أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (64)

إضاءات سياسية (64)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

المحاضرة التي ألقاها الأستاذ هيثم المالح في معرض تكريم البرنامج العربي لنشطاء حقوق الإنسان في القاهرة

– آثار تداعيات 11 أيلول/سبتمبر على حقوق الإنسان

– أضواء على ذاكرة التاريخ

– لماذا الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ؟ ولماذا ندور دوماً في فلك الولايات المتحدة حتى في هذا ؟

ليس ضرورياً أن يكون الإرهاب بطريق العنف حتى نتتبع آثاره وتداعياته ! إذ قد يكون الإرهاب فكرياً ، كما تمارسه بعض الأنظمة ضد شعوبها ، وقد يكون الإرهاب سياسياً ، وقد يكون اقتصادياً كما تمارسه الولايات المتحدة ضد سائر دول العالم لإخضاعها إلى برامجها الاقتصادية والسياسية وهكذا ؟

ولذا أجدني أسلط الضوء على بعض الأحداث التاريخية الإرهابية والتي نالت بصورة كبيرة من حقوق الإنسان العربي !

فوعد بلفور المشؤوم الذي أسس لعمل إرهابي هدف إلى سلب أراضي الفلسطينيين وإعطائها للصهاينة لإيجاد وطن قومي لهم كما زعموا .

ومعاهدة سايكس-بيكو التي قسمت العالم العربي عقب دخول جيوش الحلفاء إليها هو عمل إرهابي أدى لتقطيع أوصال الأمة العربية وأخضعها بالقوة للسيادة الأجنبية ، ثم تنصيب الدول الحليفة حكومات عميلة لها وتابعة لرغباتها وهذا العمل هو من أعمال إرهاب الدولة والذي انعكس سلباً على حقوق الإنسان .

ثم تتالت الأعمال الإرهابية عن طريق الحكومة البريطانية حين كانت تحتل فلسطين بأن سلمتها للصهاينة في حين منعت التسليح عن العرب وأحبطت ثورتهم فمارست بذلك إرهاب الدولة وأدى ذلك إلى تشريد شعب وسرقة أرضه .

وتوجت هذه الأعمال الإرهابية منظمة الأمم المتحدة حين صوتت على إنشاء الكيان الصهيوني (باسم إسرائيل) هذا القرار المعدوم لسببين :

 أولهما : إن تبنّي إنشاء دولة على أساس ديني هو مما يتعارض مع ميثاق الأمم المتحدة الذي يصف المنظمة بالعلمانية .

وثانيهما : لأن ميثاق الأمم المتحدة لا يخول المنظمة سلب أراضي شعب لإعطائها لشعب آخر .

وهذا القرار هو ضرب من ضروب الإرهاب الدولي الذي رعته منظمة الأمم المتحدة .

وأخيراً وليس آخراً انسحاب الولايات المتحدة من مؤتمر (دوربن) لمكافحة العنصرية ثم استعمالها لحق النقض الفيتو في مجلس الأمن لمنع إرسال مراقبين دوليين لحماية المدنيين الفلسطينيين إنما هو ضرب من ضروب إرهاب الدولة الأقوى في العالم ، ويجعل من الولايات المتحدة شريكاً في قتل المدنيين الفلسطينيين مع المجرم شارون . وأنا أتسأل دائماً لماذا لا نتكلم عن هذه الأمور ونسلط الأضواء على هذه الأعمال الإرهابية وتصاب ذاكرتنا بالنسيان أو بالغفلة ولا نعرض للعالم أجمع أن كل هذه الأعمال السابقة هي أعمال إرهابية تمثل إرهاب الدولة ؟

أحببت أن أضع أمام الحاضرين جميعاً النقاط السابقة التي تشكل كل واحدة منها عملاً إرهابياً أشد وحشية من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 فهي قد أدت لتشريد شعب كامل بالملايين وقتل مئات الآلاف وسرقة الأرض وتدمير المدن والقرى وتدمير البساتين والأشجار والحقول .

ومع ذلك وإذا أردنا مسايرة هذا الدفع العالمي بمناقشة أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وتداعياتها على حقوق الإنسان فإنني أضع أمامكم النقاط التالية :

أولاً : لا بد من استعراض مسألة حقوق الإنسان في العالم قبل الحديث عن التداعيات .

فحقوق الإنسان موغلة في القدم كانت تصونها العشيرة والقبيلة والأسرة ولم تبدأ لتأخذ الشكل المنظم إلا مع التطور الحضاري .

ولعل أول هيئة نظمت لحماية حقوق الإنسان إنما تمثلت في حلف الفضول الذي تم في دار عبد الله بن جدعان حيث اجتمع فضلاء قريش وتعاهدوا أن لا يدعوا من أهل مكة ومن يدخلها مظلوماً إلا كانوا معه على ظالمه وسمي هذا الحلف (حلف الفضول) ونستطيع أن نعتبر هذا الحلف إنما هو أول منظمة أو جمعية لحقوق الإنسان في العالم ولقد قال محمد صلى الله عليه وسلم : « لَوْ دُعِيتُ لِمِثُلِهِ في الإِسْلامِ لأجَبْتُ » ، وهو ما يوضح مدى تمسك الإسلام بمسألة حقوق الإنسان .

ثم تداعت الدول للمناداة بحقوق الإنسان فكانت الماغنا كارتا البريطانية ثم كانت الوثيقة الفرنسية وتطورت حقوق الإنسان حديثاً عقب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فنشأت العديد من المنظمات على رأسها منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان والمنظمة العربية لحقوق الإنسان وغيرها الكثير .

ثانياً : تداعيات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وأثرها على حقوق الإنسان :

لا ريب أن ما حصل في الحادي عشر من أيلول/سبتمبر هو عمل كارثي بكل المقاييس ، وهو من جهة ثانية مرفوض إنسانياً مهما كان معتقد الإنسان ، لأن العنف أصلاً ليس هو المظهر الحضاري المطلوب في هذا العصر ، إلا أنه علينا أن نتوقع حدوث العنف حين تكون العدالة غائبة أو مغيبة سواء في داخل الدول والمجتمعات أو في وعي الدول الكبرى ويكون الراسب في الأعماق وفي اللاوعي هو الاعتماد على القوة في سبيل تحقيق المصالح .

لقد قال جون آدمز في عام 1778 : (عندما تبلغ أمة ما هذا المستوى من القوة فإنه من غير المستبعد أن تفقد حكمتها وعدالتها واتزانها لتصبح خطراً على البشرية فتفقد قوتها ، لكنها تستعيدها لو هي عادت إلى هذه الفضائل) .

والأمة الأمريكية كما هو معروف أمة هجينة من دون تراث .

والتراث الأمريكي مرتبط حقيقة برعاة البقر (الكاوبوي) والسلاح لديه هو جزء من مكونات اللاوعي الأمريكي ورمز لقوة الفرد وحقه في الدفاع عن نفسه وعن حريته ، ولقد انساق الإعلام الأمريكي لتمجيد السلاح والسياسات التسليحية وألقى على المجتمع مهمة لا سابقة لها في تاريخ البشرية وهي مهمة تبرير إلقاء القنبلتين الذريتين على اليابان ، ثم تولي تبرير قصف الفيتناميين بالنابالم وغيرها من الأسلحة المحرمة دولياً .

ثم كان عليه بعد ذلك تبرير تزويد أصدقاء الولايات المتحدة بالسلاح لإبادة شعوب أخرى ، وهكذا فإن دولة الولايات المتحدة لا تجد لها الوقت للعودة إلى الفضائل المزعومة التي قامت عليها ، ولذا فهي موغلة وممعنة في التمترس بالقوة والعنجهية والإرهاب ، واخترعت دائماً عدواً حتى تشد الناس إلى سياساتها في محاربة هذا العدو ، ولقد برع كلينتون بصنع الأعداء واختراعهم لتبرير سياساته ضد ابن لادن فوجهت السلطات الأمريكية الأنظار تجاهه ..

لقد قال الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون : (على أعداء الولايات المتحدة أن يدركوا أننا نتحول إلى حمقى إذا قربت مصالحنا .. بحيث يصعب التنبؤ بما قد نقوم به بما لدينا من قوة تدميرية غير تقليدية . وعندها سوف ينحنون خوفاً منا ..) .

بهذه العقلية تدار السياسة الأمريكية وعلى حساب الجميع وبالتالي فلا وجود للعدالة هنا وإنما حماية المصالح الأمريكية والمصالح فقط !

فكيف لنا أن نتصور حالة حقوق الإنسان في هذه الحالة ؟

الولايات المتحدة الأمريكية مصابة كبعض الدول الكبرى بالنفاق فهي تستعمل قضية حقوق الإنسان خارج دولتها (قميص عثمان) ، تثيرها حين يكون لها مصلحة في إثارتها وتسكت عن الانتهاكات التي تمارس ضد حقوق الإنسان كأبشع السكوت بل لقد تدعم الانتهاك وتبرره بدواعي الأمن كما فعلت منذ خمسين عاماً ولا تزال في دعم الإرهاب الصهيوني في فلسطين وفي انتهاك حقوق الملايين الفلسطينيين الموجودين خارج أراضيهم في حين تثير مسألة حقوق الإنسان في وجه الصين حين يكون لها مصالح تريد تمريرها .

إن الشعور بالعظمة والقوة لدى الإدارة الأمريكية وتدريسها هذه العظمة للطلاب على مقاعد الدراسة إنما يوحي لنا بالشعار الذي طرحه أدولف هتلر إمام النازية الألمانية (ألمانيا فوق الجميع) في حين قال بوش الأب : أمريكا أولاً .. وأما وسائل التعليم فتغرس في نفس الطالب شعارها “بأننا الأقوى ونحن الأغنى” وهو نمط من أنماط العنصرية والعنجهية الأمريكية كما كان يقول أدولف هتلر “ألمانيا فوق الجميع” ومن هنا فكيف لنا أن نرى حقوق الإنسان في نظر هؤلاء ؟ ..

لقد مارست الولايات المتحدة العهر السياسي في العراق عقب إنهاء الاجتياح العراقي للكويت فنصبت نفسها حامية للشيعة في الجنوب العراقي وحامية للأكراد في شماله ومنعت الطيران العراقي من التحليق في أجوائه تحت هذا الادعاء الزائف ، وبحجة حقوق الإنسان تحارب النظام العراقي مدعومة بربيبتها الدولة البريطانية ، ولأن كنت لست ممن يدافع عن هذا النظام ولا أي نظام استبدادي مثيل إلا أنني أحببت أن أوضح الصورة أمام الجميع وهي واضحة أصلاً ، وحتى لا نؤكل كما أكل الثور الأبيض .

وزادت الأمور سوءاً عقب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فبدأت الولايات المتحدة تسن التشريعات التي تهدر حقوق الإنسان ثم تعمد لخطف الناس بالمئات من أفغانستان بحجة مكافحة الإرهاب وتنقلهم دون وجه حق أو رادع من القانون الدولي إلى معسكرات غوانتانامو المعروفة وتمارس على أسراها كل صنوف الانتهاكات لحقوق الإنسان وبذات الوقت تدفع بالسفاح شارون لمزيد من القتل والتشريد وهدم المنازل وتخريب الحقول وتسخر إعلامها لخدمته وتبرير أعماله الإجرامية بأن تصفها بالدفاع عن النفس ، وقبلها انسحبت من مؤتمر دوربن في جنوب أفريقيا حتى لا تدان إسرائيل بالعنصرية واستعملت حق النقض الفيتو ضد إرسال مراقبين لحماية المدنيين من الفلسطينيين .

ومرة ثانية أتساءل أين هي حقوق هذا الشعب الفلسطيني الذي شرد منه الملايين خارج الوطن ويتعرض الآن لحملة إبادة جماعية مدعومة من أعتى قوة في العالم وأغشمها ؟ فهل سيقف العالم العربي متفرجاً حتى تتم تصفيته ؟؟

لئن كانت مسألة حقوق الإنسان تتخذ من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا تحديداً وبعض دول الغرب قميص عثمان وتشهره سلاحاً في وجه الخصوم حين الحاجة إلا أننا كنا نأمل أن يسود منطق الحق على منطق القوة يوماً ما وأن تعود دول العالم لتفكر ملياً بالحاجة إلى التعاون في سبيل استنهاض المجتمعات من كبوتها إلا أن أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر كبلت الأيدي وكممت الأفواه فها هي دول أوروبا مجتمعة لا تستطيع أن تقف أمام البلدوزر الأمريكي الذي يقود العالم بغباء شديد نحو الهاوية ونحو مزيد من الحقد والكراهية وتتضاءل الفرص أمام نهوض جديد لحقوق الإنسان كيف لا والنظرة الأحادية هي السائدة اليوم .

إنه لمن المؤسف حقاً أن نجد الحكومات العربية والإسلامية تصطف الواحدة تلو الأخرى إلى جانب باطل أمريكا خوفاً وهلعاً ويساق أبناؤها إلى معسكرات غوانتانامو تحت سمعها وبصرها دون أن تنبس ببنت شفة ولعلها تقول خلصونا منهم .

إن حقوق الإنسان تمر الآن بمرحلة خطيرة لا بد من الدفاع عنها بكل قوانا لأن مفتاح الحرية والعدالة يكمن في مدى احترامنا لهذه الحقوق .

بل إن بعض الأنظمة وجدت فرصتها الآن سانحة للتنكيل بخصومها ومعارضيها فلا أحد يلتفت اليوم لما يجري في بعض الدول المتخلفة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان اللهم إلا بعض الدول الغربية وعلى رأسها فرنسا .

إن العالم اليوم أشد ما يكون حاجة لتحكيم العقل على الهوى ولجم جموح الانتقام والدعوة لإجراء حوار حضاري يخرج الجميع من جحيم مرتقب لا تحمد عقباه إذا ركنا إلى هذا الغباء الذي يقود الولايات المتحدة الأمريكية والتي تدفع العالم نحو الهاوية ونحو صراع الحضارات ، والذي سوف لا يجني العالم منه سوى الخراب والدمار ومزيد من العنف والإرهاب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية الآن

العميد د. م. عبد الناصر فرزات الأخوة السوريون في كل مكان، نحن …