أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (72)

إضاءات سياسية (72)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

أنا .. و المشهد السياسي

لمن لا يعرفني أحببت أن أعرِّف نفسي في بضعة أسطر ، فمنذ نعومة أظفاري كانت لي آرائي ومواقفي ، ولم أنتسب إلى أي تنظيم سياسي في سورية أو خارجها .

عملت في مؤسسات المجتمع المدني ، الخيرية منها ، والحقوقية التي بدأت العمل فيها في عام 1978 حيث تبنيت الدفاع عن حقوق الإنسان في إطار نقابة المحامين في دمشق ، وكذلك عملت مع منظمة العفو الدولية منذ أوائل التسعينيات من القرن الماضي ، وكذلك مع المفوضية العليا للأمم المتحدة فيما يتعلق بقضايا اللجوء السياسي في سوريا وخارجها .

كان جلّ اهتمامي السياسي ينصب حول إمكانية تكوين هيئة جامعة للعاملين في هذا الحقل أحزاباً وشخصيات ، ومن هنا كنت من مؤسسي ما يسمى (إعلان دمشق) والذي انسحبت منه حين وجدت المنتمين إليه يندفعون باتجاهٍ يحرفه عن فكرة إنشائه .

بتاريخ 10/07/2011 تلقيت دعوةً من القصر الجمهوري لحضور ما سمي (حواراً) بإشراف نائب الرئيس فاروق الشرع إلا أنني رفضت عبر وسائل الإعلام الحوار مع القتلة وغادرت سورية في نفس اليوم  .

طفت في معظم العواصم الأوروبية لشرح واقع الثورة السورية ولحشد الدعم لها وقد رافقني في كل ذلك ولدي إياس كما تحدثت في دبلن إلى ممثلي 81 دولة في إطار حقوق الإنسان وكذلك تحدثت أمام الهيئة العامة لمجلس حقوق الإنسان في جنيف ، ثم انتقلت فالتقيت بعدد من الأحزاب والمسؤولين في دول عربية بدأتها في القاهرة وفي الجامعة العربية .

أحببت أن أضع هذه الخطوط العريضة لمن لا يعرفني حتى يكون على بينة من أمره وكيما أُلقم حجراً في فم من يحاول الافتئات علي واتهامي بما ليس فيَّ ومن موقعي هذا فإنني سأقدم رؤيتي للمشهد السياسي العام .

التيار الإسلامي :

في أواخر عام 1991 فازت الجبهة الإسلامية للإنقاذ الجزائرية بأكثرية 82% من الأصوات أي بغالبية 188 مقعداً من أصل 231 .

أزعجت نتائج هذه الانتخابات العسكر في الجزائر مما دفع الرئيس الشاذلي بن جديد للاستقالة  وانتقلت السلطة إلى المجلس الأعلى للدولة الذي كان يسيطر عليه العسكر برئاسة وزير الدفاع خالد نزال ، الذي ألغى الانتخابات وأعلن حالة الطوارئ وتبع ذلك حل حزب الجبهة وحظره تماماً ، و دخلت البلاد في دوامة صراع دموي ، كان للقوى الخارجية دور بارز فيها .

في سوريا ومنذ مجيء حزب البعث على ظهر الدبابات العسكرية تم التضييق على التيار الإسلامي في كل مكان وبلغ التضييق أشده منذ مجيء حافظ الأسد إلى السلطة ، ومنذ أحداث حماة الأولى 1964 مروراً بأحداث دمشق 1965 ثم أحداث حماة الثانية مع بداية عام 1980 كان القمع الأوفر من نصيب التيار الإسلامي ، و قد كتبت في ذلك مراراً كان آخرها يتمحور حول إفساح المجال الواسع لحركة التشييع على الطريقة الإيرانية الصفوية وسد الأفق أمام أي حراك للتيار الإسلامي في سوريا ، وملاحقة النشطاء الإسلاميين في كل مكان وسوقهم إلى السجون و المعتقلات .

في أواخر عام 2010 وأوائل 2011 بدأت المجتمعات في كل من تونس ومصر حراكاً تحول إلى ثورة أطاحت بالرئيسين التونسي والمصري ، وعادت حركة النهضة الإسلامية التونسية إلى موطنها بعد أن كانت محظورة وأعضائها مشردون ، وكذلك الحركات الإسلامية : الإخوان والسلفية وما شابهها لتأخذ موقعها في الحياة السياسية المصرية ، ثم جرت انتخابات في تونس فازت بها حركة النهضة وفي مصر فاز بها حزب الحرية والعدالة ذو الخلفية الإسلامية وتبوأ مرشحه الدكتور محمد مرسي رئاسة الجمهورية ، بينما فشل كل من المرشحين المنافسين عمرو موسى وحمدين صباحي ومحمد البرادعي ، وما إن مضت بضعة أشهر على الانتخابات في البلدين آنفي الذكر حتى بدأت الاضطرابات تسود الشارع في كليهما .

اللافت للنظر أن الثورة في كل من تونس ومصر إنما تناولت قمة الهرم دون القواعد وبقيت الأجهزة التي كان قد بناها كل من الرئيسين بن علي ومبارك تسيطر على أجهزة الدولة .

التيار العلماني :

قاد المظاهرات المعارضون للتيار الإسلامي في كل من تونس و مصر ، وسمعنا تعليقات من رؤساء دول غربية تغمز من قناة هذا التيار دون تسميته ، ودفع قادة سياسيون المواطنين للنـزول إلى الشارع من أجل إفشال الرئيس الجديد لمصر واستغل ذلك ذيول النظام السابق أو من يسميهم الإخوة المصريون (الفلول) ، ولم يترك المعارضون للتيار الإسلامي أي وسيلة إلا وسلكوها من أجل إفشال تجربة هؤلاء  وساروا باتجاه معاكس للديمقراطية .

معلوم أن معظم الدول العربية قد حُكِمت منذ الأربعينات حتى الآن بأنظمة ذات طابع يساري أو علماني وما إلى ذلك ولم يكن ممكناً السماح للإسلاميين بالوصول إلى السلطة وإدارة الدولة ضمن برنامجهم الذي يرونه مناسباً ، وفي سورية الآن ومع وصول الثورة إلى مراحلها النهائية برز علينا قادة من الشرق والغرب يتحدثون عن مشكلات قديمة حديثة وخوفهم على الأقليات أو عن منظمات متطرفة (إسلامية) ، أدرجت بعضها في قائمة المنظمات الإرهابية من منظور أمريكي .

لم يتحدث كل هؤلاء عن الأكثرية التي تم قمعها وسحقها طوال عقود في دول عربية ، و أخصها بالذكر ما كان يسمى الدول التقدمية ومنها النظام الحاكم في سوريا و الذي صرح وزير خارجيته (الممانع) وليد المعلم وكذا رأس السلطة الإرهابية (المتانح)([1]) بشار الأسد من أن النظام السوري هو آخر معاقل العلمانية .

أريد أن أتساءل هنا منذ قدمت للمنطقة كل هذه الأنظمة التي أستطيع أن أؤكد أنها ليست إسلامية ، ففي سورية (وإذا أحسنا النية) أضاع حزب البعث (القومي التقدمي) وقادته العسكريون منطقة الجولان عام 1967 التي سقطت دون أي قتال على الأرض ، فقد أمر حافظ الأسد (الممانع) الجيش المرابط هناك بالانسحاب كيفياً ، أي دون تنظيم ، و ذلك قبل أن تطأ قدما أي جندي من جنود العدو المنطقة بأكملها ، و قد اتهم ضابط استخبارات الجبهة خليل مصطفى بريز في كتابه سقوط الجولان ، حافظ الأسد بالخيانة العظمى ، ما أدى لاختطاف هذا الضابط من لبنان 1968 وأحيل إلى محكمة عسكرية في دمشق التي حكمت عليه بالسجن 15 عاماً قضاها بالفعل 28 عاماً .

حاصر (المرجوم) حافظ الأسد الإسلاميين في كل مكان وضيق عليهم وصرف العديد منهم من الخدمة في الدولة ، وخاصة في جهاز التعليم وتبعه على نفس الخطى ابنه المجرم بشار الأسد ، بينما أفسح المجال للشيعة الصفويين بممارسة الاجتماعات واللقاءات واستغلال الفقر والمرض من أجل الضغط لتحويل الناس من مذهب السنة إلى التشيع على المذهب الصفوي ، و كان الغرض في سوريا كسر الكتلة السنية الكبيرة وامتطاء السلطة للوصول إلى دعم حزب الله في لبنان .

لم تدرج الولايات المتحدة الأمريكية العصابة الحاكمة في سوريا تحت قائمة الإرهاب ولم يتحرك ضمير قادتها لآلاف الأطفال الذين يقتلون يومياً ويذبحون وتقطع أجسامهم وتسلخ جلودهم بالسكاكين بينما تغتصب النساء والفتيات بالآلاف وبصورة منظمة وممنهجة بهدف كسر إرادة الثوار فضلاً عن القتل والتشريد والتجويع  .

كل المشهد السوري لا يحرك المجتمع الدولي وبخاصة الدول الكبرى مثل الولايات المتحدة التي ترددت مواقفها صعوداً وهبوطاً بشكل لا يستطيع أحد تفسيره إلا بتفسير واحد هو إعطاء الفرصة للعصابة الحاكمة في دمشق لمزيد من القتل والتدمير والتشريد ، ثم تطل علينا أخيراً بإدراج جبهة النصرة في قائمة المنظمات الإرهابية ، في بلد انبرى أهله للدفاع عن أطفالهم ونسائهم وأنفسهم ، أليس هذا معيباً ؟؟ .

في سورية يوجد أكثر من 30 ألف خبير روسي يساعدون النظام في قتل الشعب السوري وهم مدنيون ، ومنذ أيام اختطف ثوار خبيرين روسيين وما إن صرحت بأن هؤلاء المدنيين يعتبرون هدفاً مشروعاً للثوار حتى قامت قيادة دول عديدة غربية وغير غربية مستهجنين هذا التصريح ، ولم يهتم هؤلاء بضحايا الشعب السوري ولا بمعاناته بينما خافوا على خبرائهم الذين يساعدون جيش العصابة الحاكمة باستعمال الصواريخ التي تضربها على المدن والقرى السورية .

في مصر وفي تونس وفي ليبيا ومستقبلاً في سوريا وكل الغرب يكره وصول التيار الإسلامي إلى السلطة ، ومع هذا الغرب -ويمكن في (حسن نية)- وقف معارضون للتيار الإسلامي يناصرون التوجه الغربي من حيث لا يشعرون وكأن هؤلاء إنما نادوا بالديمقراطية فقط من أجل وصولهم هم للسلطة ومنع غيرهم أو إقصائه عن ذلك .

خاتمة :

بعد 50 عاماً من العمل العام ومعارضة للنظام الفاشي في دمشق أعتقد أنه لا يجوز أن يفكر أحدٌ ، بحسم السياسة في الشارع ، لأن لكل شخص أو تيار مؤيدون ومعارضون ، وبالتالي فإذا لجأنا للشارع لحسم الخلافات السياسية فسوف لا نصل إلى نهاية الطريق أبداً و إنما نصل إلى تدمير البلد أي بلد .

عرضت في الأسطر السابقة كيف تتحرك القوى السياسية بمختلف توجهاتها على الساحة العربية ولدور الدول الغربية في ذلك .

وقد عانيت شخصياً شيئاً من أذى أولئك ، و أتساءل هنا عن نفسي أين موقعي من كل هذه الأمواج السياسية وما يشكل هنا وهناك ؟ لقد صدمت لرأي بعض مسؤولي الغرب من أن خلفيتي دينية ، وبالتالي فأنا غير مرضي عني لتسلمي مراكز هامة .

هذه هي الصورة العامة التي أردت وضعها أمام أهلنا على ساحة وطننا العربي .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .


([1]) بلغة أهل الشام :  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية الآن

العميد د. م. عبد الناصر فرزات الأخوة السوريون في كل مكان، نحن …