطقي .
لا بد لكل منّا كسوريين أن يعي أن الدول ومنها تركيا ليست جمعيات خيرية .
وأنّ الدول العربية الحديثة العهد والتي انسلخت عن الدولة العثمانية هي دول ضعيفة وغالبًا تتبع لدولة كبرى أو عدة دول ، هذا في وقت السلم فكيف في وقت النزاعات والحروب .
فتركيا من آخر الدول التي دخلت على الأرض السوريّة بشكل مباشر ، ولديها في التدخل سند قانوني ضعيف جدًا ، وهو اتفاقية أضنة الموقّعة مع النظام السوري في تسعينات القرن الماضي .
بينما الدول الأخرى والتي تمتلك عشرات القواعد العسكرية والعديد من المطارات العسكرية ومراكز التدريب ، فمثلاً ما هو المبرر لأمريكا وفرنسا والعديد من الدول الأوربيّة في إنشاء قواعد عسكريّة في الشمال والشرق السوري ، وما هو مبرر السيطرة الأمريكية مثلًا على خزان النفط والحبوب السوري والتصرف به كما تشاء ؟!!
بتحليل منطقي سنجد أن الهدف التركي الأوّل في سورية لا شك هو عدم السماح بتشكيل كيان انفصالي كردي على الحدود التركية السورية كما حدث في الشمال العراقي وهذا يتفق عليه أغلب التيارات السياسية التركية ، وقد تحقّق هذا تقريبًا بنسبة كبيرة ، أما الهدف الثاني فهو إيقاف تدفق اللاجئين من سورية إلى تركيا ومن ثم إلى أوروبا وهي ورقة تستخدمها تركيا للضغط على أوربا بعدم السماح للنظام السوري المجرم بالتمادي في قضم الشمال السوري وإدلب ، والهدف الثالث ربما هو دعم إسقاط النظام السوري الذي صار من المستحيل قبول إعادة النظر في تطبيع العلاقات معه في ظل حُكم حزب العدالة والتنمية وخاصة بوجود الرئيس أردوغان .
ولا بد أيضًا من تسليط الضوء على الوضع الداخلي التركي والانقلاب الفاشل والمعارضة الشرسة والملف الكردي والمعاهدات التي ماتزال مُكبلة لتركيا والوضع الاقتصادي وغيرها من الأمور التي تؤثر على القرار والفعل التركي في سورية بشكل خاص وبكل سياسات تركيا في الداخل والخارج .
ولا يغفل على عاقل وجود التنظيمات المصنّفة عالمياً بأنها إرهابية والتي تسيطر بالقوة على جزء من المحرر وتفرض رؤيتها على الفصائل الأخرى وتركيا لا تريد أن تصطدم معها لأن هذا ينفع النظام فقط وبالمقابل لا تستطيع أن تتحرك بحرية بوجودها .
لكن الثابت والذي تستطيع تركيا المناورة به بقوة أنها لن تسمح للنظام بالتوغل وزيادة أعداد النازحين إليها .
وهناك عدة فرضيات يرددها البعض مثل فتح جبهة الساحل أو السيطرة على مناطق أخذها النظام .
طبعاً تلك أمانينا ، لكن الملعب السياسي لا تنفعه الأماني وإنما دراسة الواقع الدولي والقدرة على قنص الفرص لتحقيق مايمكن تحقيقه وهذه هي فلسفة السياسة التركية كما أراها .
فمثلًا إن دعمت فتح جبهة ما ، وتم التقدم فمن سيمنع الطيران الروسي عن حرق الشمال المحرر وهذا ما لمّحت روسيا له بضرب بعض المناطق في الشمال التي تحت الحماية التركية ولا تواجد جبهةالنصرة فيها .
وهي عندما تقصف تستطيع قصف أي بقعة في سورية عدا مناطق تواجد القوات الأمريكية طبعاً ، مستفيدة بأنها متواجدة في سوريا بطلب من نظام مايزال ممثلاً في المحافل الدولية وبضوء أخضر عالمي خفي لم يعد يخفى على عاقل .
لذا تركيا تحاول تجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة مع روسيا لأن بين الدولتين ملفات متشابكة كثيرة منها السياسي والاقتصادي والعسكري .
وأمّا النقاط المسحوبة والتي أثارت الكثير من اللغط فهي لاشك أنها خطوة مفاجأة ولكن التخوين فيها لتركيا مرفوض والتبرير المنطقي نعم موجود ، ولكن المنطقي أنّنا كثوار في الداخل والخارج علينا أن لا نفقد الأمل وأن لا نزيد من سقف التوقعات دائماً وأن نبقي على حبل الدعم الوحيد الذي لم يبقى لنا بعد الله سواه وهو تركيا ، ولكن لا يعني هذا أن نُطالبها بأن تنفّذ كل فكرة تخطر في بال كل منا ، ولكن نعمل معها على تحقيق المصالح المشتركة بين الثورة السوريّة وتركيا وبهذا تتحق الإستفادة المشتركة للطرفين بإذن الله .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بعد أن استوطنت فيّ بغداد

نزار فاضل السامرائي كانت منطقة كرادة مريم ضمن مخطط تطوير مدينة بغداد …