أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / ضرورة مراجعة مصطلحي الإرادة والأمر القدَري والشرعي (1)

ضرورة مراجعة مصطلحي الإرادة والأمر القدَري والشرعي (1)

الـحَسن ولد ماديكْ

باحث في تأصيل القراءات والتفسير وفقه المرحلة
رئيس مركز إحياء للبحوث والدراسات
عرض مقالات الكاتب

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاةُ والسلام على رسول اللهِ ومَنْ والاهُ، وبعدُ:
فلقد عجبتُ مِن تقسيمِ إرادة الله وأمْرِه إلى قسمٍ قدَري كوْني وقِسمٍ ديني شرعي بمعني أنّ ما أراد الله تعالى نفاذَه في الكون هو الإرادة الكونية القدَرية ولا يلزم معها الرضى والمحبّة، وأنّ ما أحبَّه الله وارتضاه من الخطاب لعباده هو الإرادة الشرعية ولا يلزم حصولها.
وضربوا للإرادة القدَرية غير الشرعية مثَلا بإرادة كفرِ الكافر رغم خطابِه الشرعيّ بالإيمان، وضربوا للإرادة الشرعية غير القدَرية مثلا بتكليف الكافر بالإيـمان ثم موته على الكفر، وضربوا لاتِّفاقِهما مثلا بإيـمان المؤمن.
وفي الفتاوى مجلد 11 احتجّ ابن تيمية رحمه الله للإرادة القدَريّة بأمثلة منها قوله تعالى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَـجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّـمَا يَصَّعَّدُ فِـي السَّمَـاءِ﴾[الأنعام 125]، واحتجّ للإرادة الشرعية بأمثلة منها ﴿إِنَّـمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾[الأحزاب 33].
قلتُ: ولا فرقَ بين الإرادتيْن بل سيُذْهِبُ اللهُ الرِّجْسَ بتطهير من أراد أن يهديَهم وشَرْحِ صدورِهم للإيمان ومِن أخصِّهم صالحُ المؤمنين الذي هو ءالُ مـحمد.
إنّ اللهَ فعّالٌ لِـما يُريدُ كما في هود والبروج ويفعلُ ما يُريدُ كما في الحج والبقرة أي لا يُحتمل عدمُ نفاذ ما أراده اللهُ ويعني إبطالَ الاحتجاج بحرف الأحزاب أنّه من إرادة الله الشرعيّة التي قد لا يُريدُها كَونًا وقَدَرا.
واحتجّ ابن تيمية رحمه الله للأمْر القدَريّ بقوله تعالى ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَـمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[القمر 50] وقوله ﴿وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَـمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾[يونس 24]، واحتجّ للأمْرِ الدِّينِـيّ القَدَري بقوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَـى﴾[النحل 90].
وهو صريح من ابن تيمية رحمه الله في تسوية المصدر بالفعل في مادة (أمَر) ولا يصحُّ اطراده، وازدادت المسألة انغلاقا بغلبَةِ مصطلحات أهل الكلام، وبإدراج مادة ﴿الْأَمْر﴾ في تفصيل الكتاب المنزّل بما تعارف عليه النحاة من قصور مصطلح فعلِ الأمر.
وإنّ ﴿الْأَمْرَ﴾ مُسْندًا إلى الْـخالِقِ فـي تفصيل الكتاب المنزّل ليقع على تصرِيفِ الحوادث والأحوال (شُؤُون الْـخَلْقِ)، والله وحده له الْـخَلقُ والأمْرُ، ويُدبِّرُ الْأمْرَ.
وإنَّ أمْرَ رَبِّنَا فـي تفصيل الكتاب المنزّل ليقع على عذاب المكذِّبين الرُّسُلَ بالآيات كما في قولِه تعالى ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ ءَالِهَتُهُمُ التِـي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ لَـمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ أِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِـمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[هود 101]
﴿وَلَـمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَـجَّيْنَا هُودًا وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَـجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾[هود 58]
﴿فَلَـمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَـجَّيْنَا صَالِـحًا وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ وَأَخَذَ الذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْـحَةُ فَأَصْبَـحُوا فِـي دِيَارِهِمْ جَاثِـمِينَ﴾[هود 66]
﴿فَلَـمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّنْ سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ مُّسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾[هود 82]
﴿وَلَـمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَـجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَأَخَذَتِ الذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْـحَةُ فَأَصْبَـحُوا فِـي دِيَارِهِمْ جَاثِـمِينَ﴾[هود 94]
﴿وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾[القمر 3]
﴿مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ هِيَ حَتَّـى مَطْلَعِ الْـفَجْرِ﴾[القدر 4]
﴿حَتَّـى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّـمْ تغْنَ بِالْأَمْسِ﴾[يونس 24]
﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾[النحل 77]
﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَـمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾[القمر 50]
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْـمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِـيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾[النحل 33]
وإنَّ أمْرَ الله فـي تفصيل الكتاب المنزّل ليقع على نفاذِ وعدِ اللهِ كما في المثاني:
=﴿فَعَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِـيَ اللهُ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِـحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِـي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ﴾[المائدة 52]
=﴿لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّـى جَاءَ الْـحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾[براءة 48]
=﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِـيُّ حَتَّـى جَاءَ أَمْرُ اللهِ﴾[الحديد 14]
=﴿فَاعْفُوا وَاصْفَـحُوا حَتَّـى يَأْتِـيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾[البقرة 109]
=﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّـى يَأْتِـيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾[براءة 24]
=﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِـيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللهِ قُضِيَ بِالْـحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْـمُبْطِلُونَ﴾[غافر 78]
وللفعل ﴿أَمَرَ﴾ في سياق إسنادِه إلى الخالقِ تفصيل فمنه ما أُسْنِدَ إلى ربِّ العالمين كقوله تعالى:
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْـجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾[الأعراف 12]
﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّـي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْـجِدٍ وَادْعُوهُ مُـخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾[الأعراف 29]
ومنه ما أُسنِد إلى الله كقوله:
﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾[البقرة 222]
﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَـى﴾[النحل 90]
ولكل من السياقَيْنِ دلالةٌ ومَعْنًى خاصٌّ به ليس هذا محل تفصيلِه.
قلتُ: والعجبُ في إطلاقِ وصْفِ شيءٍ مـما أمر الله ربُّ العالمين به بأنَّهُ مِن الأمْرِ الكوني القدَرِي أو الأمْرِ الدِينِي الشرعي، وإنما الصوابُ تقسيم مأمورات الله عموما ـ باعتبار جميع الصيغ ـ بأنها أربعة أقسام:
أولاها: تصريفُ شؤون الخلق وتدبيرُه بِقَدَرٍ نافِذٍ من غيرِ مشورة منهم ولا اختيار كقوله تعالى ﴿فَقَالَ لَـهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أحْيَاهُمْ﴾[ البقرة 243]، ومنه الخَلْقُ وعِلْمُهُ بالستقدِمينَ والمستأخِرين والموتُ والبعث.
وثانيها: خطاب غير الْمُكلَّفينَ من المخلوقات وهو لازِمُ النفاذِ ولمن شاء مِن المتكلمين تسميته بالأمر الكوني القَدَري، نحو:
﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَـى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَـهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾[فصلت 11]
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِـي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيم﴾[الأنبياء 69]
وثالثها: خطابُ المصطفَيْنَ الأخيارِ الذين يتلقّوْنَ الوحيَ وهو لازم التَّمَثُّلِ والطاعة إذ لا يتمكّن الملائكَةُ والرُّسُلُ والنبيُّونَ مِن طاعة الشيطان إذ لا سلطانَ له عليهم بل هم العباد الْـمُخلَصُون كما في المثاني:
﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾[التحريم 6]
﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾[سبحان 65]
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْـمُخْلَصِينَ﴾[ص 83]
إنّ خطابَ المصطفَيْنَ الأخيارِ هو من فعل الأمرِ في القرآن ـ خاصةً دون الكتاب ـ لازمُ النفاذِ كما في المثاني:
﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾[البقرة 131]
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِـي وَلَا تَنِيَا فِـي ذِكْرِي﴾[طــه 42]
ورابعها: خطاب سائرِ المكلَّفين ـ وهو مِن فعل الأمرِ في الكتاب ـ خاصةً دون القرآن ـ ويملك المكلَّفون به كلا مِن الطاعة والعِصيان اختيارا هو مُقتضى الحساب بالجزاء والعقاب في يوم الدِّينِ ومنه:
﴿ءَامِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِـمَّا جَعَلَكُم مُسْتَـخْلَفِينَ فِيهِ﴾[الحديد 7]
﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِـي حَرَّمَ اللهُ إِلَّا بِالْـحقِّ﴾[الأنعام 151]
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَكُمْ تُرْحَمُونَ﴾[النور 56]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 12 من 27 – النصيحة له ومحبة كتابه ومحبة من يحب

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي 4- النصيحة له صلى الله عليه وسلم: …