أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (61)

إضاءات سياسية (61)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

الفصل الخامس :

في الشأن العربي والدولي والإسلامي

على هامش الانهيارات -1-

الاتحاد السوفييتي

لا شك أن الزعيم السوفيتي الرئيس غورباتشوف هو أحد كبار القادة وشخصيات القرن العشرين ، فمنذ أن تولى زعامة الحزب الشيوعي في بلاده أطلق صيحة الإصلاح أو ما يسمى “البيروسترويكا “ولا شك أيضاً أن أول من أطلق هذه الصيحة هو الزعيم السوفيتي خروتشوف إثر تصريحاته وخطاباته في استوكهولم وواشنطن حين لمس البعد الشاسع بين الحياة التي يحياها المواطن في بلاده ، وبين الحياة التي يحياها مواطنو الدول الاسكندنافية أو مواطنو الولايات المتحدة الأمريكية ، ولاحظ ذلك الرئيس المتنور خروتشوف مدى البؤس الذي يعاني منه مواطنوه العاديون ، في حين كان يرفل بالنعيم طبقة الحكام ، ولو قدّر لخروتشوف أن يبقى في منصبه إذاً لتغير وجه الاتحاد السوفيتي منذ زمن بعيد ، إلا أن الطبقة الحاكمة آنداك سواء في زعامة الحزب الشيوعي أم في رأس السلطة لم تكن مع الإصلاح ولم تجد في تصريحات خروتشوف سوى الانتقاص من هيمنتها فتغلبت عليه وتمكنت من إقصائه من السلطة ووضعه على هامش الحياة العامة ، وتدور الأيام ويأتي الزعيم الجديد غورباتشوف ويطرح فكرة “إعادة البناء” بعد أن تمكن من إبعاد منافسيه سواء باتهامهم بالفساد أو بصورة من الصور وأحكم قبضته من الحكم وبدأ بذلك عصر الانهيارات وتتالت الضربات على النظام الشيوعي في سائر أوروبا الشرقية ، وشاءت الأقدار أن أكون متواجداً في ألمانيا الاتحادية عشية هدم سور برلين وشاهدت تدفق الألمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية وبرلين الغربية حيث توطن قسم منهم بصفتهم مهاجرين بينما عاد الآخرون زواراً وهوى صنم الشيوعية وتحطم وانسلخت بعض أقطار أوروبا الشرقية عن الشيوعية نهائياً ، وحطمت بعض الشعوب تماثيل لينين وصدرت التشريعات تلو التشريعات في كل أوروبا الشرقية حتى داخل الكرملين  بإلغاء دور الحزب الشيوعي في قيادة الأمم التي كانت تدور في فلكه ، وبرزت أحزاب كثيرة تنادي بالحرية والديمقراطية داخل أسوار الستار الحديدي ، ونادت تنظيمات كثيرة بسقوط الشيوعية وحوكم زعماء وقادة أعدموا ، من أمثال  شاوشيسكو وتم تنحية أعداد كبيرة من القادة القدامى بعد أن اتهموا بالفساد والرشوة واستغلال النفوذ ، وقال البعض بأن الهيئة الحاكمة والحزب الشيوعي في دول أوروبا الشرقية ما هي إلا صورة من صور العهود الإقطاعية وما تغير سوى الاسم دون المضمون .

وهكذا تتالت المعاول ولا تزال على صرح الإمبراطورية السوفييتية التي لم يمض على إنشائها سوى سبعين عاماً ، وكانت قد سبقتها تمزقات حصلت في الدول الشيوعية في العالم مما استتبعها عداء بين دول هذا المعسكر من أمثال ما حصل بين الصين ويوغسلافيا وألبانيا ورومانيا وغيرها وبين الاتحاد السوفيتي ، وهكذا ثبت فشل التجربة الشيوعية وعدم صلاحيتها لحكم العالم .

إن أسباب الانهيار لم تكن في قوة الطرف الآخر وهو الطرف الرأسمالي من العالم بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولم يكن انهيار الشيوعية نتيجة قوة وتماسك هذا المعسكر ولا ما يحمله من أفكار أدت لما آل إليه وضع المعسكر الشرقي ، وإنما الانهيار كان نتيجة تسوس في داخل النظام الشيوعي نفسه وعدم صلاحيته للاستمرار في حياة الأمم أو في حكم المجتمعات .

صحيح أن القوة العسكرية للاتحاد السوفيتي كانت كبيرة جداً وهي ندّ للقوة العسكرية الأمريكية إلا أنه كما يقال ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان ، وليست القوة العسكرية وحدها ولا القمع الذي تمارسه داخلاً وخارجاً هما دعامة استمرار الدول وتقدمها ، فمن المعلوم لدى القاصي والداني أن الشيوعية لم تقم في بلد إلا على أساس استبداد ظالم يتم في ظله خنق الحرية الفكرية والسياسية فلا يستطيع أي مواطن أن ينبس ببنت شفة ، وهكذا كانت أوضاع الدول الشيوعية كلها ، وليس ببعيد عنا ما حصل في بولندا والمجر وتشيكوسلوفاكيا حين تحرك أهلها لانتهاج خط مغاير لخط الاتحاد السوفيتي ، أما في الداخل فلم يكن يعرف مصير المواطن إذا قبضت عليه السلطة ، وهكذا كانت الحال في الدول الدائرة في فلك الدول الاشتراكية ، قمع وتجويع واستغلال أدى ولا يزال يؤدي إلى تدمير في بنيان هذه الأمم من داخلها بينما تطرح الشعارات على نقيض ذلك تماماً .

التقارب :

ولكن في كل الأحوال فإن من ثمار البيروسترويكا كان الاسترخاء الدولي والتقارب بين العمالقة فتم عقد الاتفاقيات والمؤتمرات حول السلام ونزع السلاح وما إلى ذلك .

والواقع فإن هذا التقارب وهذا الاسترخاء الدولي عظيم جداً لأنه يقي العالم – وإن كان لفترة مؤقتة- ويلات الحرب وما يسبقها من سباق للتسلح ، والتوتر العصبي والنفسي في الأنظمة الحاكمة أو بين الشعوب التي يتم كل هذا على حسابها ودون أن تستشار في ذلك ، وبالتالي يؤدي إلى إفقارها حتى لا تجد ضرورات حياتها اليومية ، ولذا فإن ما تم بين العمالقة على الصعيد العالمي هو جيد ومفيد لكثير من شعوب العالم ، ولكن يا ترى ما هي خفايا الاتفاقيات الدولية الجديدة وما هو دور الشعوب المستضعفة فيها ؟

أول الغيث قطرة :

ولعل أول ما نتج عن هذا التقارب هو الهجرة اليهودية من الاتحاد السوفيتي باتجاه فلسطين وما أعقب ذلك من إصدار تشريعات من ممثلي الشعب الأمريكي نواب وشيوخاً لتكريس القدس عاصمة أبدية موحدة لدولة العدوان والإرهاب “الدولة العبرية” .

في الماضي كان الاتحاد السوفيتي ثاني كبرى الدول في العالم التي تبنت الوجود الصهيوني في فلسطين تحت اسم “دولة إسرائيل” وقدمت لها الدعم المادي والمعنوي وكرستها دولة في قلب العالم العربي “فلسطين” مهد الرسالات ومهبط الوحي وأولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومن أقدس مقدسات المسلمين قاطبة ، ثم كان من نتائج التقارب الجديد أن تتبنى دولة كبرى فرض عاصمة لدولة غاصبة لأراضي دولة أخرى .

وهكذا كانت أولى ثمرات التقارب الجديد إرهاب سياسي جديد بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية ، ولعمري لو عدنا إلى الوراء قليلاً وبالتحديد في عام 1890 حين عقد الصهاينة مؤتمرهم في بازل في سويسرا وقرروا إقامة دولتهم بعد خمسين عاماً من هذا المؤتمر ، وقد تأخرت إقامة الدولة فعلياً عاماً واحداً ، فأين نحن الآن ؟ نحن الآن ، وليتذكر من تذكر على أبواب العام الخمسين الثانية وهي المرحلة الثانية للتوسع الصهيوني باتجاه إقامة الدولة العبرية الكبرى ، والصهيونية هي المستفيد الأول من استرخاء العمالقة ، فلماذا يا ترى ؟

إن الإجابة بسيطة تكمن في التساؤل : أين العالم العربي من المحيط إلى الخليج ؟ وأين الشارع العربي الذي كان يهتز لأبسط من هذه الأمور ، إزاء هذا العدوان الصارخ والتكالب الشرس على مصيره ومصير مقدساته ؟ أين الإضرابات الاحتجاجية التي كانت تمارسها الشعوب العربية وأين المسيرات التي كانت تسيرها الأنظمة بإشارة من إصبعها ، أين كل هذا ؟ لقد ذاب كله مع تباشير الصيف الحار ولم يبقى منه أي أثر .

لقد مارست معظم الأنظمة العربية فنوناً من التنكيل بالشعوب وقمع الفكر والحرية ، فتحولت هذه الشعوب إلى مجموعة هتافين ومصفقين ، وقبلت على نفسها أن تكون على هامش الحياة السياسية فلا تشارك إلا بقدر ما يسمح لها النظام ، فانتكس الحس الوطني فيها وتبلدت المشاعر وانصرف كل مواطن لتحصيل لقمة عيشه التي أضحى أمر تحصيلها أمر بالغ المشقة ، ونمت في المجتمعات العربية طفيليات كثيرة همها الوحيد هو جمع المال واقتناء السيارات الفارهة والعيش في القصور الفخمة دون نظر إلى حلال أو حرام ، بل لم يعد للحلال وجود ، وافتقرت الساحة العربية للقيادات الفعالة والحركات السياسية النشطة ، وزج بالكثير من أبناء الشعوب العربية بالسجون والمعتقلات وصفيت أعداد كبيرة من خيرة القادة المفكرين والسياسيين ، فابتليت الأمة بالتصحر الفكري وأجدبت ساحتنا من الجهاد والنضال وحركات التحرر ، ولم  تتعظ بعض الأنظمة مما حصل في الغرب ، وبالتحديد في المعسكر الشرقي ، الذي كان آخر مطافه ما حصل في ألبانيا من توجه نحو مزيد من الانفتاح على العالم الخارجي ، ومن طرح لمشكلة حقوق الإنسان والحريات الدينية ، وما هذه الأعداد الغفيرة التي اعتصمت في السفارات الغربية إلا خير دليل على جسامة الانهيار في المعسكر الشرقي .

كل هذا التيار الجارف في دول المعسكر الشرقي أثبت بما لا يدع مجالاً للشك أن الاشتراكية والشيوعية نظام لا يحمل في طياته إمكانية الحياة والاستمرار ، مما أدى لإجهاض الجنين فمات قبل أن تولد الشيوعية بالمعنى العلمي المعروف ، والتي كانت الاشتراكية هي الخطوة الأولى لها .

ولكن ما هو دور النظام الرأسمالي في المعسكر الغربي :

مما لا شك فيه أن أوروبا قد أخذت بنظام رأسمالي متطور بعض الشيء عن النظام السائد في الولايات المتحدة ، ذلك أن النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة إنما هو نظام الاحتكارات والمصارف ومن ينعم بالعيش فيه إنما هم المحتكرون والتجمعات المالية الكبيرة “التروستات” والمصارف وما يتبعها من هيمنة مالية على كل قطاعات الشعب ، وأما الطبقات الدنيا فهي طبقات مسحوقة سحقاً كاملاً فلا نستطيع أن نجد طبقة وسطى مكتفية ومستغنية عن الآخرين فالكل مرهون للمصارف والشركات الاحتكارية الكبرى ، ومكبس الحياة الصعبة لا يكاد ينجو منه إنسان إلا بصعوبة ، ولذا فإن هذا النظام أيضاً لا يحمل في طياته إمكانية الاستمرار في الحياة ، وما يحمله على الاستمرار حالياً ما هو إلا هذه الفئة المتسلطة وليس ببعيد ذلك اليوم الذي سينهار فيه هرم الرأسمالية البشع وعندها سيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .

مع تداعي الانهيارات التي ستنهي منظومة الاتحاد السوفيتي ، على قادة دول العالم العربي والإسلامي أن يستوعبوا الدرس جيداً ويدركوا أن النظام الإسلامي هو الآن الذي يمثل اليسار العالمي وبالتالي يجب التحضير لأن يحتل هذا النظام موقعه الصحيح في المنظومة العالمية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية الآن

العميد د. م. عبد الناصر فرزات الأخوة السوريون في كل مكان، نحن …