أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 10 من 11

الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 10 من 11

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

خطبة عبد الله بن الزبير في مقتل أخيه مصعب

قال ابن جرير: وذكر أبو زيد، عن أبي غسان محمد بن يحيى، حدثني مصعب بن عثمان قال : لما انتهى إلى عبد الله بن الزبير قتل أخيه مصعب، قام في الناس خطيبا فقال: الحمد لله الذي له الخلق والأمر، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء، ألا وإنه لم يذل الله من كان الحق معه، وإن كان فردا وحده، ولن يفلح من كان وليه الشيطان وحزبه ، ولو كان معه الأنام طرا، ألا وإنه أتانا من العراق خبر أحزننا وأفرحنا، أتانا قتل مصعب رحمه الله ، فأما الذي أفرحنا فعلمنا أن قتله له شهادة ، وأما الذي أحزننا فإن لفراق الحميم لوعة يجدها حميمه عند المصيبة به، ثم يرعوي من بعدها، وذو الرأي جميل الصبر كريم العزاء، ولئن أصبت بمصعب فلقد أصبت بالزبير قبله، وما أنا من عثمان بخلو مصيبة، وما مصعب إلا عبد من عبيد الله، وعون من أعواني، ألا وإن أهل العراق أهل الغدر والنفاق ، أسلموه وباعوه بأقل الثمن ، فإن يقتل فإنا والله ما نموت على مضاجعنا كما تموت بنو أبي العاص; والله ما قتل رجل في زحف في الجاهلية ولا في الإسلام، وما نموت إلا بأطراف الرماح أو تحت ظل السيوف، ألا وإن الدنيا عارية من الملك الأعلى الذي لا يزول سلطانه ولا يبيد ملكه، فإن تقبل الدنيا لا آخذها أخذ الأشر البطر، وإن تدبر لا أبك عليها بكاء الحزين المهين، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم”أهـ[1]

ومن هؤلاء القواد الأحنف بن قيس مضرب المثل في الحلم والحكمة  والشجاعة. الأحنف بن قيس الذي قال عنه معاوية رضي الله عنه: “الأحنف بن قيس إذا غضب غضبه له مئة ألف لغضبه ولا يسألون لم غضب”[2]

هذه حقيقة يجب أن نعترف بها لولا تعدد هذه الجبهات لسحق قواد ابن الزبير جيش ابن مروان. ومن ثم لتغير التاريخ ولقرأناه بنفس ونظرة أخرى بل ولرأيناه بمنظر آخر لكن قدر الله كان مقدوراً، ولله في خلقه شؤون.

أما على الجانب الآخر فقد وقف عبد الملك بن مروان يترقب وينتظر نتائج المعارك بما ساعده في الاحتفاظ بكامل قواته. وكان ينفق الأموال ويشتري ذمم بعض الجند ثم حانت له الفرصة وأرسل جيشاً إلى العراق لقتال ابن الزبير الذي كان مشغولاً بحرب بقايا شيعة المختار الثقفي، وانشغال المهلب بن أبي صفرة بحرب الخوارج في خراسان، وانتهت المعركة في العراق لصالح عبد الملك بن مروان وقتل ساعد ابن الزبير الأيمن وأعظم قواده؛ مصعب الذي رثاه الشعراء وترحم عليه أهل الإسلام وله ترجمة طيبة في كتب التاريخ والسير والتراجم.

ترجمة الخليفة الشهيد المظلوم

عبد الله بن الزبير بن العوام رضي الله عنه

قال الحافظ ابن كثير: “وهذه ترجمة أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: هو عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، أبو بكر، ويقال له: أبو خبيب، القرشي الأسدي، أول مولود ولد بعد الهجرة”[3]

وقال عنه الحافظ ابن عبد البر: “عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي‏.‏ يكنى أبا بكر‏.‏ وقال بعضهم فيه أبو بكير ذكر ذلك أبو أحمد الحاكم الحافظ في كتابه في الكنى‏.‏ والجمهور من أهل السير وأهل الأثر على أن كنيته أبو بكر وله كنية أخرى أبو خبيب‏.‏ وكان أسن ولده‏.‏  قال أبو عمر‏:‏ كناه رسول الله صلى الله عليه وسلم باسم جده أبي أمه أبي بكر الصديق هاجرت أمه أسماء بنت أبي بكر من مكة وهي حامل بابنها عبد الله بن الزبير فولدته في سنة اثنتين من الهجرة بعشرين شهراً من التاريخ‏.‏ وقيل‏:‏ إنه ولد في السنة الأولى وهو أول مولود في الإسلام من المهاجرين بالمدينة‏.‏  حدثنا خلف بن قاسم حدثنا الحسن بن رشيق حدثنا الدولابي حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أسماء أنها حملت بعبد الله بن الزبير بمكة قالت‏:‏ فخرجت وأنا متم فأتيت المدينة فنزلت بقباء فولدته بقباء‏.‏  ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضعته في حجره فدعا بتمرة فمضغها ثم تفل في فيه فكان أول شيء دخل جوفه ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ ثم حنكه بالخبزة ثم دعا له وبرّك عليه وكان أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة‏.‏

قالت‏:‏ ففرحوا به فرحاً شديداً وذلك أنهم قيل لهم‏:‏ إن اليهود قد سحرتكم فلا يولد لكم‏.‏ حدثنا خلف بن قاسم حدثنا أبو ميمون البجلي حدثنا أبو زرعة الدمشقي حدثنا أبو نعيم حدثنا محمد بن شريك المكي عن ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير قال‏:‏ سميت باسم جدي أبي بكر وكنيت بكنيته‏.‏ وشهد الجمل مع أبيه وخالته وكان شهماً ذكرا شرساً ذا أنفة وكانت له لسانة وفصاحة وكان أطلس لا لحية له ولا شعر في وجهه‏”أهـ[4]

قال عنه العلامة ابن الأثير:”عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي الأسدي، أبو بكر‏.‏ وله كنية أخرى‏:‏ أبو خبيب -بالخاء المعجمة المضمومة- وهو اسم أكبر أولاده -وقيل‏:‏ كان يكنيه بذلك من يعيبه‏.‏ وأمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة ذات النطاقين وجدته لأبيه‏:‏ صفية بنت عبد المطلب، عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديجة بنت خويلد عمة أبيه الزبير بن العوام بن خويلد‏.‏ وخالته عائشة أم المؤمنين‏.‏ وهو أول مولود ولد في الإسلام بعد الهجرة للمهاجرين، فحنّكه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمرة لاكها في فيه، ثم حنّكه بها، فكان ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم أول شيء دخل جوفه، وسماه عبد الله، وكناه أبا بكر بجده أبي بكر الصديق ‏”‏وسماه باسمه‏”‏ وهاجرت أمه إلى المدينة وهي حامل به، وقيل‏:‏ حملت به بعد ذلك وولدته بالمدينة على رأس عشرين شهراً من الهجرة‏.‏ وقيل ولد في السنة الأولى‏.‏ ولما ولد كبر المسلمون وفرحوا به كثيراً، لأن اليهود كانوا يقولون‏:‏ قد سحرناهم فلا يولد لهم ولد‏.‏ فكذبهم الله سبحانه وتعالى‏.‏ وكان صواماً قواماً، طويل الصلاة، عظيم الشجاعة‏.‏ وأحضره أبو الزبير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعه وعمره سبع سنين أو ثماني سنين، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم مقبلاً تبسم، ثم بايعه‏.‏ وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث، وعن أبيه، وعن عمر، وعثمان، وغيرهما‏.‏ روى عنه أخوه عروة وابناه‏:‏ عامر وعباد، وعبيدة السلماني، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي وغيرهم‏.‏ وبويع عبد الله بن الزبير بالخلافة بعد موت يزيد، وأطاعه أهل الحجاز، واليمن، والعراق، وخراسان، وجدد عمارة الكعبة، وأدخل فيها الحجر، فلما قتل ابن الزبير أمر عبد الملك بن مروان أن تعاد عمارة الكعبة إلى ما كانت أولاً، ويخرج الحجر منها‏.‏ ففعل ذلك فهي هذه العمارة الباقية‏.‏ “أهـ[5]

وعن شجاعة ابن الزبير يقول ابن الأثير:

“وغزا عبد الله بن الزبير إفريقية مع عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فأتاهم جرجير ملك إفريقية في مائة ألف وعشرين ألفاً، وكان المسلمون في عشرين ألفاً، فسقط في أيديه، فنظر عبد الله فرأى جرجير وقد خرج من عسكره، فأخذ معه جماعة من المسلمين وقصده فقتله، ثم كان الفتح على يده‏”أهـ [6]

قال عنه الحافظ الذهبي:

عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة ، أمير المؤمنين، أبو بكر؛ وأبو خبيب، القرشي الأسدي المكي ثم المدني، أحد الأعلام، ولد الحواري الإمام أبي عبد الله، ابن عمة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وحواريه. مسنده نحو من ثلاثة وثلاثين حديثا. اتفقا له على حديث واحد، وانفرد البخاري بستة أحاديث، ومسلم بحديثين .كان عبد الله أول مولود للمهاجرين بالمدينة. ولد سنة اثنتين وقيل: سنة إحدى.

وله صحبة ، ورواية أحاديث. عداده في صغار الصحابة، وإن كان كبيرا في العلم، والشرف، والجهاد، والعبادة. وقد روى أيضا عن أبيه، وجده لأمه الصديق، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وعن عمر، وعثمان، وغيرهم. حدث عنه أخوه عروة الفقيه، وابناه عامر، وعباد، وابن أخيه محمد بن عروة، وعبيدة السلماني، وطاوس، وعطاء، وابن أبي مليكة، وعمرو بن دينار، وثابت البناني ، وأبو الزبير المكي ، وأبو إسحاق السبيعي، ووهب بن كيسان، وسعيد بن ميناء، وحفيداه: مصعب بن ثابت بن عبد الله، ويحيى بن عباد بن عبد الله، وهشام بن عروة، وفاطمة بنت المنذر بن الزبير وآخرون. وكان فارس قريش في زمانه، وله مواقف مشهودة. قيل: إنه شهد اليرموك وهو مراهق، وفتح المغرب، وغزو القسطنطينية، ويوم الجمل مع خالته. قيل: إن ابن الزبير أدرك من حياة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ثمانية أعوام وأربعة أشهر، وكان ملازما للولوج على رسول الله ، لكونه من آله، فكان يتردد إلى بيت خالته عائشة. وفي البخاري عن عروة، أن الزبير أركب ولده عبد الله يوم اليرموك فرسا وهو ابن عشر سنين، ووكل به رجلا.”أهـ[7]

قال الحافظ  الذهبي عن شجاعته:

“قال ابن الزبير: هجم علينا جرجير في عشرين ومائة ألف ، فأحاطوا بنا ونحن في عشرين ألفا – يعني: نوبة إفريقية. قال: واختلف الناس على ابن أبي سرح، فدخل فسطاطه، فرأيت غرة من جرجير؛ بصرت به خلف عساكره على برذون أشهب، معه جاريتان تظللان عليه بريش الطواويس ، بينه وبين جيشه أرض بيضاء ، فأتيت أميرنا ابن أبي سرح، فندب لي الناس، فاخترت ثلاثين فارسا، وقلت لسائرهم: البثوا على مصافكم ، وحملت، وقلت لهم : احموا ظهري ، فخرقت الصف إلى جرجير، وخرجت صامدا، وما يحسب هو ولا أصحابه إلا أني رسول إليه، حتى دنوت منه، فعرف الشر، فثابر برذونه موليا، فأدركته، فطعنته، فسقط، ثم احتززت رأسه فنصبته على رمحي، وكبرت، وحمل المسلمون، فارفض العدو ومنح الله أكتافهم”أهـ.

حوار ابن الزبير مع أمه

 قبل مقتله رضي الله عنهما

قال ابن كثير:

“وما زال أهل مكة يخرجون إلى الحجاج بالأمان ويتركون ابن الزبير حتى خرج إليه من عشرة آلاف، فأمنهم وقَلَّ أصحاب ابن الزبير جداً، حتى خرج إلى الحجاج حمزة وخبيب ابنا عبد الله بن الزبير، فأخذا لأنفسهما أماناً من الحجاج فأمنهما‏.‏

ودخل عبد الله بن الزبير على أمه فشكا إليها خذلان الناس له، وخروجهم إلى الحجاج حتى أولاده وأهله، وأنه لم يبق معه إلا اليسير، ولم يبق لهم صبر ساعة، والقوم يعطونني ما شئت من الدنيا، فما رأيك‏؟‏

فقالت‏:‏ يا بني أنت أعلم بنفسك إن كنت تعلم أنك على حق وتدعو إلى حق فاصبر عليه فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك يلعب بها غلمان بني أمية، وإن كنت تعلم أنك إنما أردت الدنيا فلبئس العبد أنت، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك، وإن كنت على حق فما وهن الدين وإلى كم خلودكم في الدنيا‏؟‏ القتل أحسن‏.‏

فدنا منها فقبّل رأسها وقال‏:‏ هذا والله رأيي، ثم قال‏:‏ والله ما ركنت إلى الدنيا ولا أحببت الحياة فيها، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل حرمته، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك، فزدتيني بصيرة مع بصيرتي‏.‏

فانظري يا إماه فإني مقتول في يومي هذا فلا يشتد حزنك، وسلمي لأمر الله، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر، ولا عمل بفاحشة قط، ولم يَجُرْ في حكم الله، ولم يَغْدُرْ في أمان، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد، ولم يبلغني ظلم عن عامل فرضيته بل أنكرته، ولم يكن عندي آثر من رضى ربي عز وجل‏.‏

اللهم إني لا أقول هذا تزكية لنفسي، اللهم أنت أعلم بي مني ومن غيري، ولكني أقول ذلك تعزية لأمي لتسلو عني‏.‏

فقالت أمه‏:‏ إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسناً، إن تقدمتني أو تقدمتك، ففي نفسي اخرج يا بني حتى أنظر ما يصير إليه أمرك‏.‏

فقال‏:‏ جزاك الله يا أمه خيراً فلا تدعي الدعاء قبل وبعد‏.‏

فقالت‏:‏ لا أدعه أبداً لمن قتل على باطل فلقد قتلت على حق، ثم قالت‏:‏ اللهم ارحم طول ذلك القيام وذلك النحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة، وبره بأبيه وبي، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ورضيت بما قضيت فقابلني في عبد الله بن الزبير بثواب الصابرين الشاكرين‏.‏

ثم أخذته إليها فاحتضنته لتودعه واعتنقها ليودعها -وكانت قد أضرت في آخر عمرها – فوجدته لابساً درعاً من حديد‏.‏

فقالت‏:‏ يا بني ما هذا لباس من يريد ما نريد من الشهادة ‏!‏‏!‏

فقال‏:‏ يا أماه إنما لبسته لأطيب خاطرك وأسكن قلبك به‏.‏

فقالت‏:‏ لا يا بني ولكن انزعه فنزعه، وجعل يلبس بقية ثيابه ويتشدد وهي تقول‏:‏ شمر ثيابك، وجعل يتحفظ من أسفل ثيابه لئلا تبدو عورته إذا قتل‏.‏

وجعلت تذكره بأبيه الزبير، وجده أبو بكر الصديق، وجدته صفية بنت عبد المطلب، وخالته عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترجيه القدوم عليهما إذا هو قتل شهيداً‏.‏

ثم خرج من عندها فكان ذلك آخر عهده بها رضي الله عنهما وعن أبيه وأبيها‏.‏”أهـ[8]

كيف قتل ابن الزبير

قال الذهبي في العبر فيمن توفي سنة 73هـ:

“وفيها نازل الحجاج ابن الزبير فحاصره. ونصب المنجنيق على أبي قبيس. ودام القتال أشهراً إلى أن قتل عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي أمير المؤمنين وفارس قريش وابن حواري الرسول صلى الله عليه وسلم؛ كان صواماً قوماً بطلاً شجاعاً فصيحاً مفوهاً. قتل في جماد الأولى. وطيف برأسه”أهـ[9]

قال ابن الأثير: “وبقي ابن الزبير خليفةً إلى أن ولي عبد الملك بن مروان بعد أبيه، فلما استقام له الشام ومصر جهز العساكر، فسار إلى العراق فقتل مصعب بن الزبير، وسيّر الحجاج بن يوسف إلى الحجاز، فحصر عبد الله بن الزبير بمكة، أول ليلة من ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين، وحجّ بالناس الحجاج ولم يطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة، ونصب منجنيقاً على حبل أبي قبيس فكان يرمي الحجارة إلى المسجد، ولم يزل يحاصره إلى أن قتل في النصف من جمادى الآخرة، من سنة ثلاث وسبعين‏.‏

قال عروة بن الزبير‏:‏ لما اشتد الحصر على عبد الله قبل قتله بعشرة أيام، دخل على أمه أسماء وهي شاكية، فقالت له‏:‏ لعلك تمنّيته لي، ما أحبّ ان أموت حتى يأتي على أحد طرفيك، إما قتلت فأحتسبك، وإما ظفرت بعدوك فتقر عيني‏.‏ فضحك‏.‏

فلما كان اليوم الذي قتل فيه دخل عليها فقالت له‏:‏ يا بني، لا تقبلن منهم خطة تخاف فيها على نفسك الذل مخافة القتل، فوالله لضربةٌ بسيف في عز خيرٌ من ضربة بسوط في ذل‏.‏ وخرج على الناس وقاتلهم في المسجد، فكان لا يحمل على ناحية إلا هزم من فيها من جند الشام، فأتاه حجر من ناحية الصفا، فوقع بين عينيه، فنكس رأسه وهو يقول‏:‏

ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ** ولكن على اقدامنا يقطر الدمـا

ثم اجتمعوا عليه فقتلوه‏.‏ فلما قتلوه كبر أهل الشام، فقال عبد الله بن عمر، المكبرون عليه يوم ولد، خير من المكبرين عليه يوم قتل‏.‏

وقال يعلى بن حرملة‏:‏ دخلت مكة بعد ما قتل ابن الزبير، فجاءت أمه امرأة طويلة عجوزاً مكفوفة البصر تقاد، فقالت للحجاج‏:‏ أما آن لهذا الراكب أن ينزل? فقال لها الحجاج‏:‏ المنافق؟ قالت‏:‏ والله ما كان منافقاً، ولكنه كان صوّاماً قواماً وصولاً‏.‏ قال‏:‏ انصرفي فإنك عجوز قد خرفت‏.‏ فقالت‏:‏ لا والله ما خرفت، ولقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏يخرج من ثقيف كذّابٌ ومبير‏”‏ أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت المبير‏.‏ تعني بالكذاب المختار بن أبي عبيد‏.‏

وكان ابن الزبير كوسجاً (خفيف اللحية) واجتاز به ابن عمر وهو مصلوب، فوقف وقال‏:‏ السلام عليك أبا خبيب ودعا له ثم قال‏:‏ أما والله إن أمة أنت شرّها لنعم الأمة‏.‏ يعني أن أهل الشام كانوا يسمونه ملحداً ومنافقاً إلى غير ذلك‏”[10]

قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني المتوفى 430هـ:

“بايع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ابن ثمان، كان صواماً قواماً، بالحق قوالاً، وللرحم وصالاً، شديداً على الفجرة، ذليلاً للأتقياء البررة، قتله الحجاج بن يوسف بمكة، وصلبه في جمادى الأخرة سنة ثلاث وسبعين، وكان ذا جمة طويلة يفرق”أهـ[11]


[1] ابن كثير: البداية والنهاية ج12 ص157

[2] الذهبي: تاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص 779 وما بعدها.

[3] ابن كثير البداية والنهاية ـ ج1 ص186 وأيضاً: ترجمة عبد الله بن الزبير كاملة في تاريخ الإسلام للذهبي ج2 ص 829 وما بعدها. ترجمة ابن الزبير لخليفة بن خياط  تحقيق الدكتور أكرم ضياء العمري (واقعة راهط) ص259 وما بعدها. كتاب شفاء الغرام للحافظ أبي الطيب تقي الدين محمد بن أحمد بن علي الفاسي المكي المالكي المتوفى  832هـ ص263 وما بعدها. مختصر حول ابن الزبير من كتاب المنتظم لابن الجوزي المتوفى 597هـ ج6 ص138 وما بعدها. كتاب مختصر تاريخ دمشق لابن منظور المتوفى 711هـ مج11ـ12 ص170 ومابعدها. وفيات الأعيان 3ج ص75 وما بعدها. كتاب معرفة الصحابة لأبي نعيم الأصبهاني ج3 ص1647 وما بعدها. ابن خلكان وفيات الأعيان 3ج ص75 وما بعدها.

[4] ابن عبد البر: الاستيعاب: تحقيق الشيخ علي محمد عوض والشيخ عادل أحمد عبد الموجوددار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ط 2 ـ 1422هـ ـ 2002 ـ مج 3 ص 39 الترجمة رقم 1553. بتصرف يسير.

[5] ابن الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة ـ تحقيق خيري سعيد ، المكتبة التوفيقية ـ القاهرة ـ ج3 ص225,

[6] ابن الأثير: أسد الغابة ـ ج3 ص225,

[7] الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ مكتب الصفا ـ القاهرة ـ الطبعة الأولى ـ 1424هـ ـ ج3 ص513 وص514.

[8] ابن كثير: البداية والنهاية ـ ج12 ص 179 إلى 181.

[9] الذهبي: العبر ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ج1 ـ ص60

[10] ابن الأثير: أسد الغابة ـ ج3 ص 227 و228.

[11] أبو نعيم الأصبهاني: معرفة الصحابة ـ تحقيق عادل العزازي ـ دار الوطن للنشر ـ الطبعة الأولى 1419هـ ح3 ص1647.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (4)

محمد الحاج باحث وأكاديمي سوري من العوامل التي سهلت نشوء البابوية وسيطرتها، إلى …