أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / جامعة حلب الحرة.. ملحمة أخرى في الثورة (ج1)

جامعة حلب الحرة.. ملحمة أخرى في الثورة (ج1)

ياسر الحسيني

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

منذ البداية دأب النظام على تدمير العملية التعليمية في جميع مراحلها حتى ما قبل الثورة ، من خلال المناهج وتوظيفها لمصلحته وتكريس حكمه، وعدم توفير المدارس والتغاضي عن كارثة التسرب المدرسي التي تفاقمت في العقد الأول من القرن الحالي ، ولكن خلال الثورة كشف النظام عن وجهه الحقيقي بشكل سافر ومدى حقده على الأجيال التي كان يريدها جاهلة لتكون سلاحاً بيده ضدّ الشعب، فراح يستهدف المدارس بالقذائف والبراميل المتفجرة في المناطق التي خرجت عن سيطرته ، وحول المدارس الخاضعة له لمراكز إيواء للنازحين أو مراكز اعتقال بعد أن اكتظت فروعه وسجونه بالمعتقلين.

ولكن الشعب الثائر استطاع أن يوجد البدائل كي يؤمن استمرار العملية التعليمية للأجيال نظراً لأهمية العلم في حياة الشعوب ولإدراك النخبة الثورية بأنه السلاح الذي تخشاه كل الأنظمة المستبدة ، فكان أطفال الغوطة المحاصرة يتابعون تعليمهم تحت الأرض نظراً لشدة القصف الذي كانت تتعرض له مدن وبلدات الغوطة، وكذلك في داريا والزبداني وحمص وسائر المدن السورية الثائرة والبلدات، وكان المشهد الأكثر دموية وحقداً ماجرى في حلب التي تعرضت لأبشع حملة بربرية في القرن الحادي والعشرين.

أخطر ما كان يحصل على طول البلاد وعرضها هو الاستهداف الممنهج لكل المنشآت التعليمية بما فيها الجامعية وخاصة جامعة حلب، الأمر الذي دعا الحكومة السورية المؤقتة لاتخاذ قرار إحداث ( جامعة حلب في المناطق المحررة) في عام  2015 من أجل تأمين استمرار العملية التعليمية لأبناء المناطق المحررة واستيعاب الطلاب المنقطعين عن الدراسة في الجامعات السورية الذين هربوا خوفاً من الإعتقال بعد أن تحوّلت الجامعات لمراكز للشبيحة والمخابرات.

على الرغم من قلّة الكوادر في البداية إلّا أن العزيمة كانت أقوى من كلّ المعوقات، فتحولت الفكرة إلى واقع حين بدأت الجامعة في القسم الشرقي المحرر لمدينة حلب في حي ( الزبدية) أواخر 2015 ، ومع ارتفاع حدة القصف على المدينة وبشكل جنوني استحالت معه استمرار التعليم في الزبدية فانتقلت الجامعة إلى منطقة ( معرّة النعمان) في أواخر 2016 ، ومن ثم إلى مدينة (إعزاز) في ريف حلب الشمالي وذلك بسبب ممارسات “هيئة تحرير الشام” التي لم تختلف كثيراً عن ممارسات النظام.

وهذه لمحة سريعة عن الذي فعلته هيئة تحرير الشام : ففي ( سرمدا) الواقعة تحت سيطرة “هتش” وبعد تجهيز مباني ( كلية العلوم السياسية وكلية الآداب وشعبة الإقتصاد ومعهد الإعلام ) بشكل كامل قام فصيل من هيئة تحرير الشام بالاستيلاء عليها، وكذلك في مدينة ( الدانا) حيث تكرر الأمر نفسه وتم الإستيلاء على مباني كلية المعلوماتية وكلية العلوم وكليتي التربية والخقوق بالإضافة إلى معهد الحاسوب ، كلّ ذلك حدث في عام 2018  ومع بداية عام 2019  قامت هيئة تحرير الشام باحتلال مباني جميع الكليات في مدينة الأتارب وكليتي الطب البشري وطب الأسنان في ( كفر تخاريم)، وكلية الزراعة والصيدلة وكلية التربية الثانية وشعبة الآداب في مدينة (معرة النعمان).

كانت الوجهة الأخيرة في رحلة التهجير القسري التي عانتها جامعة حلب الحرة إعزاز ومارع البعيدتين عن هيمنة فصائل “هتش”، فتجمّعت معظم الكليات في اعزاز وكان عددها (11 كليةـ 4 معاهد) بالإضافة إلى كلية طب الأسنان ، أمّا في مارع فقد انحصرت في كليتي الطب البشري والصيدلة. الأمر الذي أضاف أعباء إضافية على الطلاب بسبب بعد المسافات ووعورة الطرق .

وعن الصعوبات التي اعترضت مسيرة الجامعة والمعوقات التي يحاولون باستمرار التغلب تحدّث السيد رئيس الجامعة ( د. ياسين خليفة):” هناك العامل المادي هو الأهم الذي يحول دون تحقيق أهداف الجامعة ، فعلى سبيل المثال كانت الموازنة التقديرية لهذا العام ( 2.5 ) مليون دولار لتغطية  احتياجات الجامعة من كلف تشغيلية ورواتب أعضاء الهيئة التدريسية البالغ عددهم ( 80) بين دكتور وماجستير بالإضافة الى الموظفين، ولكن الميزانية الفعلية وصلت إلى ( 1.1 ) مليون دولار فقط أي لدينا عجز مالي قدره 55% “.

وأضاف الدكتور خليفة:” في كلّ المراحل التي مرت بها الجامعة كنّا نوجد الحلول ضمن الإمكانات المتاحة وهي متواضعة، وهذه المرة ولتفادي مشكلة العجز بالموازنة قمنا باتخاذ إجراء مؤقت وهو حسم ما نسبته 15% من رواتب الهيئة التدريسية على أن تسدد لاحقاً، مع إعطاء الأولوية للرواتب بشكل عام لما لها من أثر على الإستقرار المعيشي وخاصة الموظفين ذوي الرواتب الضعيفة”.

أما عن الإنجازات التي حققتها الجامعة خلال أعوامها الخمسة ورغم كلّ ما مرّ بها من حصار وقنص وتهجير قسري من تحت البراميل المتفجرة ، فلقد كانت أشبه بالمعجزة واستطعنا تخريج ( 2332 ) من حملة البكالوريوس و( 71 ) خريج دراسات عليا ، ولدينا في هذه السنة ( 5762) طالباً درجة البكالوريوس و( 200)

لنيل درجة الدبلوم والماجستير والدكتوراه، موزعين على ( 13 ) كلية و( 4 ) معاهد”

وللمزيد من التفاصيل عن جامعة حلب في المناطق المحررة ولإلقاء الضوء على حجم المعاناة والتحديات التي لاتزال تواجهها الجامعة سنفرد مقالة ثانية نتعرف من خلالها على الجهود الاستثنائية التي رافقت مسيرة الجامعة في ظلّ الحرب المجنونة على الشعب السوري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …