أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / جدل التطبيع في السودان… هل ستتخلى الخرطوم عن لاءاتها الثلاث؟

جدل التطبيع في السودان… هل ستتخلى الخرطوم عن لاءاتها الثلاث؟

الحسن محمد عثمان

مدوّن سوداني
عرض مقالات الكاتب

لم يسبق لحكومة سودانية أن عقدت علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني فرغم تعاقب المستبدين والطغاة على الحكم في السودان إلا أنهم قد اجتمعوا على رفض إقامة علاقات دبلوماسية مع دولة الاحتلال الصهيوني ،استضافت العاصمة السودانية الخرطوم في العام 1967 مؤتمر القمة العربية التي عرفت بقمة “اللاءات الثلاث” وأكد فيها الزعماء العرب على ثلاث مبادئ مهمة هي “لا صلح ولا اعتراف ولا تفاوض مع العدو الصهيوني” ،منذ ذلك التاريخ وحتى قبله بسنوات عديدة كانت مواقف السودان واضحة إزاء القضية الفلسطينية فهو لم يتاجر بها مثل النظام الإيراني وأذرعه الإرهابية في المنطقة ولم يتخذها سلما يحقق به أنشطته التوسعية والطائفية بل كان دعم الشعب السوداني صادقا لأهل فلسطين أما الحكام فلم يعلنوا سعيهم لإقامة علاقات مع المحتل الصهيوني ؛لأنهم يعلمون مدى خطورة هذه الخطوة التي يمكن أن تسلبهم كراسيهم وتنزع منهم نعيم السلطة ورغدها في ليلة وضحاها ،صحيح أن الأغلبية العظمى من الشعب السوداني تدعم القضية الفلسطينية بوصفها قضية ذات بعد ديني وإنساني والشعب يتوق مثله مثل شعوب الأمة للصلاة في المسجد الأقصى المبارك بعد زوال المحتلين إلا أن أقلية منبوذة خالفت هذا النهج وسعت لفرض مشروعها المتقارب مع الكيان الصهيوني في محاولة منها للتقرب من المحاور الخارجية الداعمة لمسار التطبيع ،لقاء رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان برئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو في عنتيبي الأوغندية في فبراير الماضي كان أول لقاء يجمع رئيس حكومة صهيونية بمسؤول سوداني رفيع لكنه لم يكن الأول من نوعه بين سياسيين سودانيين و مسؤولين في الاحتلال الصهيوني فقد سبقته لقاءات بين سياسيين سودانيين وآخرين من الاحتلال الصهيوني . التقى الصديق المهدي -إمام الأنصار- في منتصف القرن الماضي بمسؤولين في السفارة “الإسرائيلية” في لندن لمناقشة ملفات استقلال السودان وطالب المهدي بدعم دولة الاحتلال لمشروع حزب الأمة الذي يستند على الاستقلال عن مصر وناقش اللقاء الدعم المادي للحزب وفق صحيفة “هآرتس” العبرية ، لاحقا عقد الرئيس الأسبق جعفر نميري لقاء مع وزير الدفاع الصهيوني آنذاك آرئيل شارون بوساطة من رجل الأعمال السعودي عدنان خاشقجي لمناقشة قضية اليهود الفلاشا الإثيوبيين الذين تم ترحيلهم عبر عملية خططها لها جهاز الموساد الصهيوني وبلغ عددهم أكثر من 8 آلاف -حسب صحف عبرية- ،لاحقا تبنى نظام المخلوع عمر البشير في سنواته الأولى نهجا معاديا للصهيونية وكانت الخرطوم محطة لعدد من قادة الحركات الفلسطينية وساهمت الحركة الإسلامية في إيصال السلاح لغزة إذ كانت علاقة نظام البشير وطيدة بالنظام الإيراني قبل أن تسوء في سنواته الأخيرة إذ أصبح البشير جزءا من محور السعودية والإمارات ،إلا أن نظام البشير أظهر مرونة في التعامل مع هذه القضية في سنواته الأخيرة بسبب الضغوط الأمريكية وسعي البشير للتخلص من العقوبات الأمريكية حتى لو تطلب الأمر عقد علاقات مع الصهاينة ،تصريح مشهور لوزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور في 2016 أشار فيه إلى إمكانية عقد علاقات مع الكيان الصهيوني ،وكشفت صحيفة “ميديل إيست آي” عن لقاء جمع رئيس المخابرات السوداني صلاح قوش -مقرب من مصر و الإمارات- برئيس الموساد “سرا” على هامش مؤتمر ميونيخ للأمن 2019 ، ونفى جهاز الأمن خبر هذه الصحيفة إلا أن معطيات كثيرة تؤكد أنه تم بين المسؤولين ،لقاء البرهان الأخير أدى لعلو صوت التنظيمات السياسية الداعية للتطبيع فقد أعلنت مجموعات عدة دعمها لمسار التطبيع ،مبارك الفاضل المهدي هو أبرز هؤلاء الداعمين لخط التطبيع ويعد الفاضل وزيرا سابقا في حكومة البشير ومقربا من الإمارات ،حركات مسلحة أخرى أعلنت دعمها لخط التطبيع أبرزها حركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي وحركة أخرى يتزعمها مسؤول سابق في نظام البشير يدعى أبو القاسم إمام ،جبهة الشرق بقيادة موسى محمد أحمد أعلنت دعمها لمسار التطبيع وهي تضم مؤتمر البجا بقيادة موسى محمد أحمد و الأسود الحرة بزعامة مبروك مبارك سليم و حزب الشرق الديمقراطي بزعامة آمنة ضرار ، زعيم ديني صوفي آخر مرتبط بالإمارات يدعى “شيخ الأمين” أعلن دعمه لمسار التطبيع وهو مقرب من “طه عثمان الحسين” الذي شغل منصب مدير مكتب الرئيس المخلوع وأصبح لاحقا مستشارا في الديوان الملكي السعودي ، موقف الشق العسكري في السلطة الانتقالية داعم للتطبيع مع الكيان الصهيوني وهو ما يراه البرهان وبقية الأعضاء العسكريين فرصة لهم للتقرب إلى أمريكا وخطب ودها وضمان الإفلات من العقاب وربما يود العسكريون أكثر من ذلك والسير على خطى جنرال الانقلاب عبد الفتاح السيسي والبحث عن ضوء أخضر للانقلاب على الثورة والانفراد بالسلطة ، أما المدنيون فقد بدت مواقفهم مبهمة ولم يصدروا موقفا ثابتا يرفض التطبيع رفضا يستند على مبادئ الشعب وقيمه بل كان موقفا براغماتيا إذ رفضت الحكومة الربط بين التطبيع ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية واعتبر محسوبون على قوى الحرية والتغيير هذا الربط ابتزازا غير مقبول و انتهت هذه الحجة بعد إعلان ترمب رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب مقابل دفع مبالغ تقدر ب335 مليون دولار هي تعويضات لضحايا هجمات “إرهابية” ، لكنه لم يشر إلى ربط بين التطبيع و الرفع من قائمة الإرهاب وفي ذات السياق تحدث وزير الإعلام السوداني في حوار مع الجزيرة مباشر عن تعرض بلاده لضغوط وصفها ب”الهائلة” للتطبيع مع دولة الاحتلال . تيارات أخرى في قوى الحرية والتغيير لم تبد رفضا للتطبيع بحجة “مصالح السودان” وهي ذات المبررات التي يستخدمها تيار التطبيع المنحاز لمحور الإمارات والسعودية ، وفقا لمراقبين فإن رفض الحكومة للتطبيع ليس رفضا “مبدئيا” بل موقف تحاول الحكومة أن تضغط به على الإدارة الأمريكية لتحقيق مكاسب سياسية ، ويؤكد متخصصون في الشأن الاقتصادي على عدم أهمية التطبيع فهو ليس “الحل السحري” الذي سيحول السودان ل”جنة” واستشهدوا بالمثالين المصري و الأردني فتطبيع هاتين الدولتين لم يحولهما إلى دول متقدمة و ما زالت تعاني من إشكالات اقتصادية معقدة وفقروبطالة ، وأكدوا على أن معضلات السودان الاقتصادية تحتاج وقتا طويلا لحلها وطالبوا الحكومة بالسعي لإيجاد حل حقيقي بدلا من تصدير الوهم للشعب السوداني وإيهامه بأن التطبيع هو الحل ، الشعب السوداني لن يقبل بهذه الإجراءات فهو متمسك بقضيته المركزية ولم يتاجر بها مثل محور الإرهاب الإيراني ولم يتخل عنها مثل المحور السعودي الإماراتي ؛لذا فإن أقدمت الحكومة على مثل هذه الخطوة فهي موعودة بموجات رفض واسعة الانتشار في كل أرجاء السودان .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المعركة بين الثوابت الثورية والتوافه الوطنية

المحامي عبد الناصر حوشان من أوجه الصراع بين الثورة، والنظام المسارات التفاوضية …