أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (21)

تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (21)

الدكتور حسين القحطاني

عرض مقالات الكاتب

{ فقه المُوحدين في إيّاك نعبد وإيّاك نستعين }

أخرج الإمام مسلم في صحيحه : من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال : قال الله تعالى : “قسْمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد : الحمد لله رب العالمين ، قال الله تعالى : حمَدني عبدي ، وإذا قال : الرّحمن الرّحيم ، قال الله تعالى : أثنى عليّ عبدي ، وإذا قال : مالك يوم الدّين ، قال : مجّدني عبدي ، فإذا قال : إياك نعبد وإياك نستعين ، قال : هذا بيني وبين عبدي ، ولعبدي ما سأل ، فإذا قال : اهدنا الصّراط المستقيم ، صراط الذين أنعمت عليهم ، غير المغضوب عليهم ولا الضالّين ، قال : هذا لعبدي ، ولعبدي ما سأل” . قسم الله تبارك وتعالى الصلاة بينه وبين عبده الموحّد نصفين ، فهو سبحانه له نصف الحمد والثّناء والتمجيد والتوحيد ، والعبد له نصف الدعاء والطلب والمسألة ، والسّر بين قوله : إياك نعبد وإياك نستعين ، وبين قوله : هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، أن العبد الموحّد المخلِص لله تعالى ، قام بين يديّ الله مقام المتضرّع المفتقر المتذلّل المنيب الطّالب لخير الدنيا والآخرة ، وهذا أعظم مقام للعبد المحقق لكمال العبودية ، ولذا خصه بقوله سبحانه : هذا بيني وبين عبدي ، أيّ : هذا إخلاصه وتوحيده وعبادته إيايّ ، فحُقّ عليّ أن أعطيه مسألته . فقوله : “إياك نعبد” ، حقّ الله تعالى ، فإن حقّ الله على عباده أن يعبدوه ، وحده ولا يشركوا به شيئاً ، “وإياك نستعين” ، حق للعبد أن يستعين بالله في كلّ شيء ، فإنه لا يعين على العبادة وغيرها ، الإعانة الحقيقية إلا الله عز وجل ، وقد يستعان بالمخلوق فيما يقدر عليه ، وإعانة الله لعبده على عبادته تكون بأمور لا يقدر عليها غيره ، فإن هذه الإستعانة التي يختص بها الرّب سبحانه وتعالى ، لن تحصل من غيره أبداً ، كما أن العبادة له لا يستحقها غيره أبداً . وإذا قال المصلّي : “إياك نعبد وإياك نستعين” فإنه يبدأ بالغاية العظمى ، ومعلوم أن الغايات أشرف وأكمل وأتمّ وأجلّ من الوسائل ، ولهذا قدّم سبحانه قوله : “إياك نعبد” على قوله : “وإياك نستعين” ، لأن العبادة هي الغاية المطلوبة ، والإستعانة سبب ووسيلة إليها ، وكون الشيء غاية ومقصوداً لنفسه ، أشرف وأعظم من كونه غاية مقصوداً لغيره . فالموحّد يقصد عبادة الله ابتداءً ، وهو يعلم أن ذلك لا يحصل إلا بإعانة الله له ، فيقول : “إياك نعبد وإياك نستعين” . ولهذا كان العبد مأموراً في كلّ صلاة أن يقول : “إياك نعبد وإياك نستعين” وذلك لإثبات الإخلاص في العبادة ، وتخليص القلب من شوائب والشّرك والرّياء ، وأيضاً لتصريف النفس عن غير الله ، سواء كان خوفاً أو رجاءً أو رغبة أو رهبة ، فلا يلتفت العبد في هذا المقام الجليل إلا إلى الله تعالى ، ولذا أمره أن يقول بين يديه : “إياك نعبد وإياك نستعين” . فهاتان الكلمتان العظيمتان الجامعتان لأعظم غاية على الإطلاق ، فيهما فقه الموحّدين ، وعلم المخلِصين ، وعبادة المُخبتين ، وشهادة ربّ العالمين ، بأنه سبحانه إلههم الذي لا معبود بحق في الوجود إلا هو . ودلّت الكلمتان الجليلتان أن العبد فيه فقر وحاجة إلى ربه ، فهو دائماً مفتقر إلى معبوده ومحبوبه ومطلوبه ، ولا يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة ، إلا بإعانة الله له ، فإنه لو أعين على حصول لذة العبادة من الله تعالى ، فقد حقّق فقه التوحيد “لا إله إلا الله” ، في “إياك نعبد وإياك نستعين” ، وبذلك يكون فقيهاً في عبودية الله تعالى . لأن العبودية في هذا المقام تكون على أكمل الوجوه وأتمّها ، إثباتاً للإخلاص ، وفقراً إلى المعونة منه سبحانه وتعالى . فالإخلاص : يدخل في معنى الألوهية ، والمعونة : تدخل في معنى الربوبية . والإلهية هي الغاية الكبرى ، وبها تتعلق القلوب وتخضع حبّاً وذلاًّ ، ولذا استحّق الرّب لذاته أن يعبد ويحب ، ويحمد ويمجّد ويثنى عليه ، وهو سبحانه يحمد ويمجّد ويثني على نفسه ، ولا محصي له كما هو أثنى وحمد ومجّد نفسه ، ولا أحد أحقّ بذلك منه سبحانه . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “الله سبحانه هو المستحق أن يعبد لذاته ، قال تعالى : (الحمد لله رب العالمين) ، فذكر (الحمد) بالألف واللام التي تقتضي الاستغراق لجميع المحامد ، فدلّ على أن الحمد كلّه لله ، ثم حصره في قوله : (إياك نعبد وإياك نستعين) . فهذا تفصيل لقوله : (الحمد لله رب العالمين) . فهذا يدل على أنه لا معبود إلا الله ، وأنه لا يستحق أن يعبد أحد سواه ، فقوله : (إياك نعبد) إشارة إلى عبادته بما اقتضته إلهيته : من المحبة والخوف والرجاء والأمر والنهي . (وإياك نستعين) إشارة إلى ما اقتضته الربوبية ، من التوكّل والتفويض والتسليم ؛ لأن الرّب سبحانه وتعالى هو المالك ، وفيه أيضاً معنى الربوبية والإصلاح ، والمالك الذي يتصرف في ملكه كما يشاء . فإذا ظهر للعبد من سرّ الربوبية أن الملك والتدبير كلّه بيد الله تعالى ، قال تعالى : (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير) “الملك”، فلا يرى نفعاً ولا ضراً ، ولا حركة ولا سكوناً ، ولا قبضاً ولا بسطاً ، ولا خفضاً ولا رفعاً ، إلا والله سبحانه وتعالى فاعله وخالقه ، وقابضه وباسطه ، ورافعه وخافضه . فهذا الشهود هو سرّ الكلمات الكونيات ، وهو علم صفة الربوبية . والأول هو علم صفة الإلهية وهو كشف سرّ الكلمات التكليفيات . فالتحقيق بالأمر والنهي ، والمحبة والخوف والرجاء ، يكون عن كشف علم الإلهية . والتحقيق بالتوكل والتفويض والتسليم يكون بعد كشف علم الربوبية ، وهو علم التدبير الساري في الأكوان ، كما قال الله عز وجل : (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) “النحل”. فإذا تحقق العبد لهذا المشهد ، ووفّقه لذلك ، بحيث لا يحجبه هذا المشهد عن المشهد الأول فهو الفقيه في عبوديته ، فإن هذين المشهدين عليهما مدار الدّين ، فإن جميع مشاهد الرحمة واللطف والكرم والجمال داخل في مشهد الربوبية . ولهذا قيل : إن هذه الآية جمعت جميع أسرار القرآن : (إياك نعبد وإياك نستعين) ؛ لأن أوّلها اقتضى عبادته بالأمر والنهي ، والمحبة والخوف والرجاء ، كما ذكرنا ، وآخرها اقتضى عبوديته بالتفويض والتسليم ، وترك الاختيار ، وجميع العبوديات داخلة في ذلك” . “مجموع الفتاوى” • بقلم الدكتور/ حسين القحطاني “الدوحة قطر” .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قصة اعتناق مستشار نيكسون روبرت گرين الإسلام

الرئيس الأمريكي الراحل نيكسونله مستشار اسمه (روبرت گرين) حصل على دكتوراة في القانون العامثم دكتوراة …