أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / الجيش السوري في عيده الماسي .. من البدايات إلى حافظ الأسد (2 من 3)

الجيش السوري في عيده الماسي .. من البدايات إلى حافظ الأسد (2 من 3)

محمد علاء الدين

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

ضرباتالبدايةالموجعة .. والانحرافات

أقسى ما يمكن أن يتعرّض له جيشٌ وليد، ما يزال يحاول إكمال البنيان في دولةٍ فتية، يكون باضطراره للإنخراط في حربٍ، عليه فيها أن يكون المهاجم، وهو الدور الذي يحتاج في العلوم العسكرية ضعفي قدرة الخصم على الأقل، فيما الوضع هنا معكوس تماماً في اضطرار الجيش السوري لمحاربة للصهاينة على أرض فلسطين (1948).

الغريب، والمريب أحياناً، فيما حصل خلال ذلك العام على مجمل الساحتين، العربية بشمولها، والسورية بخصوصها، يجعل عشرات الأسئلة بلا إجابات مقنعة. عربياً، وبعد ما استكملت بريطانيا رعايتها على أرض فلسطين، وتأكدت من قدرة التنظيمات الصهيونية، عسكرياً وإدارياً، على المواجهة، تنفيذاً لوعدها السابق (بلفور 1919). أحالت بريطانيا القضية الفلسطينية إلى هيئة الأمم (1947)، مدّعية أن الوضع بات خارج إمكاناتها ويحتاج لقرار دولي.

صدر قرار تقسيم فلسطين الذي أجمع العرب على رفضه، بل واستبقوه، لعلمهم المسبق بنتائجه، إلى التنادي إلى تشكيل جيش تحرير عربي

صدر قرار تقسيم فلسطين الذي أجمع العرب على رفضه، بل واستبقوه، لعلمهم المسبق بنتائجه، إلى التنادي إلى تشكيل جيش تحرير عربي، فرعى مجلس جامعة الدول العربية مشروع التطوع فيما سمي لاحقاً “جيش الإنقاذ”، بقيادة الضابط المخضرم الطرابلسي المولد، فوزي القاوقجي، الذي سبق وقاد ثورة 1936. استهدف جيش الإنقاذ عشرة آلاف متطوع، لكن الوثائق تؤكد أن من تحرّك منهم إلى الداخل الفلسطيني، كان نصف العدد فقط، وبتسليح بسيط، غالبه أسلحة فردية قديمة. بدأت عمليات جيش الإنقاذ في الداخل الفلسطيني منذ أواخر عام 1947 بعد قرار التقسيم مباشرة. وعلى الرغم من قلة عتاده، استطاع أن ينتزع السيطرة على مناطق من البريطانيين والعصابات الصهيونية. ولكن المثير للتساؤل عدم قيام تعاون بينه وبين حركة المقاومة الداخلية التي نادى بها مفتي القدس، أمين الحسيني، وقاد عملياتها عبد القادر الحسيني. 

وفيما يخص الجيش السوري، بادرت الحكومة إلى تقديم 54 من ضباطها بقيادة أفواج المتطوعين في جيش الإنقاذ، وكان من بينهم قادة أفواج اليرموك. ومن أبرزهم، ممن سيكون لهم شأن لاحقاً، المقدم أديب الشيشكلي، قائد فوج اليرموك الثاني.  والرائد غسان جديد قائد فوج المتطوعين العلويين. لكن الحكومة السورية، وهي هنا الثالثة بعد الاستقلال، بعد وفاة سعد الله الجابري 1947 الذي كان يجمع منصبي رئاسته الحكومة ووزارة  الدفاع، وكان عبر تاريخه الأكثر صلابة في المواقف الحاسمة، ثم حكومة خالد العظم فحكومة جميل مردم ووزير دفاعه أحمد الشرباتي، بدت هذه الحكومة كأنها استكانت لما قدمته من دعم لجيش الإنقاذ، بضباطها المتطوعين، لكنها لم تستعدّ بجيشها استعداداً كافياً لنذر حرب واضحة المعالم والمكان والزمن، فالمعلن من بريطانيا وهيئة الأمم أن الانسحاب البريطاني سيكون منتصف مايو/ أيار وأن القيادات الصهيونية ستعلن فوراً قيام دولتها، مستندة إلى قرار التقسيم. انتظرت الحكومة السورية إلى ما قبل الموعد المحدد بثلاثة أسابيع، لتقرر عاجلاً، بعد قرار مجلس جامعة الدول العربية، الدخول إلى فلسطين، بلواء المشاة الأول بقيادة العقيد عبد الوهاب الحكيم، مع تحريك اللوائين، الثاني بقيادة العقيد جميل برهاني، والثالث بقيادة الزعيم حسني الزعيم، ليكونا على أهبة الاستعداد. حاول العقيد الحكيم ان يشرح بأن ثلاثة أسابيع غير كافية للاستعداد لدخول حرب هجومية، لكنه اضطر للامتثال للأوامر التي بلغت من تخبّطها أنها بعد تحرك اللواء بكل أسلحته للدخول عن طريق لبنان. وبعد أن استجمع ما يمكن من معلومات وخرائط عن طبيعة المنطقة ونقاط تمركز العدو جاءته الأوامر مجدداً، وقبل يومٍ من بدء الحرب بالعودة من لبنان، والتجمّع في قطنا للدخول من الحدود السورية، ومواجهة مناطق لا يملك خرائطها. 

فوزي القاوقجي يتفقد القوات السورية في فلسطين (17/4/1948/Getty)

لعل ذلك، وما سبقه من أسباب، أدّيا إلى نتائج غير مرضيةٍ في بداية الحرب التي حضر بدايتها داخل الأراضي الفلسطينية رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، تأكيداً على أهميتها، فبعد تقدماتٍ للجيش، وتحرير نقاط حدث تراجع وانكسارات أثارت الشارع السوري على حكومته وأدائها في هذه الحرب التي لم يمض عليها سوى أسبوع، حين اضطرّ وزير الدفاع، أحمد الشراباتي، تحت الضغط، إلى الاستقالة، لتعقبه في اليوم التالي عدة مراسيم، بصرف كل من خطّط للمعركة من الخدمة، مطيحة رئيس الأركان، اللواء عبد الله عطفة، وقائدي اللوائين الأول والثاني، عبد الوهاب الحكيم وجميل البرهاني، فيما صدر مرسوم بتكليف قائد اللواء الثالث، حسني الزعيم، بقيادة الأركان. 

أصدرت الحكومة قراراتٍ استثنائية عديدة متاحة دستوريا في حالة الحرب، فأعلنت حالة الطوارئ، ووضعت كل ما يمكن من إمكانات مادية، لدعم الجبهة، وتم زج اللواء الثالث، وسلاح الطيران على الرغم من أن سلاحه تدريبي وطياريه قلائل حديثي التخرّج. حيث عدّل الفنيون ما استطاعوا بالوسائل المتاحة على الطائرات، كي تحمل القذائف وتزويدها برشاشيْن، أمامي هجومي وخلفي دفاعي، فأبدى أولئك الطيارون مهاراتٍ فائقة في الطيران بلا اتصالات، والهجوم على خطوط العدو، دعماً للقوات البرّية المتقدّمة، تزامناً مع انتصارات لجيش الإنقاذ والجيوش المصرية والأردنية والعراقية وتقدّمها.

كان الجيش الأردني أكثر كفاءة وقدرة في إدارة المعارك من بقية الجيوش، على الرغم من أن معظم قادة فصائله المشاركة ضباط بريطانيون بقيادة الجنرال غلوب باشا، ما يضع إشارات استفهام كثيرة عن عمق الاستراتيجيات البريطانية والطريقة الغامضة التي تدير بها سياساتها المتعددة والمتداخلة في مناطق حكمها، خصوصا وأن مصر والعراق أيضاً كانتا أيضاً تحت الحكم البريطاني. تقدُّم الجيوش العربية من الجهات الثلاث واشتداد حركة المقاومة الداخلية بقيادة عبد القادر الحسيني، جعل الدول الداعمة لقيام إسرائيل تستشعر الخطر الحقيقي، ما ألجأها إلى طلب هدنة شهرا، لم تكن إطلاقاً في صالح الجيوش العربية، وأعقبتها بهدنة ثانية أوجدت فيها السبل لتقديم الدعم العسكري واللوجستي للقوات الصهيونية، فيما باتت الجيوش العربية في وضع الافتقار إلى استمرار التذخير وتعويض الفاقد من السلاح، بل إن إحدى صفقات السلاح المبرمة مع تشيكسلوفاكيا لصالح الجيش السوري ذهبت إلى الإسرائيليين، في فضيحةٍ فتحت أبواب التحقيقات عن أدوار خيانة. بدأت الأمور تتحول، ميدانياً وجغرافياً، لصالح الإسرائيليين، حتى صدور قرار مجلس الأمن بفرض الهدنة الدائمة (نوفمبر/ تشرين الثاني 1948) فرفضتها الدول العربية بداية، ثم راحت حكوماتها منفردة إلى مفاوضات غير مباشرة (رودس 1949) أفضت بها إلى القبول، فيما بقيت الحكومة السورية (المستقلة) رافضة الهدنة.

تداخلات المرحلة وبدء الانقلابات

قبل حرب فلسطين وخلالها، كانت شركة النفط الأميركية (تابلاين) تحاول تمرير مشروع خط أنابيبها من السعودية إلى البحر المتوسط عبر الأراضي السورية، وبشروطها المجحفة التي رفضت مرة ثانية من حكومة خالد العظم العائدة إلى الحكم. استغل حسني الزعيم حالة التذمر الشعبي من الساسة، في أعقاب قيام دولة إسرائيل، ونقمة عسكريين كثيرين عليهم، بذريعة عدم درايتهم بالأمور العسكرية، فقام بانقلابه العسكري في 30 مارس/ آذار 1949، بعد قطعه جميع الاتصالات عن العاصمة، واعتقال قواته سياسيين كثيرين، في مقدّمتهم الرئيس القوتلي ورئيس الوزراء خالد العظم. باشر الزعيم بانتزاع جميع السلطات، وحصرها في شخصه، مسلماً نفسه بنفسه سلطة بعد أخرى، وبطرق لم تخلُ أحياناً من شكل مسرحي واستعراضي كان يهواه، ومرفّعاً نفسه إلى رتبة مشير. وفي خضم قرارات ومراسيم كثيرة متتالية، كان بعضها يلقى تأييداً شعبياً، مرّر الزعيم “اتفاقية التابلاين”، ووقع اتفاقية الهدنة، وهما أهم ما كانت تسعى إليه الولايات المتحدة الأميركية من دعمها له وتأييدها انقلابه. أمام تكشف دور الزعيم ولجوئه إلى زج معارضيه في السجون، سياسيين وعسكريين، حتى ممن ساعدوه في انقلابه، كالعقيد أديب الشيشكلي، وما أعقبه من تسليم زعيم القوميين السوريين، أنطون سعادة، إلى لبنان بطريقة فجة، حيث تم إعدامه مباشرة، الأمر الذي اعتبره كثيرون خيانةً لا تليق برئيس دولة، بالإضافة إلى ابتعاده عن المشروع البريطاني في العراق والأردن. 

سرّع ذلك كله بنهاية حكمه الذي لم يدم سوى 137 يوماً بانقلاب جديد، نفذه العقيد سامي الحناوي. وسيشكل انقلاب الزعيم لاحقاً نقطة الانعطاف الخطرة في الدور الوطني لمعظم الجيوش العربية، لفرض أجندات خارجية، أو لفرض إرادة القادة العسكريين على السياسة العامة للدولة وإقصاء رجالاتها المنتخبين ديمقراطياً، بقوة سلاحٍ تنحرف توجهاته من الحدود إلى داخلها، وإلى إراقة دماء من أهل الوطن أكثر بكثير مما يفعل تجاه الأعداء الخارجيين. سرعان ما أُعدم حسني الزعيم ميدانياً بتهمة الخيانة، إثر انقلاب العقيد الحناوي الذي تكشف مباشرة الدور البريطاني فيه، على خلفية التنافس البريطاني الأميركي في الدور المتصاعد لأميركا بعد الحرب، فأجندة انقلاب الحناوي أظهرت دعمها للمشروع البريطاني بوحدة سورية والعراق في ظل حكم ملكي هاشمي ترعاه بريطانيا، ويحقق مصالحها في السيطرة على البلدين، وربط خطوط النفط العراقي، وما هو متوقع من نفط سوري بساحلها على البحر المتوسط وهو المشروع المؤيد من قادة حزب الشعب. 

حسني الزعيم

يلحظ هنا تأثير حكم العسكر على السياسيين، وبدء مرحلة انحرافات بعضهم بالخضوع للقوة العسكرية، وتملك قادتها في محاولة للتشارك، بمكاسب حزبية أو فئوية. اتضح ذلك بتوجه الحناوي إلى تسليم الرئاسة للرئيس السابق، هاشم الأتاسي،  ودعم حزب الشعب في الحكومة والمناصب، فردّوا له بمكافأة ترفيعه رتبتين من عقيد إلى لواء وتثبيته في قيادة الأركان التي كان يرأسها بالوكالة. ولعل الحناوي، ومن يقف خلفه، استفادوا من تجربة الزعيم المتهوّرة في الاندفاع السريع إلى الإمساك بجميع السلطات، ومع الرفض الشعبي والسياسي الذي رأى في المشروع البريطاني محاولةً لإعادة الدولة المستقلة إلى حكم استعماري بريطاني. حاول الحناوي وبنصائح من سياسيين مقرّبين التخلص من كبار الضباط المعارضين، بمحاولة تسريحهم أو نقلهم ملحقين عسكريين في السفارات، وهو ما كُشف وجعل العسكريين يسارعون لإطاحته، وبمشروعه عبر الانقلاب الثالث في عام واحد، بقيادة نائب رئيس الأركان، العقيد أديب الشيشكلي الذي كان أكثر مهارة وروية من سابقيه في المناورة مع السياسيين. لم يتطلع مباشرة إلى المناصب، وبقي مكتفياً بمنصبه السابق نائباً لرئيس الأركان ونصّب الزعيم فوزي سلو في قيادة الجيش، والزعيم أنور بنّود رئيساً للأركان، بينما من الناحية الفعلية كان الشيشكلي قائد الانقلاب يمارس دور القائد الأعلى للقوات المسلحة، وكذلك فعل مع السياسيين، فبقي هاشم الأتاسي رئيساً للدولة  ثم أعيد انتخابه (ديسمبر/ كانون الأول 1949)، واستمر مجلس النواب برئاسة رشدي الكيخيا (رئيس حزب الشعب) في عمله مجلسا تأسيسيا لصياغة الدستور الذي صدر في العام 1950، ويعتبره الخبراء أفضل دستور في تاريخ سورية المعاصر.

على صعيد رئاسة الحكومة، عادت في مارس/ آذار 1950 لتكون برئاسة خالد العظم، أكبر المناوئين للمشروع البريطاني بضم سورية والعراق. وعلى الرغم من الإصلاحات الكثيرة في مجالات الاقتصاد والنقد ومشاريع الاستصلاح والقوانين الاجتماعية والسياسية التي لقيت دعماً في الشارع، إلا أن اختلاطات المرحلة على الصعيد السياسي، والتي أعادت حزب الشعب إلى الحكومة برئاسة معروف الدواليبي، وتمسّك الحزب وقيادته بالنص الدستوري، القاضي بعدم تدخل العسكريين في السياسة، ومحاولة الدواليبي إعداد مشروع تسريح الشيشكلي من الجيش، وأن يكون وزير الدفاع مدنياً ككل الوزراء، وهو الخلاف الذي يراه الباحثون ليس مجرّد خلافٍ شخصي، بل هو خلاف جوهري ومنهجي بين عقليتين مختلفتين لكل من  المؤسستين، السياسية والعسكرية. 

الخطر الأقوى للإنقلابات وحكم العسكر في تجذّرها في نفوس العسكريين، وتطلع كثيرين منهم إلى الوصول إلى الحكم بالقوة

قام الشيشكلي بانقلاب أبيض، هو انقلابه الثاني (29 نوفمبر/ تشرين الثاني 1951)، وأسس حزبه (حركة التحرير العربي) الذي نال أغلبية نيابية وتسلم مقاليد الرئاسة، واستصدر مزيداً من المراسيم التي توسع سلطاته، وتكرّسها دستورياً على نحوٍ لم يرق لبقية الأحزاب، القديمة منها على الساحة، والمستجدة كالبعث والقومي السوري، مما اضطرّه لفرض الأحكام العرفية والسير في طريق سابقيه من العسكريين، بزجّ السياسيين في السجون، وبلغت الأمور ذروتها مطلع العام 1954، احتجاجاً على طريقة قمعه أحداث جبل العرب التي سقط فيها قتلى وجرحى. ومع تصاعد حركات التظاهر في مدن الداخل وتآزر عسكريين معها (حلب، فبراير/ شباط 1954). آثر الشيشكلي وقتها، وهو الموصوف بالدكتاتورية، في موقف يسجل له، تقديم استقالته إلى مجلس النواب، حقناً لدماء الشعب، كما جاء في بيانه في اليوم ذاته (مساء 25 فبراير/ شباط 1954). وغادر مباشرة بالسيارة إلى بيروت، ومنها إلى الرياض فالأرجنتين، لتنتهي المرحلة الأولى من انقلابات العسكر على الحكم الديمقراطي التي شكلت منعطفاً خطراً وارتكاساً لبناء الدولة السورية الديمقراطية المستقلة، المتطلعة إلى اللحاق بركب عالم متطور. الآثار السيئة للإنقلابات وحكم العسكر لم تقتصر على مسيرة الديمقراطية والسياسة وحسب، بل كان خطرها الأقوى في تجذّرها في نفوس العسكريين، وتطلع كثيرين منهم إلى الوصول إلى الحكم بالقوة، وبدعم سرّي من قوى خارجية، هو أقرب، في طبيعته، إلى الخيانة الوطنية غير المعلنة، تنفيذاً لمشاريع استراتيجية تنسجم مع مخططات الداعمين المتخوفين عليها في إطار التبدلات لاختيارات الدولة الديمقراطية، إضافة إلى استنزاف الجيش كثيرين من قياداته ورتبه العالية عبر التصفية، أو الإبعاد لكل من يخالف أو يراه المنقلب خطراً عليه. 

هذه الناحية بالذات سنراها في الجيل التالي من الضباط العائد بشراهة أكبر وأكثر خطراً بعد تسع سنوات شهدت خلالها سورية إطلالة ومضة ديمقراطية قبل الوحدة مع مصر، ثم الانفصال، فعودة العسكر.

العسكروالسياسة .. مدٌّوجزرحتىالانفصال

انتهت مرحلة الانقلابات العسكرية الأولى في سورية عام 1954 بتنحي أديب الشيشكلي، ومغادرته السلطة والبلاد، لتعود مجدّداً إضاءة للحياة السياسية الديمقراطية بعد الاستقلال، شاهدة عودة المدنيين إلى الحكم، وتراجعاً مؤقتاً للعسكر عن صدارة المشهد السياسي. ويبدو أن التطور الطبيعي للبلاد، اجتماعياً وتعليمياً، وما صحب المرحلة من استقلال فنكبة في فلسطين، وما أعقبها من انقلابات، إضافة إلى  أن ظلال ما يحدث في العالم وانعكاسه على الوعي السياسي والمجتمعي في سورية ألقى بآثاره الواضحة على المرحلة، فالانتخابات البرلمانية أعطت روائز جديدة، بدأت تدبّ في أوصال الأحزاب التقليدية، المستندة في زعامتها على خلفية إقطاعية وبرجوازية، لعبت دورها الوطني سابقاً، وأوصلت البلاد إلى الاستقلال، فيما برز دور جديد لأحزاب قادمة من منبت اجتماعي مغاير، تقوم، في بنيتها الحزبية الراديكالية، على إيديولوجيات محدّدة، لا على مجرّد خطوط وطنية عامة كسابقتها.

أديب الشيشكلي (ويكيبيديا)

أسفرت نتائج الانتخابات البرلمانية عن حيازة حزب الشعب كتلة أكبر بثلاثين نائباً، تلاه الحزب الوطني، متراجعاً إلى 19 نائباً. أما القفزة الكبرى فكانت لحزب البعث المندمج مع الحزب العربي الاشتراكي ب 17 نائباً. فيما لم تنل بقية الأحزاب والقوى، على الرغم من وجودها الملحوظ، كالقوميين السوريين والشيوعيين والإخوان المسلمين، سوى بضع مقاعد نيابية، تجعلها ممثلة فقط، من دون وجود كتل مؤثرة لها.

العسكرفيظلالإضاءةالديمقراطية

في انتخابات رئاسة الجمهورية 1955، والتي يقترع فيها النواب، بحسب الدستور، حصل شكري القوتلي على 91 صوتاً مقابل 42 صوتاً لمنافسه خالد العظم، ليعود القوتلي إلى الرئاسة، لكن الواقع الجديد للقوى والأحزاب السياسية سرعان ما اتضح في التوازنات الجديدة ضمن تشكيلات الحكومة والجيش، خصوصا مع التزايد المضطرد لنفوذ البعثيين والقوميين الذين كانوا يعملون بديناميكية وروح شابة متوثبة، وخدمتهم الظروف الإقليمية والدولية أكثر، إثر الموقف القومي إبّان العدوان الثلاثي على مصر 1956، وما تبعه من تقارب أكثر مع الاتحاد السوفياتي، كما كان في استطاعة الاستخبارات، بإدارة عبد الحميد السراج، إفشال محاولة الإنقلاب اليميني المرعي من الاستخبارات الأميركية (أكتوبر/ تشرين الأول 1956) الدور الأهم في إبعاد كثيرين من ضباط اليمين وسياسييه، وإعادة بروز دور العسكر بتأسيس مجلس عسكري بقيادة عفيف البزري، والمكون من 24 ضابطاً، أبرزهم عبد الحميد السراج الذي قوي دوره لكشفه المحاولة، ومن ثم طرده الملحق العسكري الأميركي في سورية، هيوارد ستون، ما جعل القوتلي مضطراً لممالأتهم أكثر فأكثر، في توزيع المناصب الحساسة، فكانت حقيبة وزارة الخارجية لصلاح البيطار من “البعث”، وتحولت رئاسة المجلس النيابي من ناظم القدسي عن حزب الشعب إلى أكرم الحوراني، الشريك الإشتراكي للبعث المتوحد، فيما تم تعيين عفيف البزري، بعد ترفيعه إلى رتبة لواء، رئيساً للأركان وقيادة الجيش، وهو المعروف بقربه من الشيوعيين. لابد من التأكيد هنا أن شعبية حزب الشعب، صاحب الكتلة البرلمانية الأكبر من دون أغلبية، كانت تتهاوى نتيجة الميل السابق المعلن لدى حزب الشعب إلى اتحاد مع العراق، في ظل ملكية هاشمية برعاية بريطانية، فيما دور بريطانيا في المنطقة يشهد نقمة شعبية وسياسية وعسكرية متصاعدة، سواء من جهة الدعوة إلى حلف بغداد، أم من العدوان على مصر إثر تأميم الرئيس جمال عبد الناصر قناة السويس، وهو ما جعل القوتلي وحكومته يميلون، بوضوح، إلى المعسكر الشرقي الاشتراكي، وتجلى ذلك بإسناد حقيبة وزارة الدفاع لخالد العظم، المعروف بلقبه البرجوازي الأحمر، نتيجة مواقفه الصلبة تجاه المشاريع الأميركية والبريطانية في سورية والمنطقة. 

(جزء من وثيقة بخط رئيس المجلس العسكري اللواء عفيف البزري)

وربح البعثيون جولة مهمة سياسياً وعسكرياً أمام الحزب القومي السوري الاجتماعي، أحد أبرز خصومهم حينها، من الأحزاب الناهضة، فحادثة اغتيال العقيد عدنان المالكي، نائب رئيس الأركان، في الملعب البلدي في دمشق 1955 وجهت فيها أصابع الاتهام إلى القوميين السوريين، وأدت إلى ضربة قاصمة لهم سياسياً وعسكرياً في سورية، كان من نتائجها تسريح الموالين لهم من الجيش، ومن بينهم أعلاهم رتبة، المقدّم غسان جديد، ومن ثم ملاحقته واغتياله في بيروت 1957. مرحلة المد القومي العروبي جماهيرياً لقيت صداها في صفوف العسكريين من ذوي الميول القومية والبعثية، وأعادتهم إلى الواجهة من جديد بفاعلية، إنما من دون انقلاباتٍ، هذه المرة، بل بدأت بعصيان قطنا (1957)، الرافض قرار القوتلي نقل العقيد السراج من قيادة المكتب الثاني (الاستخبارات) إلى السفارة في الهند، إدراكاً منهم أن نقل السراج القوي سيعقبه حدٌّ من تنامي نفوذهم المستعاد. ويبدو أن القوتلي وحكومته تبينوا جوهر العصيان، وعاقبة الذهاب بعيداً في صدام مع العسكر، فتم طي القرار، استجابة لمطالب ضباط العصيان، وهو ما كان مقدّمة للإيغال في اندفاعهم بفرض إرادتهم بوحدة سريعة مع مصر، فبلغ الاندفاع ذروته بذهاب الوفد العسكري إلى مصر، لملاقاة عبد الناصر، من دون سابق تنسيق، ومن غير إذن رئاستي الحكومة والجمهورية (وثيقة بخط عفيف البزري). أبدى عبد الناصر تحفّظه تجاه لقاء وفد غير رسمي، فاضطر القوتلي، وعلى غير رغبة منه، كما اتضح لاحقاً إلى مجاراة العسكريين بإرسال وزير خارجيته، البعثي أيضاً، صلاح البيطار، للاجتماع رسمياً بعبد الناصر وطلب الوحدة. 

المصدر: العربي الجديد
https://www.alaraby.co.uk/%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%8A%D8%B4-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AD%D8%A7%D9%81%D8%B8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مستشرق إسرائيلي: التطبيع مع السودان يحكم قبضة إسرائيل على أفريقيا

قال المستشرق اﻹسرائيلي، جاكي خوجي، في مقال نشرته صحيفة “معاريف” العبرية وترجمته “عربي21″؛ “في الدقيقة …