أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (19)

تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (19)

الدكتور حسين القحطاني

عرض مقالات الكاتب

(السيف البتّار على شانئ النّبي المختار) • قال الله عز وجل مدافعاً عن رسوله وصفيه : (إنّ شانئك هو الأبتر) “الكوثر” أي : إن مبغضك هو الأبتر المقطوع النّسل الذي لا خير فيه ، ولا يولد له خير ، ولا يصدر منه عمل صالح ، فهو مقطوع الخير من كل الجهات ، من جهة أقواله ومن جهة أفعاله ومن جهة مآله . فالذين قالوا عن الرسول الكريم إنه أبتر ، وقصدوا بذلك أنه يموت فينقطع ذكره ، لأنه لا ولد له ، عوقبوا بانبتارهم ، تقديراً وتشريعاً ، ولهذا قال : (إن شانئك هو الأبتر) . ومن شانئ الرسول أو بعض ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فإن الله تعالى يبترهم ، فيموتون ويموت ذكرهم ، فلا يوجد من شنأ الرسول وشنأ ما جاء به من الهدى والنور ، إلا بتره الله ، حتى أهل البدع والفجور المخالفون لسنّته ، يكون لهم نصيب من قوله تعالى : (إن شانئك هو الأبتر) . ومن الأمور الشهيرة المعروفة في كتب الأصول ، أن فتح الحصون ، والنّيل من الكفار ، والانتصار في المعارك ، قد يطول أمده ويتأخر النصر ، ولكن العدوّ إذا سبّ الرسول أو طعن في عرضه ، فحينئذ تتيسر كل الصعوبات ، فتفتح الحصون للمسلمين ، ويسهل النّيل من الكفار ، وتقترب ساعات الانتصار تحقيقاً لقوله : (إن شانئك هو الأبتر) . ووقع وعيد الله في قوله : (إن شانئك هو الأبتر) ، جلياً عندما مزّق كسرى عظيم الفرس كتاب الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فمزّق الله ملك الأكاسرة كل ممزّق ، وانبتر سلطانهم من على وجه الأرض إلى يوم القيامة ، فعن ابن شهاب الزهري قال : أخبرني عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- “بعث بكتابه إلى كسرى مع عبدالله بن حذافة السهمي ، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى ، فلما قرأه مزّقه ، فحسبت أن ابن المسيب ، قال : “فدعا عليهم رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- أن يُمزّقوا كل ممزّق” . أخرجه البخاري في صحيحه . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “قال سبحانه وتعالى : (إن شانئك هو الأبتر) . فأخبر سبحانه أن شانئه هو الأبتر ، البَتر : القطع ، يقال : بترَ يبترُ بتراً ، وسيف بتّار ، إذا كان قاطعاً ماضياً ، ومنه في الاشتقاق الأكبر تبّره تتبيراً إذا أهلكه ، والتّبَار : الهلاك والخسران ، وبيّن سبحانه أنه هو الأبتر بصيغة الحصر والتوكيد لأنهم قالوا : إن محمداً ينقطع ذكره لأنه لا ولد له ، فبيّن الله أن الذي يشنأه هو الأبتر لا هو ، والشنآن منه ماهو باطن في القلب لم يظهر ، ومنه ما يظهر على اللسان وهو أعظم والشنآن وأشدّه ، وكل جُرم استحق فاعله عقوبة من الله إذا أظهر ذلك الجُرم عندنا وجب أن نعاقبه ونقيم عليه حدّ الله ، فيجب أن نبتر من أظهر شنآنه وأبدى عداوته ، وإذا كان ذلك واجباً وجب قتله ، وإن أظهر التوبة بعد القدرة ، وإلا لما انبتر له شانئ بأيدينا في غالب الأمر ، لأنه لا يشاء شانئ أن يُظهر شنآنه ثم يُظهر المتاب بعد رؤية السيف إلا فعل ، فإن ذلك سهل على من يخاف السيف . تحقيق ذلك أنه سبحانه رتّب الانبتار على شنآنه ، والاسم المشتق المناسب إذا عُلق به حكم كان ذلك دليلاً على أن المشتق منه علّة لذلك الحكم ، فيجب أن يكون شنآنه هو الموجب لانبتاره ، وذلك أخصّ مما تضمنه الشنآن من الكفر المحض أو نقض العهد ، والانبتار يقتضي وجوب قتله ، بل يقتضي انقطاع العين والأثر ، فلو جاز استحياؤه بعد إظهار الشنآن قطع عينه وأثره كان كسائر الأسباب الموجبة لقتل الشخص ، وليس شيء يوجب قتل الذمي إلا وهو موجب لقتله بعد الإسلام ، إذ الكفر المحض مجوّز للقتل لا موجب له على الإطلاق ، وهذا لأن الله سبحانه لما رفع ذكر محمد عليه الصلاة والسلام فلا يُذكر إلا ذكر معه ، ورفع ذكر من اتبعه إلى يوم القيامة ، حتى إنه يبقى ذكر من بلّغ عنه ولو حديثاً ، وإن كان غير فقيه ، وقطع أثر من شنأه من المنافقين وإخوانهم من أهل الكتاب وغيرهم ، فلا يبقى له ذكر حميد ، وإن بقيت أعيانهم وقتاً ما إذا لم يُظهروا الشنآن ، فإذا أظهروه مُحقت أعيانهم وآثارهم تقديراً وتشريعاً ، فلو استبقي من أظهر شنآنه بوجه ما لم يكن مبتوراً ، إذ البتر يقتضي قطعه ومحقه من جميع الجوانب والجهات ، فلو كان له وجه إلى البقاء لم يكن مبتورا . يوضح ذلك أن العقوبات التي شرعها الله نكالاً مثل قطع السارق ونحوه لا تسقط بإظهار التوبة ، إذ النّكال لا يحصل بذلك ، فما شرع لقطع صاحبه وبتره ومحقه كيف يسقط بعد الأخذ ، فإن هذا اللفظ يشعر بأن المقصود اصطلام صاحبه ، واستئصاله واجتاحه وقطع شأفته ، وما كان بهذه المثابة كان عما يُسقط عقوبته أبعد من كل أحد ، وهذا بيّن لمن تأمّله ، والله أعلم” . “الصارم المسلول على شاتم الرسول”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 24 من 27 – الوسطية في حبه (2)

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي موقع رسالة بوست ينفرد بنشر مؤلف د. …