أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / التعميم من العمى

التعميم من العمى

نعيم مصطفى

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

ابتليت بعض الأمم في هذا العصر بداء ضرب أطنابه في جسدها فأثقل كاهلها، وهذا الداء هو ظاهرة التعميم في الأحكام، وقد عزز هذه الآفة وألهب أوارها الساسة من أجل أن يستمروا في حكمهم، أو أن يصلوا إلى سدة السلطة، ولابد بداية من تعريف هذه الظاهرة السلبية.

التعميم: هو تصور ذهني خاطئ على الأغلب، فهو يقوم على أساس إطلاق أحكام عامة بالاستناد على حالات خاصة ، أو الانتقال من الجزئي إلى الكلي أو من الخاص إلى العام.

أما من زاوية فلسفية بحتة، فإن التعميم يعني أخذ الصفات المشتركة بين الأشياء المفردة؛ لجمعها في تصور واحد، وقد يتسبب التعميم السلبي في إطلاق الأحكام على الناس من دون ، وجه حق بسبب سلوك فردي، وربما مجموعة من السلوكيات التي تصدر من جماعة من الأشخاص تنتمي إلى فئة واحدة، كأن تكون مجتمعًا، أو طائفة، أو قبيلة، أودينًا، فيتم تعميم السلوك  السلبي على المجموع من دون استثناء.

والواقع أن ثمة نظريات عنصرية، وقومية، وشوفينية يمكن أن ندرجها تحت جناح التعميم.

فالقوميون مثلًا يرون أن كل ما هو خارج دائرة قوميتهم، مصاب  بالدونية في عقله وتفكيره، وكذلك الذين يميزون بين العرق الأبيض، والعرق الأسود أيضًا، يقومون بممارسة التعميم بقولهم إن كل أبيض هو متفوق على الأسود، ويحاولون أحيانًا وبطرق تعسفية ذكر نظريات علمية تثبت أن العرق الأبيض أذكى ومتفوق على العرق الأسود.

ولو سقنا أمثلة من واقعنا العربي لوجدنا أنها تطفح بها الساحة.

فلو حططنا رحالنا أولًا بسوريا لوجدنا أن هناك من يطيل لسانه بالقول أن الشعب السوري كله(مرتزقة) وقد استقوا هذا الحكم من أنباء وتقارير رشحت عن وسائل إعلامية مفادها أن مرتزقة يذهبون إلى أذربيجان وإلى أرمينية وإلى ليبيا…

ولو فرضنا أن هذه التقارير صحيحة؛ لكان هذا الحكم (التعميم) هو حكم جائر مئة بالمئة؛ لأن معظم الشعب السوري مترفع عن المال، وعن الشهوات وعن الأمور البيولوجية، والدليل على ذلك أنه دفع مئات الآلاف من الشهداء، من أجل تحقيق الحرية، ولو كان يريد الارتزاق لما خرج على نظام الأسد الطاغية، ولما كان شعاره “حرية وكرامة وعدالة”  ولما ترك البيوت والأرزاق وهاجر إلى دول تنعم بالحرية والعدالة (ألمانيا والسويد…) .

وهناك فرية قامت بها المعارضة التركية العنصرية بوصم الشعب السوري الذي لجأ إلى تركيا بالتخلف، زورًا وبهتانًا، ولا ننكر أن الشعب كبقية الشعوب فيه المتعلم، وفيه الأمي، وفيه الفاسد، وفيه الصالح، وفيه الطبيب، وفيه المهندس، وفيه العامل… ولكن لو نظرت المعارضة بعين الإنصاف، لوجدت أن الترسانة الطبية المتطورة على مستوى العالم في ألمانيا أهم أعمدتها هم السوريون وباعتراف ميركل نفسها، فهذا التعميم يكذبه الواقع.

ولو انتقلنا إلى مصر لوجدنا أن الإعلام المصري الرسمي الذي يتبع نظام السيسي ، يمكن نعته بالابتذال، والتخلف، والمراهقة السياسية، إن كان في الشكل، أو في المضمون، بالمبنى، أو بالمعنى، وهذه الصفات يمكن سحبها على جميع القنوات الرسمية؛ لأنها ترمي عن قوس واحدة.

ولو نظرنا إلى المظاهرات التي دعا لها المقاول الفنان محمد علي في /20/ سبتمبر العام الفائت

/  2019/  وهذا العام؛ لوجدنا أن شريحة كبيرة من الشعب استجابت لدعوته – وهي تعيش في أحلك الظروف السياسية والاقتصادية –وخرجت تندد وتستنكر ما يقوم به نظام السيسي من ظلم، وقهر، وتكميم للأفواه على الرغم من شدة المخاطر على حياتهم، وبالمقابل وجدنا أناس قد اشتراهم نظام السيسي  بوجبة طعام فاخرة، وبالنظرة الفاحصة إلى كلا الأمرين نجد عوار نظرية التعميم،  فإعلام السيسي ساقط من دون شك، ولكن الإعلام المصري المعارض – وكلاهما من الشعب المصري – يسمو ويرتقي إلى العلا، ويتمتع بالرصانة والموضوعية والمهنية.

ولو تحولنا إلى المملكة العربية السعودية، لوجدنا كثيرًا من المفكرين، والعلماء  لم يتنازلوا عن مبادئهم وقيمهم السامية، على الرغم من تلك المواقف التي دفعت بهم إلى قضبان المعتقلات، وإلى التعذيب الوحشي، وبالمقابل نجد شريحة من الإعلاميين لا تنفك عن التطبيل ليل نها لابن سلمان، وتجعل كل ما يقوم به هو نجاح باهر ورؤية ثاقبة، فقتله وسجنه للمعارضين يعتبرونه صيانة للأمن والفوضى، ودعوته للراقصين والراقصات بالقرب من الحرم الشريف يعتبرونه انفتاح، وتقاربه من الكيان الإسرائيلي المحتل يعتبرونه سياسة خارجية تحقق الاستقرار وتدعم الاقتصاد…والحكم على الشعب السعودي بأنه كله أبواق، رخيصة هو تعميم جائر من دون شك…وثمة أمثلة كثيرة يضيق لها المقام، ولكن حسبنا أننا قمنا بمقاربة من شأنها إزالة اللثام عن ذلك المرض الذي استشرى في حياتنا، وهو مرض خبيث اسمه  التعميم، وفي النهاية نختم بمقولة الأديب ابن المقفع محذرًا من تلك الآفة وعواقبها الوخيمة:

” إذا كنت في جماعة قوم أبدًا، فلا تعممن جيلًا من الناس، أو أمة من الأمم بشتم، ولا ذم ،فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك مخطئًا فلا تأمن مكافأتهم، أو متعمدًا فتنسب إلى السفه، فهذه الآفة الفكرية ليست بسبيل العقلاء، ولا العلماء، ولا الحكماء وإنما هو سبيل العوام الذين قصرت أنظارهم وقلت خبراتهم”.    

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بين”زايد” و “زادة”

ا. عبود العثمان أديب وشاعر سوري تنافخت إيران غضباً وأزبدت وأرعدت، وهددت وتوعدتبالإنتقام …