أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 7 من 11

الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 7 من 11

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

الشبهة الرابعة

عجزه عن استمالة الخوارج والمختار الثقفي إلى صفه

أما الخوارج: فقد تباكى الدكتور شحاتة الناطور على ابن الزبير لعدم استمالته الخوارج بسبب خلاف معهم في بعض الأصول الكلامية!!  بقوله: “عرفنا أن الخوارج قاتلوا معه جيش الشام في عهد يزيد، ولكنه اختلف معهم في بعض الأصول الكلامية، لو استطاع التمكن من الاحتفاظ بهم إلى جانبه لما احتاج أن يضيّع قسماً من جنده في قتالهم (..) كما أنه لكسب بهم قوة لا بأس بها كيف لا وهم رجال مقاتلون من الدرجة الأولى كان باستطاعتهم أن يشدوا أزره ضد خصومه”[1]

أقول: فمن هم الخوارج الذين يتباكى عليهم هؤلاء الكتاب؟ إنهم الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق، وكان من أكبر فقهائهم ولم تكن من الخوارج قط فرقة أكثر عدداً ولا أشد شوكة من الأزارقة، وقبل أن نعرف لماذا رفضوا الانضمام تحت لواء عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ومبايعته، نسوق على عجالة موجزاً باعتقاد الأزارقة.

موجز اعتقاد الأزارقة

* لقد كفّر نافع بن الأزرق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وجميع الصحابة رضي الله عنهم الذين كانوا معه أو ضده.

* يعتبر نافع بن الأزرق وأصحابه الصحابة: علياً وعثمان وطلحة والزبير، وجميع الصحابة ومن والاهم مثل كفار العرب وعبدة الأوثان؛ لا تؤكل ذبائخهم ولا يصلى خلفهم أو معهم ولا يُتزوج من نسائهم.

* يعتقد نافع أن بلاد مخالفيه دار حرب.

* أحل قتل أطفال المسلمين ونسائهم لأنه كان يعتقد أن أطفال مخالفيه مشركون ومخلدون في النار.

* كان نافع يستحل الغدر بمن خالفه، لذلك كان يقتل الأسير ويغدر بمن طلب الأمان.

* كان يكفر القعدة الذين كانوا على رأيه (أي من أصحابه) عن القتال مع قدرتهم عليه، أو عن الهجرة إليهم. لذلك كان يوجب امتحان من ينضم إليهم كأن يطلب منه أن يقتل أحدَ الأسرى فإن رَفَضَ قتله!!.

* كان نافع يكفر مرتكب الكبيرة ويرى أنه مخلد في النار.

* أسقط حد الرجم عن الزاني المحصن لأنه لم يرد نص عليه في القرآن.

* كان يرى نافع قطع يد السارق في القليل والكثير.[2]

سبب رفض الخوارج مبايعة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:

نذكر النص الذي استشهد به كثير من الكتاب للاستدلال على قصر نظر الصحابي عبد الله بن الزبير سياسياً كما زعموا: “فمضى نافع وأصحابه من الحرورية قبل الاختلاف إلى مكة، ليمنعوا الحرم من جيش مسلم بن عقبة، فلما صاروا إلى ابن الزبير عرّفوه أنفسهم، فأظهر لهم أنه على رأيهم، حتى أتاهم مسلم بن عقبة وأهل الشأم، فدافعوه إلى أن يأتي رأي يزيد بن معاوية، ولم يبايعوا ابن الزبير. ثم تناظروا فيما بينهم، فقالوا: ندخل إلى هذا الرجل فننظر ما عنده، فإن قدّم أبا بكر وعمر، وبرئ من عثمان وعلي، وكفّر أباه وطلحة، بايعناه، وإن تكن الأخرى ظهر لنا ما عنده، فتشاغلنا بما يجدي علينا. فدخلوا على ابن الزبير، وهو متبذل وأصحابه متفرقون، فقالوا: إنا جئناك لتخبرنا رأيك، فإن كنتَ على الصواب بايعناك، وإن كنت على خلافه دعوناك إلى الحق، ما تقول في الشيخين؟ قال: خيراً، قالوا: فما تقول في عثمان، الذي أحمي الحمى، وآوى الطريد، وأظهر لأهل مصر شيئاً وكتب بخلافه، وأوطأ آلَ أبي معيط رقاب الناس وآثرهم بفئ المسلمين؟ وفي الذي بعده (أي علي بن أبي طالب) الذي حكّم في دين الله الرجالَ، وأقام على ذلك غير تائب ولا نادم؟ وفي أبيك وصاحبه، وقد بايعا علياً وهو إمامٌ عادلٌ مرضي، لم يظهر منه كفر، ثم نكثا، بعَرَض من أعراض الدنيا، وأخرجا عائشة تقاتل، وقد أمرها الله وصواحبها أن يقرن في بيوتهن، وكان لك في ذلك ما يدعوك إلى التوبة، فإن أنت قلتَ كما نقول فلك الزُلْفَة عند الله والنصر على أيدينا، ونسأل الله لك التوفيق، وإن أبيتَ إلا نصرَ رأيك الأول، وتصويب أبيك وصاحبه، والتحقيق بعثمان، والتولي في السنين الست التي أحلتْ دمه، ونقضت عهده، وأفسدت إمامته؛ خذلك الله وانتصر منك بأيدينا”[3]

فماذا كان رد أمير المؤمنين ابن الزبير على هذه الأسئلة المستفزة

فقال ابن الزبير: “إن الله أمر ـ وله العزةُ والقدرة ـ في مخاطبة أكفر الكافرين وأعتى العتاة بأرأف من هذا القول، فقال لموسى وأخيه ـ صلى الله عليهما ـ في فرعون: (فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تؤذوا الأحياء بسب الموتى”، فنهى عن سب أبي جهل من أجل عكرمة ابنه، وأبو جهل عدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدو الله، والمقيم على الشرك، والجاد في المحاربة، والمُتَبَغّضُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الهجرة، والمحارب له بعدها، وكفى بالشرك ذنباً، وقد كان يغنيكم عن هذا القول الذي سميتم فيه طلحة وأبي أن تقولوا: أَتَبْرَأ من الظالمين، فإن كانا منهم دَخَلا في غمار الناس، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسب أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جلّ وعزّ قال للمؤمن في أبويه: (وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا) وقال جلّ ثناؤه: (وقولوا للناس حسناً) وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده، وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح، ولعمري إن ذلك لأحرى بقطع الحجج، وأوضح لمنهاج الحق، وأولى بأن يعرف كل صاحبه من عدوه، فروحوا إلي من عشيتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله”[4]

“فلما كان العشي راحوا إليه، فخرج إليهم وقد لبس سلاحه فلما رأى ذلك نَجْدةُ قال: هذا خروجُ منابذٍ لكم، فجلس على رفع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أبا بكر وعمر أحسن ذكر، ثم ذكر عثمان في السنيين الأوائل من خلافته ثم وصلهن بالسنيين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية (..) وذكر الحمى ومن كان فيها من الصلاح وأن القوم استعتبوه (طالبوا الرجوع عما فعل) من الأمور وكان  له أن يفعلها أولاً مصيباً، ثم أعتبهم بعد محسناً، ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به، وقد أمر بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه. وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو حلف عليها لحلف على حق، فافتداها بمئة ألف، ولم يحلف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرض. فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه وأنا ولي وليه، وعدو عدوه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول عن الله تعالى يوم أحد لما قطعت أصبع طلحة، سبقته إلى الجنة، وقال أوجب طلحة! وكان الصديق إذا ذكر يوم أحد قال ذلك اليوم كله أو جله لطلحة. والزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وصفوته. وقد ذكر أنهما في الجنة وقال عز وجل (لقد رضي الله عن  المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) وما أخبرنا بعد أنه سخط عليهم. فإن يكن ما سعوا فيه حقاً فأهل ذلك هم، وإن يكن زلة ففي عفو الله تمحيصهما، وفيما وافق لهما من السابقة مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، ومهما ذكرتموهما به فقد بدأتم بأمكم عائشة رضي الله عنها فإن أبى آبٍ أن تكون له أماً نبذ اسم الإيمان عنه؛ قال الله جل ذكره وقوله الحق: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم)،  فنظر بعضهم إلى بعض ثم انصرفوا”[5]  

وفي رواية الطبري قال: “حمد الله ابن الزبير وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فقد فهمت الذي ذكرتم، وذكرت به النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كما قلت صلى الله عليه وسلم وفوق ما وصفته، وفهمت ما ذكرت به أبا بكر وعمر وقد وفقت وأصبت، وقد فهمت الذي ذكرت به عثمان بن عفان رحمة الله عليه، وإني لا أعلم مكان أحد من خلق الله اليوم أعلم بابن عفان، وأمره مني، كنت معه حيث نقم القوم عليه، واستعتبوه فلم يدع شيئاً استعتبه فيه القوم إلا أعتبهم منه، ثم إنهم رجعوا إليه بكتاب له يزعمون أنه كتبه فيهم، يأمره فيه بقتلهم، فقال لهم ما كتبته، فإن شئتم فهاتوا بينتكم، فإن لم تكن حلفت لكم، فوا الله ما جاؤه ببينة ولا استحلفوه ووثبوا عليه فقتلوه، وقد سمعت ماعبته به، فليس كذلك، بل هو لكل خير أهله، وأنا أِشهدكم ومن حضر، أنا ولي لابن عفان في الدنيا والآخرة وولي أوليائه وعدو أعدائه، قالوا: فبرئ الله منك يا عدو الله. فقال: فبرئ الله منكم يا أعداء الله وتفرق القوم.”[6]

أقول: هكذا استبان لنا سبب رفض ابن الزبير استمالة الخوارج: فهم يناظرونه والحرب دائرة، أي وسيلة هذه أي عبث هذا؟! فهم يعلمون أن الموقف جد صعب وجيوش الشام تحاصر مكة، ورغم ذلك يريدون أن يحاربوا معه بشروط، وخطاب في منتهى الغلظة. إنها لصالح ابن الزبير وليس عليه كما يزعمون، ورغم كل ذلك فإنه عاملهم بالحسنى وجادلهم بالتي هي أحسن، وهم الذين أصروا على مناظرته وطلبوا بتصداق مقالتهم كشرط للانضمام معه ومبايعته. فماذا عسى ابن الزبير الذي ابتلي بهذه العقليات من أهل البدع أن يفعل؟! هل يجاريهم تقية وينقلب عليهم وستجد نفس هذه الأقلام تذم ابن الزبير وتتهمه بالميكافلية! وحاشاه ذلك رضي الله عنه!.


[1]  الناطور: عبد الله بن الزبير والانتفاضة ـ ص181.

[2] للمزيد عن تاريخ الخوارج ومعتقدهم : الفرق بين الفرق للبغدادي ـ مقالات الإسلاميين للأشعري ـ التبصير في معالم الدين للطبري ـ الملل والنحل للشهرستاني ـ الفصل في الملل والأهواء والنحل لابن حزم.  راجع أيضا دورة صوتية بعنوان مسائل الإيمان للمؤلف تكلمنا فيها عن تاريخ الخوارج وحقيقة الإيمان لديهم والفرق بينهم وبين أهل السنة وغيرهم من الفرق من إصدارات مركز المقريزي .

[3] المبرد: الكامل في اللغة والأدب ـ تحقيق د. محمد أحمد الدالي ـ مؤسسة الرسالةط3 لسنة 1418هـ ـ 1997م  ـ ج3 ص 1205 ، ص 1206.

[4] المبرد: الكامل ـ ج3 ص 222.

[5] المبرد: الكامل في اللغة والأدب ـ  ج 3 ص223 ، ص224.

[6] الطبري: تاريخ الطبري ج5 ص 566.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المغرب لما يرغب قريب (4 من10)

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …