أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 4 من 11

الخليفة المظلوم – عبد الله بن الزبير المفترى عليه – 4 من 11

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

المبحث الثاني

العوامل التي ساعدت

 على مبايعة المسلمين لابن الزبير رضي الله عنه

هناك عدة عوامل أدت إلى مبايعة المسلمين للصحابي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه منها:

(أ) حال الأمة بعد وفاة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه:

لقد ثبت تاريخياً أنه لما ولي يزيد بن معاوية الخلافة أرسل إلى الوليد بن عقبة وكان عامله على المدينة أن يأخذ له البيعة من كبار الصحابة في الحجاز؛ فامتنع عبد الله بن الزبير وفرّ إلى مكة وقال قولته الشهيرة “أنا عائذ ببيت الله” فسمي من يومئذ بـ (بالعائذ بالكعبة). وأما الحسين رضي الله عنه فقد خرج من المدينة وسار إلى مكة دون أن يبايع يزيد بن معاوية. وكاتبَه الشيعة بالكوفة ـ ونقصد بالشيعة في تلكم الفترة الذين كانوا يناصرون ويشايعون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وآل البيت رضي الله عنهم ـ فلم يكن ظهر بعد مصطلح التشيع والشيعة بالمعنى الانحرافي الموجود حالياً وبروز هذه الطائفة بمعتقداتها كان بعد مذبحة كربلاء سنة 61هـ. وبالطبع بعد ردح من الزمن، وآل البيت براء من الشيعة وعقائدها الضالة، وقد قيل إن الحسين رضي الله عنه تسلم من أهل الكوفة مئة وخمسين كتاباً من مختلف الجماعات التي تبايعه، وتحضه على الخروج على يزيد، لكن قدر الله نفذ وخذل الشيعة الحسين كما خذلوا أباه وأخاه من قبل، وعلى إثر مقتل الحسين رضي الله عنه، انتشر التشيع بين الفرس في إيران ومنطقة خراسان نظراً لشيوع الجهل في هذه البقاع في تلك الفترة، واستعرت الحرب بين أبناء الأمة وتفرقت أحزاباً وشيعاً عقب حادثة كربلاء إلى يومنا هذا. ولله الأمر من قبل ومن بعد.

(ب) تحويل الخلافة من طريق الشورى:

هناك عدة طرق لاختيار خليفة المسلمين: الطريقة الأولى كما فعل الصحابة رضي الله عنهم يوم السقيفة لمبايعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه. الطريقة الثانية: كما فعل أبو بكر بالتوصية بعمر بن الخطاب رضي الله عنه. الطريقة الثالثة: كما فعل عمر بأن رشح ستة للخلافة  يختار من بينهم خليفة. الطريقة الرابعة: كما فعل أهل الحل والعقد بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه واختاروا علياً رضي الله عنه. ثم تحولت الخلافة من الشورى إلى الوراثة مثلما فعل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه في آخر حياته بأخذ البيعة لابنه يزيد. ومن ثم صدم بهذا الأمر كثير من المسلمين ولا سيما بعض الصحابة حيث قال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق لمروان بن الحكم: “ما لخيار أردتم لأمة محمد صلى الله عليه وسلم؟” ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل، قام هرقل”.

(ج) استشهاد الحسين رضي الله عنه في موقعة كربلاء سنة 61 هـ وما جرّ على الأمة بعد مقتله من ويلات.

(د) هجوم جيش يزيد على المدينة في موقعة الحرة 63هـ وقتله لكثير من الصحابة وخيار الأمة والاعتداء على الكعبة ورميها بالمنجنيق.

(هـ) انحطاط منزلة يزيد عن رتبة وفضل عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.

(و) التفاف أهل الحجاز وكثير من الصحابة والتابعين حول ابن الزبير رضي الله عنه وتمسكهم به.

(ز) وجود قيادات فاعلة ومعروفة بالشجاعة والصلاح مع ابن الزبير مثل أخيه مصعب.

هذه كانت باختصار أهم العوامل التي ساعدت في مبايعة الناس لابن الزبير.

المبحث الثالث

الرد على أبرز ما ذكره الكتاب من شبهات

حول ابن الزبير وأسباب فشله في الاحتفاظ بدولته

التعليق الموضوعي والرد على أبرز ما ذكره الكتاب من شبهات حول شخصية عبد الله بن الزبير وأسباب فشله الاحتفاظ بدولته:

نذكر على وجه الإجمال خلاصة ما قيل من شبهات عن أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير رضي الله عنه:

الشبهة الأولى: اعتماد هؤلاء العلماء والباحثين والدراسين على أحاديث غير صحيحية.

الشبهة الثانية: قولهم إن ابن الزبير كان طامعاً للخلافة ولم يكن أهلاً لها.

الشبهة الثالثة: لم يكن منتهزاً للفرص ولم يكن ذا نظر في العواقب حيث دعاه الحصين بن نمير لمبايعة أهل الشام فرفض.

الشبهة الرابعة: عجزه عن استمالة الخوارج والشيعة في صفه وتألب الجميع ضده.

الشبهة الخامسة: إهماله الدعاية والإعلام المتمثل في الشعراء.

الشبهة السادسة: ضعف مركز الحجاز الاستراتيجي.

وهناك أسباب ثانوية أخرى تدندن حول ما ذكرناه.

التعليق على ما سبق

أما تعليقنا على ما أثير من شبهات أو أسباب سقوط الخلافة الزبيرية فسنختار منها الآتي:

الشبهة الأولى

اعتماد هؤلاء العلماء والباحثين

 والدراسين على أحاديث غير صحيحية

هؤلاء الباحثون يرون صحة استنتاجاتهم حيث يعتمدون نزراً من الأخبار يؤيد مزاعمهم بأن ابن الزبير كان محباً للإمارة والزعامة وكان متطلعاً لها، وعمدتهم في ذلك حديثان:

الحديث الأول: حديث خالد الحذاء ونصه: “عن أبي يوسف يعقوب، عن محمد بن حاطب والحارث قالا: طالما حرص ابن الزبير على الإمارة، قلتُ: وما ذلك؟ قالا: أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بلص،  فأمر بقتله، فقيل إنه سرق فقال: اقطعوه. ثم جيئ به في إمرة أبي بكر فقال: ما أجد لك شيئاً إلا ما قضى فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أمر بقتلك. فأمر بقتله أغيلمة من أبناء المهاجرين أنا فيهم. فقال ابن الزبير أمروني عليكم. فأمرناه. فانطلقنا به إلى البقيع، فقتلناه”[1] قال عنه الحافظ شمس الدين الذهبي: خبر منكر. 

الحديث الثاني: حديث يعقوب القمي: عن جعفر بن أبي المغيرة، عن أبي أبزى، عن عثمان: أن ابن الزبير قال له حيث حُصر: أن عندي نجائب، فهل لك أن تتحول إلى مكة، فيأتيك من أراد أن يأتيك؟ قال: لا. إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُلحد بمكة كبش من قريش اسمه عبد الله، عليه نصف أوزار الناس”. قال الذهبي: رواه أحمد في مسنده وفي إسناده مقال”[2] وذكر الشيخ شعيب الأرناؤوط في تخريج هذا الحديث: “وهذا الحديث منكر جداً، وفي إسناده ضعف، ويعقوب القمي فيه تشيع، ومثل هذا لايقبل تفرده به، وبتقدير صحته، فليس هو عبد الله بن الزبير، فإنه كان على صفات حميدة، وقيامه بالإمارة إنما كان لله عز وجل، ثم هو كان الإمام بعد موت معاوية بن يزيد لا محالة، وهو أرشد من مروان بن الحكم، حيث نازعه بعد أن اجتمعت الكلمة عليه، وقامت له البيعة في الأفاق، وانتظم له الأمر”[3]

هكذا يعتمد هؤلاء الكتاب على أخبار منكرة وعارية عن الصحة كمسلمة لطرح ما استنتجاتهم الخاطئة! ومن ثم النيل من هذا الصحابي الجليل وخلافته.


[1] الذهبي: سير أعلام النبلاء الذهبي ـ مؤسسة الرسالة ـ الطبعة الثالثة ـ 1405 هـ ـ باب ترجمة عبد الله بن الزبير ـ الجزء الثالث.

[2] الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ ج3 ص 375.

[3] الذهبي: سير أعلام النبلاء ـ ج3 ص 375.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 1 من 27

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي موقع رسالة بوست ينفرد بنشر مؤلف د. …