أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (74 (الأخيرة))

إضاءات سياسية (74 (الأخيرة))

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

الثورة السورية ودور القيادات السياسية

معلوم أن سوريا خضعت للاحتلال الفرنسي بموجب معاهدة سايكس-بيكو، مع انهيار الخلافة العثمانية ، وترتكز قاعدة الاستعمار الفرنسي على نقطتين أساسيتين “إفقار الشعب المستعمَر وتجهيله” بمعنى الحيلولة بينه وبين الثقافة والعلم ، وهكذا ضيق الاستعمار الفرنسي على المواطنين السوريين في لقمة عيشهم ففرض رسوم وضرائب على نقل المنتجات الزراعية بين المحافظات ، وصادر العديد منها ، بينما نقل كميات كبيرة من الذهب إلى فرنسا ، بينما حال دون انتشار التعليم والثقافة بين الشباب ، وجلب المرتزقة لتخويف الناس في أحيائهم ومدنهم ، واضطهد القيادات السياسية والثقافية ما أدى لتراجع الحركة السياسية والاجتماعية ، ولم يكن قد أمكن إنشاء أحزاب سياسية سوى الكتلة الوطنية التي كان شعارها إخراج المستعمر من سوريا ، بينما كانت قاعدتها والمنتسبين إليها جلهم من زعماء الأحياء ، ولم يكن للكتلة الوطنية برنامج سياسي من أجل مستقبل سوريا بعد زوال الاحتلال .

وشكلت الكتلة الوطنية كتائب ومراكز لمقاومة المستعمر الفرنسي الذي لم يشعر بالراحة حتى زوال الاحتلال الذي ساعدت فيه الظروف الدولية في أعقاب الحرب العالمية الثانية ، وكان برنامج الكتلة الوطنية  كما بينت يتركز حول نقطة واحدة هي إخراج المستعمر ، ولذا فلم تعمد لإيجاد قاعدة من الشباب من أجل تهيئتهم قادة للمستقبل ومن أجل بناء الوطن ، وبالتالي لم تنبثق قواعد سياسية تؤسس  لتراكم خبرات في هذا المجال .

بدأت سوريا تجربة ديمقراطية في منتصف الأربعينيات لم تلبث أن انتكست مع وقوع الانقلاب العسكري الأول الذي قام به الضابط حسني الزعيم عام 1949، فحل البرلمان واعتقل رئيس الجمهورية والعديد من الوزراء ، وكانت الكتلة الوطنية قد انقسمت إلى حزبين ، حزب الشعب ومركزه حلب والحزب الوطني ومركزه دمشق ، وتوزع أعضاء الكتلة بين هذين الحزبين ، ومن جهة أخرى لاحت نشاطات للقيام بتشكيلات وأحزاب ذات طابع يساري مثل حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب السوري الاجتماعي وغيرها ، وتتالت الانقلابات حتى كان آخرها انقلاب أديب الشيشكلي الذي انتهى باستقالته في مطلع عام 1954 ومغادرته البلاد .

عادت الحياة الديمقراطية حتى كانت الوحدة بين سوريا ومصر عام 1958 ، والتي اشترط فيها جمال عبد الناصر حل جميع الأحزاب حتى تتم الوحدة ، وبالفعل حلت جميع الأحزاب نفسها من أجل التمهيد لقيام الوحدة بين سورية ومصر ، وأنشأ نظام الوحدة تنظيماً واحداً تحت اسم الاتحاد القومي ، وفي الجانب الآخر تحولت الدولة على أرض الواقع إلى دولة بوليسية فأنشأت العديد من الفروع الأمنية وقاد الحياة الداخلية وزير الداخلية عبد الحميد السراج الذي كان يرأس جهاز المخابرات العسكرية سابقاً والذي يدعى “المكتب  الثاني” ، وفي هذه الحالة تراجع المشهد السياسي واندفعت فئات من الشعب للعمل تحت الأرض ثم بدأ التذمر من أعمال أجهزة الأمن وفي تلك المرحلة تم التصفية جسدياً لبعض العناصر المعارضة من سياسيين وضباط للجيش ولم تستمر الوحدة طويلاً لأسباب عديدة من أهمها قمع الحريات وممارسات فاسدة لبعض مسؤولي الدولة وعزوف رئيس الجمهورية عن الالتقاء بالشخصيات العامة ، فعلى سبيل المثال صرح جمال عبد الناصر في اللاذقية أنه “سيدوس بالجزمة المعارضين” ، كما أطلق تصريحاً حول العلماء المسلمين “المشايخ” بأنه يشتريهم “بفرخه” ، وعندما طالب بعضهم بلقائه في مكتبه اعتذر بداعي عدم وجود الوقت الكافي بينما شاهده الناس بعد ذلك يحضر حفلة غنائية لإحدى المطربات ، وكذلك عوامل أخرى من أمثال إقصاء بعض ضباط الجيش السوري إلى القاهرة وعدم إسناد أي عمل لهم ، كل هذه الأسباب وغيرها أدت لوقوع انقلاب عسكري قاده بعض ضباط الجيش في أواخر عام 1961 أدى إلى انفصال الوحدة بين سورية ومصر ، وطبعاً لست هنا بصدد مناقشة هذه المسألة وإنما وضعتها في سياقها  التاريخي لأوضح أسباب انحسار العمل السياسي .

عادت الحياة الديمقراطية في عام 1962 وجرى انتخاب مجلس نيابي وشكلت الوزارة ، إلا أن البلد لم يستقر وكان لعبد الناصر والمواليين له في سورية دور كبير في زعزعة الاستقرار حتى كان انقلاب 8 آذار/مارس 1963 حين اغتصب السلطة ضباط موالون لحزب البعث وللناصريين ، فاعتقلوا عدداً كبيراً من النواب والوزراء وكبار المسؤولين والأكاديميين والقضاة ، وأعلنوا حالة الطوارئ ، وواجه الشعب بداية لنظام قمعي بوليسي ، ولعبت دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية دوراً بارزاً في استنـزاف الساحة السورية من القيادات السياسية وغيرها ، وفي تموز/يوليو وقعت صدامات بين جناحي الحكم “البعثيون والناصريون” أدت لسيطرة البعثيين على الحكم وتم تصفية أعداد كبيرة من الضباط الناصريين ، وبدأ في سوريا نظام فاشيٌ شوفيني ٌ ، ثم عمدت السلطات الحاكمة إلى إصدار مراسيم تشريعية بحجة حماية الثورة وفرضت أحكام قاسية على المعارضين وصلت فيها الأحكام إلى الإعدام والسجن لمدد طويلة ، وفي عام 1964 شكل المهندس مروان حديد الذي كان ينتمي للإخوان المسلمين تنظيماً سماه الطليعة المقاتلة وهي تتكون من شباب صغار ، ويتبنى هذا التنظيم إزالة حكم البعث بالقوة ، ويقدر العارفون في حماة مركز انطلاق هذا التنظيم أنه لا يعدو أن يكون بين “300-500 شخص” وكان رئيس الدولة أمين الحافظ الذي وجه قطعات من الجيش إلى حماة لقمع هذه الحركة ، وقصف الجيش جامع السلطان فهدمه ولوحقت هذه المجموعة وهرب مروان حديد إلى دمشق واختفى عن الساحة ، ومنذ ذلك التاريخ تكشفت نوايا السلطة الحاكمة عن سلوك جامح في استعمال القوة العسكرية لقمع أي احتجاج ، ففي عام 1965 وفي النصف الثاني منه تداعى بعض سكان دمشق إلى الاعتصام في المسجد الأموي احتجاجاً على سلوك الحكم وخاصة فيما يتعلق بمناهضة الشعور الديني الذي يسكن قلوب الناس ، إلا أن الضابط سليم حاطوم وهو أحد أركان قيادة الثورة توجه بآلية عسكرية فكسر عتبة المسجد الأموي ودخله وأطلق الرصاص على المعتصمين العزل ، وأحضرت الشاحنات وسيق الناس إلى السجون فبلغ عدد المعتقلين من المسجد نحواً من عشرة آلاف شخص ، وقد شاهدت الواقعة بعيني حيث كنت قاضياً للصلح فتوجهت من قصر العدل إلى المسجد الأموي لاستطلع الخبر ثم عدت إلى محكمتي ودعوت القضاة للاجتماع لبحث الحالة في دمشق ، وتم تشكيل لجنة كنت أحد أعضائها لمتابعة الأحداث ، وفي المقابل وقف أمين الحافظ وهو رئيس الدولة على شرفة قصر الضيافة ليتحدث إلى جمهوره قائلاً لهم : “أن النساء تلدن كثيراً سنقطع أيديهم وأرجلهم ونرميها للكلاب” مشيراً بذلك إلى معتقلي المسجد الأموي ، وأعلنت نقابة المحامين الإضراب عن العمل وكذلك توقف القضاة ومنع التجول في بعض مناطق العاصمة وأغلقت المتاجر أبوابها ، فأقدمت السلطات على كسر أبواب بعض المحلات التجارية ونهب محتوياتها وأصدرت قرارات بمصادرة مائة وعشرة شركات بداعي أنها ساعدت المضربين ، وغصت السجون بالمعتقلين من كل فئات الشعب التي يتصور أنهم معارضين .

في كل مرحلة من مراحل الاحتجاجات كانت وسائل الإعلام التابعة للسلطة تصف هذه الاحتجاجات بأنها مؤامرة خارجية وأن من قام بها أو يقوم هم عملاء للخارج ورجعيون وما إلى ذلك ، ويستمر الضغط على المواطنين في كل نواحي حياتهم وتم تكميم الأفواه وصدرت القرارات العديدة بتشكيل منظمات طلابية بغرض السيطرة على قطاع الطلاب من مثل شبيبة الثورة واتحاد الطلاب ، وتم توظيف هؤلاء جواسيس على بعضهم البعض .

في أواخر عام 1965 تمت إعارتي للعمل في القضاء الليبي مع بعض الزملاء ، وفي عام 1966 أصدرت السلطات الحاكمة في دمشق مرسوماً برفع الحصانة عن القضاء وصرفت من الخدمة أربع وعشرين قاضياً كنت أحدهم وكان على رأس القائمة عبد القادر الأسود الذي كان رئيساً لأعلى سلطة قضائية إبان الوحدة مع مصر ، وقضاة كبار آخرين فكانت هذه المذبحة الكبرى في القضاء وخرجت صحافة البعث لتقول عن المصروفين من الخدمة بأنهم متخلفون وغير متفقين مع الثورة ، وكان المرسوم الذي قضى بذلك قد صدر محصناً من الطعن في القضاء .

وفي عام 1967 كان قد وصل حافظ الأسد وزيراً للدفاع ، وفي الخامس من شهر حزيران/يونيو  وقعت كارثة تسليم الجولان إلى إسرائيل دون أن يخوض الجيش السوري أية معركة وأصدر حافظ الأسد أوامره إلى الجيش بالانسحاب من الجولان “كيفياً” أي بدون ترتيب وترك الجيش كل شيء في الجولان من أسلحة وذخائر ومخططات لأكثر مناطق الشرق الأوسط تحصيناً وانسحب لا يلوي على شيء ، وذلك قبل أن تطأ قدم أي جندي إسرائيلي المنطقة ولمن أراد أن يتوسع في هذه المسألة فيمكنه الرجوع إلى كتاب “سقوط الجولان” لكاتبه (خليل مصطفى بريز) الذي كان ضابط استخبارات الجبهة وقد اتهم فيه حافظ الأسد بالخيانة العظمى فاختطف من لبنان وحكم عسكرياً بخمسة عشر سنة في السجن قضاها ثمان وعشرين سنة ، وقبض حافظ الأسد ثمن خيانته بأن أصبح رئيساً للدولة يورث أبنائه من بعده ، واستحدث حافظ الأسد في المدارس الابتدائية نظام طلائع البعث الذي أدخل بموجبه صغار الطلاب في المدارس الابتدائية في تنظيم البعث ، وتسلل الخوف والرعب إلى قلوب السوريين وأضحى الكلام حتى بين الأهل والأزواج يكتنفه الخوف من الوشاية .

تحركت النقابات العلمية في 1978 فتبنت قرارات تتعلق بالحريات العامة وحقوق الإنسان فكانت النتيجة أن أصدر حافظ الأسد في مطلع 1980 مرسوماً بحل النقابات العلمية “محامين أطباء مهندسين” وحلت النقابات فعلياً ثم ألحقت بحزب البعث بقوانين صدرت في ذات الوقت وأودع النقابيون في السجون وكنت واحداً منهم ، ثم وقعت حوادث اغتيالات في سوريا وخاصة في حماة فأرسل حافظ الأسد الوحدات الخاصة بقيادة علي حيدر إلى المدينة ثم أعقبها بسرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد فاحتلت المدينة عسكرياً ثم استبيحت بكل معنى كلمة الاستباحة ، وجرى نسف الأبنية والدور بالديناميت وقتل ثمان وأربعين ألف شخص ودمر ثلث المدينة بالكامل وسويت المباني بالأرض وشوهدت جثث المواطنين ملقاة هنا وهناك وفتيات عاريات في نهر العاصي ودمر سبعون مسجداً وعدداً من الكنائس الأثرية ونهبت سوق الحلي والذهب كما نهبت الآثار ولاذ المجتمع الدولي بالصمت  وكذلك الدول العربية ، بينما أغدقت الأموال على حافظ الأسد من كل مكان في الخليج العربي وأصيب هو وزبانيته بالتخمة نتيجة ما تدفق عليهم من خيرات ، وزجت السلطات بخمسين ألف مواطن في السجون واغتيل في سجني تدمر والمزة أكثر من خمسة عشر ألف سجين ، وكان مجمل ما فقدته سوريا من البشر بلغ سبعين ألفاً لا زال هؤلاء أحياء في القيود الرسمية ، وصادرت السلطات عشرين ألف منـزل ، وفر من البلاد نحواً من ربع مليون مواطن توزعوا بين دول الخليج وأوروبا والعالم ، ولا يزال هؤلاء خارج سوريا ممنوعين من العودة إليها .

هذه الحالة التي عرضتها في السطور السابقة أدخلت الخوف والرعب في قلوب السوريين ، مما أدى إلى انكفائهم عن العمل السياسي ثم تدخلت الدولة فسيطرت على العمل الاجتماعي “جمعيات مجتمع مدني” وبسطت سلطتها على أئمة المساجد فربطت بعضهم بأجهزتها ، في هذه الحالة لم يعد هناك من أمل في العمل العام وفي السياسة تحديداً ، وعلى سبيل المثال أود أن أورد هذه الحادثة ، فقد كنت مرة مستضافاً في إحدى القنوات الفضائية وفي اليوم التالي التقيت بصديق لي فسألته عما إذا كان شاهد لقائي في الفضائية فأجابني باستغراب : “أخاف أن يسألني الأمن عما إذا شاهدت المقابلة فعلاً أم لا” ، أوردت هذا المثال حتى يعلم القارئ مدى الخوف والرعب الذي عشعش في قلوب السوريين ، إلا أن كل ذلك إنما يشكل ضغطاً اجتماعياً فقد تحول المجتمع مع الزمن والقمع الذي يمارس عليه إلى برميل من البارود يحتاج إلى شرارة لتفجيره .

في مطلع 2007 طلب إلي اللواء هشام اختيار رئيس مكتب الأمن القومي دعوته إلى الغداء فاستجبت له وجلسنا على طاولة الطعام في أحد مطاعم دمشق ، وبقينا معاً لساعتين ونصف وقد حدثته بصراحة ما بعدها صراحة عن أوضاع البلد وعن الاعتقال وعن الملفات التي ينبغي إنهائها وعلى رأسها ملف المفقودين لعام 1980 وملف المهجرين وملف الدور المصادرة وقلت له أنني أرى الدماء في الشوارع نتيجة الاحتقان الشديد لدى الشعب واستعملت كلمة الحجاج في ذلك فقلت له : “وكأني أرى الدماء من بين العمائم واللحى” وطالبته باعتباره قريباً من مركز صنع القرار أن يبادروا لتسوية الملفات العالقة قبل فوات الأوان ، فوعد كعادتهم : انتظر وسوف تصدر قرارات هامة ، ومات الرجل في حادث خلية الأزمة ولم تصدر القرارات .

قلت أن الوضع العام في سوريا كان وضعاً متفجراً وقد التقيت شخصياً بالعديد من الوزراء وكبار المسؤولين الأمنيين وحذرت من استمرار الأوضاع على ما هي عليه فلم أجد سوى الاستمرار في الاعتقال والقمع بحيث بلغ عدد معتقلي الرأي عام 2009 خمسة آلاف معتقل وكنت واحداً منهم إذ تم اختطافي من الطريق العام بتاريخ 14/10/2009 بسبب كتاباتي وآخر لقاء مع قناة بردى الفضائية ، وتم اقتيادي إلى المحكمة العسكرية فحكمتني  ثلاث سنوات سجن ، وكان هذا هو جزائي في محاولة حواري مع السلطة الذي بدأ مع مجيء بشار الأسد إلى السلطة .

واستمرت حالة القمع ولم تأبه السلطة لما يجري حولها في العالم هنا وهناك ، في تلك المراحل اجتمع عدد من التنظيمات اليسارية الصغيرة والتي كان أكبرها الاتحاد الاشتراكي والذي شكل مع أربعة تنظيمات أخرى ما سمي التحالف الديمقراطي والذي كان يخلو من أي تيار له طابع إسلامي بسبب أن النظام كان قد أصدر القانون (49) في عام 1980 والذي يقضي بإعدام كل منتسب إلى الإخوان المسلمين وطبعاً تحت هذه الواجهة يمكن أن يتم تصفية أي منتمي للتيار الإسلامي إذا كان ناشطاً سياسياً ، هذا التحالف الديمقراطي لا يمثل شيئاً على أرض الواقع ولم يكن يستطيع أن يجيش الشارع ، إذ من المفيد هنا أن أشير إلى الطابع المتدين لإجمالي الشعب السوري الذي يشكل فيه السنة 80% ، بينما يتشكل الباقي من مختلف الطوائف ، كما من المفيد أن أشير هنا إلى أن الغالبية العظمى من معتقلي الرأي الذين ذكرتهم آنفاً كانوا من التيار الإسلامي .

هذا المشهد الأمني بامتياز والذي كشف عن توجه السلطة الحاكمة على أنه لا وجود لأي طريق للإصلاح أو للتغيير بل أنها -أي السلطة- ماضية في طريقها لا تحيد عنه ، هذه الحالة زادت من احتقان الشارع في الوقت الذي كان فيه هذا الشارع يكاد يخلو من قيادات فاعلة على الأرض سوى النذر اليسير الذي لا يستطيع قيادة المرحلة .

مع قدوم بشار الأسد للحكم فيما سمي “ربيع دمشق” مع أنني اعتبرته أيام شتاء بطقس معتدل مع مجيء هذه المرحلة الجديدة بدأ في سورية حراك سياسي واجتماعي وافتتحت المنتديات “صالونات” وبدأ العديد من المفكرين يلقون المحاضرات هنا وهناك وكان من أبرز هذه المنتديات منتدى جمال الأتاسي والمنتدى الديمقراطي في منـزل النائب السابق رياض سيف ومنتديات عديدة في دمشق وريفها وفي حلب وفي مدن عدة ، كان للعديد من المفكرين السوريين لقاءات ومداخلات في هذه المنتديات أدت بصورة من الصور إلى بداية تشكيل رأي عام ، ولكن السلطة شعرت بخطورة هذه المنتديات فعمدت إلى إغلاقها تباعاً وكان آخر هذه المنتديات منتدى جمال الأتاسي ، بينما اعتقلت السلطة الناشطين في المنتديات وكان عددهم عشرة أشخاص منهم النائبين رياض سيف ومأمون الحمصي والأكاديمي عارف دليلة والمحامي حبيب عيسى والدكتور كمال اللبواني والدكتور وليد البني والمحامي رياض الترك  والمهندس فواز تللو وآخرين لا أذكرهم في الوقت الحاضر ، وكنت أحد وكلاء الدفاع ، وحكم على هؤلاء أحكام تتراوح بين عشر سنين وثلاث سنين ، ولوحق سائر الناشطين في الشأن العام واتخذت السلطة مبدأ بسط الأمن قبل أي شيء آخر وتدخلت في عمل الجمعيات الخيرية وجمعيات المجتمع المدني وتراجعت مسألة حقوق الإنسان تراجعاً كبيراً وعاد الاحتقان للشارع السوري وهو ما ساهم في زيادة الاحتقان ومهد لقيام الثورة .

في السادس من آذار/مارس 2011 أصدرت بياناً تحت عنوان “هذا بيان للناس” طالبت فيه السلطة بالرحيل كما طالبت الشعب بالتحرك لنيل حقوقه وذلك قبل خروجي من السجن بيومين والذي وقع في الثامن من الشهر نفسه ، وكانت دمشق قد شهدت احتجاجات في شهر شباط/فبراير 2011 تم قمعها واعتقال بعض من نشطائها ، وما أن خرجت من السجن حتى بدأ الشارع السوري يتحرك احتجاجاً على القمع والقهر الذي ابتدأ بأطفال درعا ثم عمت الاحتجاجات معظم مدن وريف سوريا بينما واجهها النظام بإطلاق كتائب الجيش والقتل المباشر ففي خلال ستة أشهر من بداية الاحتجاجات السلمية سقط خمسة آلاف شهيد .

هذه الصورة التي رسمتها سابقاً أمثلها كالشجرة التي نرى القسم العلوي منها يكون أحياناً مخضراً  مثمراً وأحياناً تتعرى الشجرة من أوراقها وتظهر خشباً لا حياة فيه ،إلا أن جذور الشجرة تمتد لمسافات عبر الأرض تأخذ غذائها من مختلف المناطق لتمد الشجرة بالغذاء اللازم لاستمرار حياتها وهكذا فإن الثورة السورية كانت ترضع نسغها من رحم المجتمع على مدار السنوات الطوال منذ مجيء حزب البعث إلى السلطة مع الانقلاب الذي وقع عام 1963 وانطلقت المظاهرات والاحتجاجات حكماً من المساجد لأنها هي المكان الوحيد الذي يمكن أن يجتمع الناس فيه وخاصة أيام الجمعة ، وجميع المظاهرات والاحتجاجات التي انطلقت في مناطق متفرقة من البلاد وعمت شوارعها كانت من شباب في مقتبل العمل ضاقوا ذرعاً بنظام فاجر يجثم على صدورهم ويمنعهم من الاستفادة بالحياة الصحيحة والعيش بأمان وحرية ، فقد سيطرت الأسر الحاكمة على 85% من الدخل القومي بينما تحول 30% من القوى العاملة إلى عاطلين عن العمل ، وهكذا وجد الشباب أنفسهم يواجهون مستقبلاً غامضاً لا يضمن لهم الحد الأدنى للعيش الكريم وتحول 60% من الشعب السوري إلى ما تحت خط الفقر .

في هذه الحالة وعلى مدار الأيام والشهور كانت الاحتجاجات ككرة الثلج تكبر مع الأيام دون أن يكون هناك قيادة فعلية لهذه الاحتجاجات والمظاهرات ، وكما قلت سابقاً فإن التجمع الديمقراطي هو الوحيد الذي كان على الساحة السورية وكذلك نشأ ما يعرف بإعلان دمشق الذي كنت أحد مؤسسيه ، وقد ضم بعض الشخصيات المعروفة ثم ما لبث بعد الاعتقالات التي ضربته إثر اجتماع المنتسبين إليه في دار رياض سيف وحكم عليهم بالسجن ومنهم رئيس الوزراء المكلف حالياً الدكتور أحمد طعمة ، ما لبث الإعلان أن تراجع أعداد المنتسبين إليه وأصابه الضعف .

أعود لأقول أن الثورة في سوريا كباقي ثورات الربيع العربي في تونس وليبيا ومصر قادها شباب في مقتبل العمر خرجوا إلى الشوارع بعد أن ضاقت بهم الحياة ذرعاً ويئسوا من إمكان التغيير السياسي الهادئ فتحرك الشارع السوري كما تحركوا وكان للثورات العربية في ربيعها أثر على الثورة السورية ، ولكن لم يكن يدر في خلد أي واحد من السوريين أن نظاماً بشعاً مجرماً يحكمهم يمكن أن يقوم بأي عمل من أجل بقائه في السلطة ، “الأسد أو نحرق البلد” وكذلك “الأسد أو لا أحد” ، فقد نشر بشار الأسد ثلاثة آلاف دبابة على الساحة السورية وبدأ استعمال الأسلحة الثقيلة لهدم المدن والقرى على رؤوس أصحابها ، ومع ذلك استمرت الثورة دون قيادة ورحل عن سوريا بعد بدء الثورة العديد من الأشخاص الذين كان يمكن لهم أن يقودوا العمل الثوري فبقيت الثورة كما هي شباب في عمر الورود يقودونها في كل مدينة وقرية وقطاع بعضهم انشق عن الجيش فشكل ما يسمى الجيش الحر وبعضهم مدنيون حملوا السلاح دفاعاً عن حياتهم وأعراضهم ، بينما بدأ يتدفق على سورية مواطنون من بلدان عربية مختلفة بقصد الانضمام إلى السوريين في دفاعهم عن أنفسهم .

قلت أن حافظ الأسد في أحداث الثمانينات قتل نحواً من سبعين ألف مواطن التقيت العديد منهم في السجون كانوا في الحقيقة من خيرة الشباب وكان يمكن أن يشكلوا قادة للمستقبل ، إلا أن نظام حافظ الأسد عمد إلى تصفيتهم بالجملة ، والشيء الأساسي أن القمع والتصفيات التي تمت في سوريا وحتى الآن في طابعها العام تقع في وسط الإسلاميين وبالتالي فكما أوضحت سابقاً فإن التجمع الديمقراطي السوري لا يضم أياً من التيار الإسلامي والذي هو المكون الرئيسي في سوريا ، وحتى أقرب الصورة للقارئ فإني أضرب هنا مثلا ً، ففي أوائل أيام الاحتجاجات اعتقلت السلطات الشيخ معاذ الخطيب وفي أثناء التحقيق معه حول نشاطه سأله المحقق عما إذا كان يتواصل مع أحد القياديين في المعارضة أو المفكرين السوريين ، فأجابه بالإيجاب فطلب إليه تسمية من يتواصل معهم ، فذكر لهم ثلاثة أسماء الدكتور عارف دليلة وميشيل كيلو وهيثم المالح وعندما سمع المحقق باسمي قال له بصورة عصبية لا أريد أن أسمع اسمه وهو يعنيني بذلك بينما سكت عن الاتصال بالآخرين .

فكما قلت لقد خلت الساحة السورية تقريباً من قادة سياسيين يمكن أن يتولوا قيادة الثورة ، وكذلك خلت الساحة من أحزاب أو تكتلات لها وزن في الشارع السوري ، ومن هنا أقول أن الثورة السورية حتى الآن بقيت دون قيادة سواء من أحزاب أو قوى أو شخصيات ، إلا أن ما يجري على الأرض هو أن الثورة تفرز قيادات في الداخل من أجل الاستمرار برغم أن السلطة الحاكمة تلجأ إلى الاعتقالات الكبيرة في صفوف الناشطين والسياسيين والزج بهم في السجون والتي نقدر الآن أن عدد المعتقلين يتجاوز النصف مليون معتقل ، وقد افتتحت لهم السلطة سجوناً في المدارس والملاعب الرياضية وحتى في صالات السينما ، وبالتالي تضعف مع الأيام إمكانيات قيادة الثورة من قبل قيادات ، وإن كانت هذه القيادات لم تكن تتمتع بخبرة سابقة بل ولدت من رحم الثورة .

ومع هذه الصورة التي قدمتها سابقاً لا يخلو المشهد السوري من العديد من المفكرين الذين قدموا للشعب في خلال المراحل السابقة دراسات ورؤى كان لها أثر بالغ في تكوين الرأي العام والذي قد يكون من الجوانب الفاعلة في التمهيد للثورة السورية ، فلقد دأبت كما دأب غيري من الكتاب والمفكرين على الكتابة في الشأن العام ومحاولة ترسيخ بعض المبادئ الأساسية في الحياة السياسية والاجتماعية ، وأقدر أن نحواً من مائة ألف قارئ كانوا يتابعون كتاباتي في سوريا ، وأضرب مثالاً على ذلك ففي العام الماضي زارني شاب في مقتبل العمر كان قد اعتقل في حلب  أثناء المظاهرات ، وقد أخبرني أن التهمة التي وجهت إليه هي “نشر أفكار هيثم المالح” ، وقد زارني هذا الشاب عرضاً في منـزلي حين كنت أسكن في المعادي وهو كما فهمت منه من مدينة حمص ، إلا أنه كان يدرس في جامعة حلب ، هذا يوضح لنا مدى تأثر الشباب السوريين بما يكتبه الكتاب في سوريا وهو بالطبع ما ساهم في إذكاء الثورة  .

الخلاصة التي أراها أن الثورة السورية انطلقت من الشباب في شوارع وأزقة المدن السورية وقراها ، ولم يكن قد دفع إليها أي أحد من السياسيين أو القيادات الفكرية أو الأحزاب والتنظيمات الأخرى ، فكانت ثورة شباب ضاق ذرعاً بما يمارس ضده من قمع وإرهاب وإقصاء وتهميش ، فكان يريد أن يرى وجوده في سوريا وأن يرى دوره في بناء مستقبله ، إلا أنه وجد نفسه غير قادر على الفعل بسبب سيطرة سلطة هي أقرب لمفهوم عصابات المافيا من مفهوم الدولة أو مفهوم سلطة تريد أن تنتقل مع شعبها إلى مستقبل أفضل .

تواجه اليوم سوريا مؤامرة كبيرة على شعبها فحتى الآن أضحى عشرة ملايين سوري بدون مأوى ، ويجري قصف وتدمير ما بقي من سوريا بطائرات أمدت النظام بها روسيا الاتحادية ، وكذلك بالقصف الصاروخي والقنابل المحرمة دولياً والعالم الغربي والعربي ينتظران  أن تتحول الدولة إلى دولة فاشلة عندها سيستفيق العالم على نتائج مروعة سوف تهز ليس سوريا وحدها وإنما المنطقة بأكملها ) … وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ  ( [الشعراء : 227] ، وسيكون الشعب السوري هو المنتصر في النهاية إن شاء الله .

المحامي هيثم المالح

رئيس اللجنة القانونية

في الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

جمعيّة حقوق الإنسان السوريّة في إسطنبول: ماكرون ضد العدالة

خرج علينا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مؤخراً بتصريحات خطيرة جاء فيها: ” إنّ الإسلام دين …