أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (58)

إضاءات سياسية (58)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

لقد عانى الشعب في سورية وخاصة بين أعوام 1980- 1990 ويلات التعذيب التي لا يمكن وصفها ، ندرج أمثلة مختصرة عنها :

التعذيب الجسدي :

من وسائل التعذيب الأكثر اليوم في سورية :

1- ما يسمى الكرسي الألماني : وهو الكرسي المصنوع من قضبان الحديد بعد نزع مسانده إذ يمرر قضيب “مسند الظهر” تحت إبطي السجين ويداه مقيدة بالكلبشات إلى الوراء ويصحح وضع الكرسي بحيث يغدو جسد السجين تحته تماماً أو بين قضبانه السفلية لكن إبطيه وصدره معلقان بقضيبي “مسند الظهر” ثم تشد أرجل السجين بحبل ثخين وتربط بالطرف العلوي من قضيبي “مسند الظهر” فيصبح جسده أشبه بقوس من دائرة بين أرجل الكرسي عندها يبدأ الضرب بالكابلات على قدمي السجين وساقيه ، ويعاد بين فينة وأخرى شد الحبل وتشديد تقويس ظهر السجين ، والمعروف رغم شدة ما يعانيه السجين من ألم متعدد الوجوه فإنه يصاب بشلل في أطرافه العلوية يدوم أسابيع أو أشهر تبعاً لدرجة تعرضه للتعذيب بالكرسي .

2- الضرب بالكبلات : على القدمين أو اليدين أو مختلف أنحاء الجسد ، والكبل هو عبارة عن مجموعة من الأسلاك النحاسية تستخدم لاستجرار الكهرباء تجدل بشكل جيد ، وغالباً تنتزع جزءاً كبيراً من اللحم مع الضرب .

3- الوضع في الدولاب : والدولاب هو الإطار الخارجي لعجلة سيارة يوضع فيه الإنسان ليمسك برأسه ورجليه ويتم ضربه دون أن يستطيع الحراك .

4- صعقات الكهرباء : حيث تربط الأسلاك الكهربائية بمواضع حساسة من الجسم ويتم وصل الكهرباء إليها .

5- بساط الريح : حيث يشد السجين من أطرافه الأربعة بحبال إلى جهات أربع ويبدأ الضرب على أنحاء جسده المختلفة ويعاد شد الحبل بين لحظة تعذيب وأخرى .

6- الحرق بالسجائر لمواضع مختلفة من الجسم .

7- الضرب والركل والصفع .

8- الجلد على أسفل القدمين .

9- التعذيب بالمياه : عن طريق إغراق الرأس بوعاء من المياه .

10- السلّم : تربط قدما المعتقل بالحبال إلى درجات السلم العليا ، ليصبح جسده العاري مقلوباً ومتدلياً إلى أسفل ، ويتمكن المحقق الجزار بذلك من جلده على كامل مساحة جسده المعلق .

11- الفسخ : يمدد المعتقل على ظهره ، ويوضع كرسي فوق حوضه ، وتدخل ساقيه ، بعد طيهما وتثبيتهما بين قوائم الكرسي ، فتغدو الساقان منثنيتين عند الركبتين ومفتوحتين إلى أعلى ، ويقف من يمينه ويساره واحد من الجزارين صاعداً فوق إحدى ركبتيه ، وضاغطاً بشكل متواتر مع زميله (الجزار المقابل) ، كي يتمكنا من فتح ساقي المفسوخ إلى أقصى زاوية منفرجة ، وإذا كان المطلوب أكثر من زاوية 180 درجة ، فيجب رفع حوض (المعني بالفسخ) بوضع خشبة تحته ، مما يؤدي إلى كسر الحوض وفصل الساقين عند رأس الزاوية أو نقطة المفصل العاني .

12- الشبح : يعرى المعتقل وتغطى عيناه (الطميشة) ، ثم يقيد بالكلبشات الحديدية ويعلق من معصميه أو من قدميه بحبل يشده إلى سقف الغرفة فيصبح مشبوحاً كالذبيحة ، وهكذا يتوفر كامل جسده من كل الجهات مساحة حرة لضربات الجزارين وسلخهم وفنونهم ، التي قد تشمل دغدغة المشبوح بصعقات الكهرباء .

13- الضرب بالبلطة : وذلك على مشط القدم لإجبار المعتقل على الاعتراف السريع ، الأمر الذي كان يؤدي في غالب الأحيان إلى قطع معظم أصابع القدم .

14- المثقب الكهربائي : وذلك بأن يجري ثقب أرجل الموقوف بهذا المثقب حتى يتناول العظم .

15- الإطعام الكريه : يجبر المعتقل على أكل مواد تالفة وأشياء كريهة ، وأحياناً يدفعه الجزارون إلى فتح فمه ودفع تلك المواد دفعاً ليزلطها بلعومه ، كما حصل مع من أطعموه فأراً ميتاً في سجن تدمر .

16- الأفعال المنافية للآداب : بعد تعرية المعتقل والعبث بعورته باستخدام العصا أو غيرها ، يجبر تحت الضرب والتهديد على العبث بالمناطق الحميمة ، وقد يغصب على ارتكاب الفاحشة مع زميله أو شقيقه المعتقل معه .

17- التغذية الرديئة : من المسلم به أن الطعام الذي يقدم للمعتقلين ، والسجناء عموماً ، هو غالباً رديء وقليل الكمية ، حيث يضطر المعتقل في كثير من الحالات للاعتماد على موارده الخاصة ، فتتحول متطلباته إلى عبء آخر على عائلته أو مصادره الخارجية ، بينما تصبح هذه المسألة منبعاً آخر للفساد في معظم السجون .

التعذيب العقلي :

ويتمثل التعذيب العقلي في الحبس الانفرادي لمدد طويلة ، والمنع من الاتصال بالعالم الخارجي والاستعانة بمحام حيث يبقى المعتقل شهوراً وأحياناً سنوات دون أن تعلم عائلته عنه أي شيء ودون أن تتمكن من الاطمئنان عليه يضاف إلى ذلك الحجز في أماكن تفتقر إلى أدنى معايير الصحة بعيداً عن الضوء والهواء النقي ، الأقبية والزنازين ، وإسماعهم بصورة شبه دائمة أصوات التعذيب الشديد إلى جانب توجيه الإهانات والشتائم المبتذلة والتهديد المستمر بتعذيب أشد ، أو بالتعرض للتعذيب والإهانة لأحد أفراد العائلة “وبشكل خاص للزوجة أو الأخت أو الابنة” .

أن التحقيق سواء في الفروع الأمنية أو القضائية يرافقه غالباً التهديد والتخويف مما يؤثر بشكل مباشر في معنويات الموقوف ، ويؤدي إلى آثار نفسية طويلة الأمد لديه ، كما أن العزل الانفرادي عقوبة ملازمة للتعذيب في الفروع الأمنية وقد تستمر إلى ما بعد انتهاء التحقيق وتوقف التعذيب الجسدي ، وحتى أحياناً بعد صدور الأحكام .

ويحتجز المعتقلون في الفروع الأمنية إما في الزنزانات أو في المهاجع ، وغالباً تكون مساحة الزنزانة (12 م2) ، وتتميز بعدم وصول الضوء أو الهواء لها ، نظراً لوجود معظمها في أقبية تحت الأرض ، إضافة إلى عدم وجود إنارة بحيث لا يميز المعتقل بين الليل والنهار ، فضلاً عن قذارتها وافتقارها لأدنى المعايير الصحية ، وحسب تعبير أحد المعتقلين في الفروع : “طبعاً لا يوجد هناك إلا القمل والإنسان ، حتى الحشرات الأخرى لا تستطيع أن تعيش هناك” .

أما المهاجع فتتميز غالباً باكتظاظها الكبير حتى أن بعضها يتواجد فيه (175) إلى (210) معتقل على الرغم أن مساحتها لا تتعدى (42 م2) ، وينام المحتجزون في هذه المهاجع على مراحل وعلى طريقة “التسييف” ، وفقاً لما يطلق عليها من قبل السجناء ، ويعني بأن ينام الشخص على أحد جانبيه كحد السيف ليأخذ أقل مسافة ممكنة ، أما الباقون فخيارهم إما النوم وقوفاً أو انتظار دورهم في النوم “تسييفاً” .

أما الطعام الذي يقدم للمعتقلين فيتميز غالباً برداءته وقلة كميته ، وفي بعض الفروع ، لا بد للحصول على ما يكفي من الطعام من دفع الرشاوى ، حيث يستشري الفساد في بعض الفروع الأمنية إلى درجة كبيرة .

جدير بالذكر أنه وفقاً للجنة مناهضة التعذيب ، فإن “أوضاع اعتقال معينة تصل إلى حد المعاملة الإنسانية والمهينة وأن بعض أوضاع الاعتقال تصل إلى حد التعذيب” وأشار المقرر الخاص للتعذيب إلى أوضاع الاعتقال بأنها : “قاسية أو لا إنسانية أو مهينة” كما أشار لمرة واحدة بأنها “معذبة” ، وصرح أيضاً بأن الاعتقال المطول بمعزل عن العالم الخارجي في مكان سري قد يصل إلى حد التعذيب كما هو مبين في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب ، وكذلك اعتبر العذاب الذي يقاسيه أقرباء المختفي بأنه يصل إلى حد التعذيب وسوء المعاملة .

وبالتعذيب أزهقت أرواح كثيرة في فروع التحقيق السرية والسجون ، ولا أغالي إذا قلت إن المعتقل كان يجرى قتله دون سبب ولمجرد التسلية .

وقد كرس لكل ذلك القانون رقم (49) الصادر في عام 1980 والذي قضى بتصفية المنتسبين إلى جماعة الإخوان المسلمين وقد ورد فيه حرفياً :

مادة /1/ : يعتبر مجرماً ويعاقب بالإعدام كل منتسب لتنظيم جماعة الإخوان المسلمين :

إن نصوص هذا القانون الذي يخالف نص المادة /30/ من الدستور التي سترد في بحث التشريع لاحقاً قد أطلقت يد أجهزة الأمن ليمارسوا أبشع أنواع التعذيب والتصفيات الجسدية تحت هذا الاسم ، ولقد اعطت التشريعات الموجودة في سورية ومنها حالة الطوارئ التي تظلنا منذ اثنين وأربعين عاماً غطاء شرعياً للجرائم التي طالت عشرات الآلاف من الأسر التي عانت ولا تزال تعاني آثارها من شتى الاتجاهات والتيارات الفكرية من أقصى اليسار على أقصى اليمين ، ومع بدايتها بدأت مرحلة لم نعرفها قبلاً في تاريخ سورية وهي لا تزال تنيخ بكلكلها على الأمة بأسرها .

إلا أن المسألة تغيرت على مستوى العالم فبعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 التي وقعت في نيويورك وواشنطن شنت الولايات المتحدة ومعها دول أخرى حربها على ما يسمى (بالإرهاب) وانحدرت الإنسانية فتجسدت بشاعة التعذيب ثانية في أفغانستان وغوانتانامو وأبو غريب في العراق ، وكنا نظن أن العقل الإنساني قد تغير إزاء الممارسات غير الإنسانية ، وأن ثقافة تحريم التعذيب أضحت ثقافة راسخة الجذور ليس لدى الحكومات ولكن لدى الشعوب أيضاً ومنها القطعات العسكرية ، إلا أن صورة أخرى بشعة انعكست بعد أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر ومارست قطعات الجيش والأمن والتابعة خاصة للولايات المتحدة أبشع أنواع التعذيب المجافية لأي مبدأ إنساني .

لقد مورس التعذيب بشكل يأباه الإنسان السوي خاصة في معتقل غوانتانامو وفي معتقلات أفغانستان والعراق بصورة تجعلنا خجلين إزاء ما يجري من ممارسات لا إنسانية ، وليس عنا ببعيد ما حصل في البوسنة والهرسك بعد تفكك الدولة اليوغوسلافية ، كل هذه الممارسات إنما دلت على شيء فإنما تدل على أن ثقافة تحريم التعذيب لم تترسخ بعد في المجتمعات الغربية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنه قد ظهرت بوادر فضح ممارسات التعذيب حين لجأ بعض الأمريكيين العاملين في قطعات الجيش إلى فضح هذه الانتهاكات وهذا ما يعطينا الأمل بأن هذه الانتهاكات سوف تندحر أو تتراجع في ضوء ثقافة حقوق الإنسان والقانون الدولي وتعاون الأسرة الدولية وشيكاً .

إن الانتكاسة التي ظهرت في أعقاب أحداث الحادي عشر بخصوص انتشار ظاهرة ممارسة التعذيب ينبغي لنا أن نقف منها موقفاً واضحاً وأن يلجأ المجتمع الدولي إلى معالجتها ، ثم أن من المفيد أن نذكر هنا بأن الدول الغربية تصدر إلى العالم الثالث ومنها البلدان العربية آلات التعذيب مما يسهم في مساعدة هذه الدول على ممارستها للتعذيب ضد المعتقلين لديها ولا بد لنا من الوقوف عند هذه الظاهرة بحيث يجري متابعة موضوع منع صادرات آلات التعذيب إلى العالم الثالث وخاصة إلى الأنظمة الاستبدادية حتى يتضافر الجميع لمحاصرة ممارسي التعذيب والتعاون من أجل منع انتهاك حقوق الإنسان بواسطتها .

وإذا كنا نذكر هنا في معرض بحث التعذيب ما يجري في السجون الإسرائيلية من اعتقالات لعشرات الآلاف من الفلسطينيين وتدمير دورهم وقلع أشجارهم وتجريف بساتينهم ، وأخيرا الجدار العازل الذي يشكل سجناً كبيراً لهم ، فإننا إذ نذكر ذلك هنا لعل هذه الفرصة توقظ النائمين وتعطي المجتمع الدولي الفرصة لأن يقيم ميزان العدالة لينعم المجتمع بالأمن والسلامة والسلام .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن قضية احتلال ‎أرمينيا لإقليم ‎قره باغ الأذري

الدكتور طارق شندب محام وأستاذ القانون الدولي ‏أصدر ‎مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات …