أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 5 من 11

الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 5 من 11

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

الشبهة الثانية

قولهم إنه كان طامحاً للخلافة ولم يكن أهلاً لها

نلاحظ أن منهج التقويم التاريخي مختل لدى معظم الكتاب المعاصرين؛ فالقيام بالواجب الشرعي يسمى في القاموس الحديث طموح وطلب سلطة!! ويحضرنا في هذا المقام هذه الحكاية لتوضيح الفكرة: “دخل رجل على الخليفة المأمون، فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال المأمون: وعليك السلام، فقال: أتأذن لي في الدنو منك؟ قال: ادنُ، فدنا، ثم قال: أتأذن لي في كلامك؟ فقال: تكلم بما تعلم أن لله فيه رضا، قال: أخبرني عن هذا المجلس الذي أنت قد جلسته أباجتماع من المسلمين عليك ورضا منك، أم بالمغالبة لهم وبالقوة عليهم بسلطانك؟ قال: لم أجلسه باجتماع منهم ولا بمغالبة لهم؛ إنما كان يتولى أمر المسلمين سلطان قبلي أحْمَدَهُ المسلمون إما على رضا وإما على كره، فعقد لي ولآخر معي ولاية هذا الأمر بعده في أعناق مَنْ حضره من المسلمين، فأخذ على من حضر بيت الله الحرام من الحاج البيعة لي ولآخر معي فأعطوه ذلك إما طائعين وإما كارهين، فمضى الذي عقد له معي على هذه السبيل التي مضى عليها، فلما صار الأمر إلي علمت أني أحتاج إلى اجتماع كلمة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها على الرضا، ثم نظرت فرأيت أني متى تخلفت عن المسلمين اضطرب حبل الإسلام ومرج عهدهم، وانتفضت أطرافه، وغلب الهرج والفتنة، ووقع التنازع، فتعطلت أحكام الله سبحانه وتعالى، ولم يحج أحد بيته، ولم يجاهد في سبيله، ولم يكن لهم سلطان يجمعهم ويسوسهم، وانقطعت السبل، ولم يؤخذ لمظلوم من ظالم، فقمت بهذا الأمر حياطة للمسلمين، ومجاهداً لعدوهم، وضابطاً لسبلهم، وأخذاً على أيديهم، إلى أن يجتمع المسلمون على رجل تتفق كلمتهم على الرضا به، فأسلّم الأمر إليه، وأكون كرجل من المسلمين، وأنت أيها الرجل رسولي إلى جماعة المسلمين، فمتى اجتمعوا على رجل ورضوا به خرجت إليه من هذا الأمر. فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وقام، فأمر المأمون علي بن صالح الحاجب بأن ينفذ في طلبه من يعرف مقصده، ففعل ذلك، فمضى إلى مسجد فيه خمسة عشر رجلاً في هيئته وزيه، فقالوا له: لقيت الرجل؟ فقال: نعم، فقالوا: فما قال لك؟ قال: ما قال لي إلا خيراً، ذكر أنه ضبط أمور المسلمين إلى أن تأمن سبلهم، ويقوم بالحج والجهاد في سبيل الله، ويأخذ للمظلوم من الظالم، ولا يعطل الأحكام، فإذا رضي المسلمون برجل سلم الأمر إليه منه، قالوا: ما نرى بهذا بأساً، وافترقوا”[1]

أقول: الشاهد من هذه الرواية أن إجابة الخليفة المأمون تنطبق على الصحابي عبد الله بن الزبير بل شتان بين خلافة عبد الله بن الزبير وخلافة المأمون! فعبد الله بن الزبير صحابي عدل من فقهاء الصحابة وعلمائهم، وما قام بأمر الخلافة إلا حماية للدين ونصرة للمظلوم من الظالم، والقيام بالواجب الشرعي، وقد اعتزل الفتنة بعد معركة الجمل ولم يشهد صفين كما ذكرنا من قبل، فجهاده وورعه وزهده ثابت تاريخياً، وظل معتزلاً حتى علم بقصة ولاية العهد وتحويل الخلافة إلى ملك وراثي، وحيث إنه عالم وفقيه قام بالواجب الشرعي واعترض على هذه الفكرة المحدثة على المسلمين، ولم يخرج ولم يحارب معاوية رضي الله عنه في ذلك الوقت.

وفي عهد يزيد بن معاوية خرج الحسين رضي الله عنه واستشهد في كربلاء سنة 61 هـ؛ وهنا دخلت الأمة في دوامة فتنة جديدة بعد فتنة استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه.. وفي عهد يزيد أيضاً حدثت واقعة الحرة سنة 63 هـ وقتل فيها جماعة من كبار الصحابة وانتهكت المدينة ولجأ ابن الزبير إلى الكعبة ولقب بالعائذ ببيت الله. فهل بعد هذه الفوضى التي حلت بالأمة وطمع فيها أعداؤها وأطلت الجاهلية برأسها يسكت ابن الزبير؟ هل يسكت العلماء ومن الذي يقوم بالواجب الشرعي إذا لم يقم به العلماء الذين قال الله في حقهم (لتبيننه للناس ولا تكتمونه) آل عمران آية 187، وهل بدأت بيعة ابن الزبير إلا بعد مقتل الحسين رضي الله عنه؟! فمن في زمن ابن الزبير يوازيه كفاءة وجهاداً وشجاعة وحنكة وتجربة؟!.

 ونحن ندافع عن هذا الصحابي ليس من منظور حبنا له كصحابي فقط؛ بل من خلال منظور نقدي موضوعي أيضاً؛ فعبد الله بن الزبير منذ نعومة أظفاره شب على القتال، وخاض المعارك العظام فقد ذكر الحافظ ابن حجر العسقلاني وغيره أنه شهد معركة اليرموك سنة 14 هـ وأنه شهد فتح مصر سنة 20 هـ، بل وشهد على كتاب الأمان الذي أعطاه عمرو بن العاص رضي الله عنه لأهل مصر.. كان ابن الزبير بطل معركة “سيبطلة” سنة 27 هـ وأنه في مقدمة الجيش الذي كان على مشارف قرطاجة في شمال إفريقية، وهو صاحب نظرية الانقضاض السريع على الخصوم وشل حركته، وهو الذي وصل إلى معسكر الروم والوصول إلى خيمة قائدهم الشهير “جريجوريوس” وقتله وانتهت المعركة لصالح المسلمين.. وشهد فتح “سوسة” سنة 45 هـ في شمال إفريقية.. وكان أحد الصحابة الذين اشتركوا في غزوة القسطنطينية سنة 50 هـ.

 وكان ابن الزبير من الذين دافعوا عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه وجرح بضعة عشرة جراحة، وشهد مشاهد كثيرة من جيوش الفتح الإسلامي.

فمن في زمنه خاض مثل هذه التجارب العسكرية؟!

أما عن البديهة والذكاء وحسن التدبير فكتب الأدب والتاريخ مفعمة بمواقفه الشهيرة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره من الصحابة، وحيله في المعارك مع الروم والفرس لا تنكر!.

فهل بعد كل هذه المؤهلات العسكرية والسياسية والشرعية والثقل التاريخي يزعم الدكتور حمادة وغيره أن ابن الزبير لم يكن أهلاً للخلافة؟!!

فمهما قيل عن سعة صدر عبد الملك بن مروان، فلا هو ولا أبوه مروان بن الحكم يقارن بابن الزبير؛ لا عسكرياً ولا سياسياً؛  لكن نظراً لأن التاريخ لم يكتب في عهد ابن الزبير، تعرض لحملة تشويه لا نظير لها؛ فلم يظلم خليفة حياً أو ميتاً مثل ابن الزبير رضي الله عنه.

بل إن مروان بن الحكم وابنه عبد الملك خرجا على ابن الزبير وخلافة عبد الملك بن مروان لم تصح إلا بعد مقتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه كما ذكر الذهبي والسيوطي وغيرهما.

قال الحافظ السيوطي: “ولم يبق خارجاً عنه إلا الشام ومصر فإنه بويع بهما معاوية بن يزيد، فلم تطل مدته، ولما مات أطاع أهلهما ابن الزبير وبايعوه، ثم خرج مروان بن الحكم فغلب على الشام ثم مصر، واستمر إلى أن مات سنة 65هـ، وقد عهد إلى ابنه عبد الملك، والأصح ما قاله الذهبي أن مروان لا يعد في أمراء المؤمنين، بل هو خارج على ابن الزبير ولا عهده إلى ابنه بصحيح، وإنما صحت خلافة عبد الملك من حين قتل ابن الزبير، وأما ابن الزبير فإنه استمر بمكة خليفة إلى أن تغلب عبد الملك فجهز لقتاله الحجاج (..) وخذل ابن الزبير أصحابه، وتسللوا إلى الحجاج، وظفر به وقتله وصلبه، وذلك (..) سنة ثلاث وسبعين”[2]

ويقول ابن تغري بردي عن أحداث سنة 73 هـ “وفيها قتل أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو بكر وقيل أبو خبيب القرشي الأسدي أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة، وأمه أسماء بنت أبي بكر الصديق له صحبة ورواية. حاصره الحجاج بن يوسف الثقفي بالبيت الحرام أشهرًا ونصب على الكعبة المنجنيق ورمى به على البيت غير مرة حتى قتل ابن الزبير وصلبه‏.‏ قيل‏:‏ إن الحسن البصري سئل عن عبد الملك بن مروان فقال الحسن‏:‏ ما أقول في رجل الحجاج سيئة من سيئاته‏.‏ وقتل مع عبد الله بن الزبير هؤلاء الثلاثة‏:‏ وهم عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، وعبد الله بن مطيع بن الأسود العدوي، وعبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي فهؤلاء من الأشراف وأما غيرهم فكثير‏.‏ ومن يوم قتل عبد الله بن الزبير صار في الإسلام خليفة واحد وهو عبد الملك ابن مروان‏.‏ قلت‏:‏ ومناقب عبد الله بن الزبير كثيرة يضيق هذا المحل عن ذكرها‏.‏ “[3]

أقول: فعبد الله بن الزبير كان أهلاً للخلافة وكان جديراً بها رغم ما قيل حوله.


[1] المسعودي: مروج الذهب ـ المكتبة الإسلامية ـ بيروت ـ ج4 ـ ص20 ، ص21.

[2] السيوطي: تاريخ الخلفاء ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت طبعة أولى ـ 1408هـ ص 169.

[3] ابن تغريد بردي: جمال الدين يوسف: النجوم الزاهرة ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1413 هـ  الموافق 1992م ـ ج1 ص 244.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أبعاد المؤامرة المجوسيَّة-النُّصيريَّة لتدمير الشَّام 4 من 7

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. نشأة العلويين ينتقل هاشم …