أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / خصيصا للحمير

خصيصا للحمير

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

كنت شاباً عاشقاً للقراءة حتى التخمة، ومملوءً بشحنة الشباب ونارها، وكلما دخلت في نقاش مع أحدهم… كنت انبري استعرض عضلاتي القرائية، تدفعني جينات الشباب في رسم حدود له في الوجود.
أحد أصدقائي الدمشقيين في أحد نقاشاتنا، وأمام تجمع مع بعض زملائنا في كلية الحقوق، وبعد أن هزمته لكثرة استشهادي بما كنت قد قرأته…قال لي:
“يخرب بيتك…شو حمار قراءة يا محمد!!”
كناية منه عن كثرة القراءة.
ما أدى إلى موجة عارمة من الضحك من قبل الجميع.

رغم اختلاف المنبت بيننا، والبيئة التي ترعرعنا بها، إلا أن أشياء كثيرة كانت تجمعني وصديقي صاحب الخلق الرفيع، والأدب العالي، والحضور الطاغي.
قبل الثورة السورية بأيام، وبعد انطلاق ثورات العرب في ربيعهم…
كنت في إجازة إدارية في دمشق، وعندها التقيت صديقي الدمشقي في منزل صديق مشترك، فتناقشنا مرةً في موضوع الثورات العربية، وتداعياتها، وهل مايحدث هو حقاً ثورة مكتملة الأركان؟!!
وهل نحتاج ثورة في سورية؟!!
وفيما إذا حدثت ثورة في بلادنا !! هل يجب تأييدها والسير فيها؟!!
صديقي و-كعادة غالبية الدمشقيين- آثر السلامة والهروب إلى مايتقنه من العبارات، التي لا تدل على موقف ما، فشرع يقول:
“إن شاء الله حوالينا ولا علينا، الله يطفيها بنوره، الله ينصر الحق، الله يرفع عنا الغمة، الله يفرج عنا، نحن لا نعرف أين الحق، نحن الحمد لله عايشين وماناقصنا شيء، وبلا ما نخرب البلد، والرئيس شخص مثقف ومتعلم ومن المؤكد أنه سيعمل على تطوير البلد، والوضع اختلف عما كان عليه أبوه”
وغيرها من العبارات التي تثير القيء لشابٍّ ريفيٍّ يغلي دمه مثلي، لا يؤمن بربط حياته بلعبة المصالح، ويعتقد أن الحياة رخيصة في سبيل المبدأ.
عبارات جعلتني أقف عندها، وأستعيد التاريخ، وأفند أحد عشر عاما منذ وصول الرئيس لسدة الحكم، (وكيف وصل؟، ومافعله هو ومن قبله أبوه في سنوات حكميهما، وكيف أعادوا البلد ألف عام للوراء؟، ولما لم يقدم الرئيس سوى التخلف والذل والقهر، ولما لم يقدم على أي خطوة إصلاحية في أعوام حكمه؟!)
كان النقاش بيننا يحتد بوتيرةٍ متسارعة، وقبل أن يتطور إلى مشاحنة، طلبت منه مرافقتي إلى المكتبة و شراء بعض الكتب، فوافق رغبة منه أيضاً في التخفيف من تلك الحدة بيننا.
دخلنا المكتبة وأنزوينا في زوايا مختلفة…. يبحث كل منّا على عنوان، وكاتب يهمه أمره.
كنت حينها مغرماً بالكاتب التركي الساخر “عزيز نيسين أيما غرام، وأحفظ كثيراً من قصصه التي كنت أسقطها على واقعنا السوري، ولكأن الكاتب كتبها لنا، وكنت قبل هذا قد اقتنيت، وعلى عدة أعوام سلسلة كتبه كاملة.
أثناء بحثي في المكتبة… وجدت ضالتي في مؤلفات عزيز نيسين، وهو كتاب (خصيصاً للحمير) الذي كنت قد قرأته سابقاً، فابتعته في غفلة عن صديقي، وطلبت من البائع تغليف كتاب عزيز نيسين بعد أن كَتبتُ عليه عبارةً صغيرة
“إلى صديقي…كي لا تنسى”.
بعد أن انتهى صديقي من جولته، وإحضار كتبه المعتادة عن عشق دمشق، ودمشق في عيون نزار قباني لكُتّابٍ مغمورين، ومع ابتسامة خبيثة مني، ووجهٍ تختنق فيه الضحكة من البائع….قمت بإهدائه الكتاب المغلف، ورجوته ألا يفتحه إلا في منزله، كما رجوته بحق ما بيننا ألا يفرط بالكتاب مهما حدث، فوافق مكرهاً تحت إصراري، ثم انطلق كل منا في طريقين مختلفين.
بعد أن وصل صديقي منزله، وبعد ردحٍ من الزمن… وجدته يتصل بي على هاتفي، فقمت بالردوأنا اضحك معتقداً وقتها أنه سيتخذ موقفاً ويبدأ بشتائم، وصراخ إلا أنه قابلني ببرود أعصاب، كعادة الدمشقيين الذين يبرعون بهكذا ميدان، مع أن قلوبهم تكاد أن تنفجر، ونفوسهم تمتلئ غيظاً، وقال:
هدية مقبولة يا محمد، والله لن أفرط به، هذا ما كنت أبحث عنه لنفهم كيف يفكر أهل الثورة!!.
فضحكت وقلت:
سنرى لمن يصلح هذا الكتاب.
بعدها بأيام….. اندلعت الثورة السورية العظيمة، وكلٌّ منا سار في طريقه الذي آمن به:
فصديقي بقي في دمشق، يعيش يومه بين الخوف والقهر والذلّ، وأنا آثرت أن أحطم قوقعتي، وأعيش جنون الثورة، وأتفاعل وأحداثها.

بعد أعوام من الثورة، وانقطاع أخبارنا عن بعضنا بعضاً، ومنذ أيامٍ قليلة، وعلى الفيس بوك… وجدت صديقي الذي لايزال مقيماً في دمشق يتنقل في طوابيرها التي لا تنتهي، من طابور الخبز لطابور البنزين، ومن طابور الغاز لطابور الدواء، وتمتلئ صفحته بآيات الصبر، وأدعية الفرج ورفع الغمة، وأن يتقبل الله ويجازيه ثواب ما مرّ به من مِحن ومصائب.
قمت بمراسلته والاطمئنان عن أحواله، وبعد عبارات الشوق والاطمئنان، والبحث عن الذكريات والماضي… سألته عن أحواله وكيف يعيش؟!!
فأجابني بصوت شجي باكي يختصر قهر الناس، وما يعيشونه من مآسٍ:
“أنا لازلت أقرأ كتابك الذي أهديتني إياه.”
ثم اغلق الهاتف، ودموعي تبحث عن منفذ لتتفجر منه.
لم يكن موقفي الرافض لنظام مجرم اغتصب البلد، وحطمها، انتصارا على صديقي، بل كان حياةً أردته أن يحياها، وحريةً يتلمس ذراتها، وكرامةً يتنفسها، وعزةً يعيشها بكل تجلياتها،
أردته إنساناً حراً لا يخشى سوى ربه و مبادئه وأخلاقه وعقيدته، لا عبداً ذليلاً مقهوراً خائفاً، يشحذ حتى الهواء ليتنفسه، ويقتات عبارات الصبر وكلمات الهروب من الواقع.
لكن صديقي اليوم… تحطم خلف جدار من الوهم إذ اعتقد أنه سيسلم لو وقف بعيداً، وينجو لو فعل ما كان آباؤه يفعلونه في عصر المقبور حافظ.

ياليت صديقي قرأ الكتاب قبل هذا، وانسلخ عن جلد النظام، وما وجد عليه آباءه في الاستسلام.

“آه… ليته درى ما درينا، ووجد ما وجدنا، وعاش ما عشنا”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قضية للنقاش

د. محمد عياش الكبيسي أكاديمي عراقي يستند (الإسلام السياسي) إلى مقولات ينبغي أن …