أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (57)

إضاءات سياسية (57)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

من التعذيب إلى منع التعذيب (1)

20/10/2009

يبدو أن التعذيب ، الذي رافق الإنسان ، في صراعه ضد أخيه الإنسان ، يبدو كظاهرة مخالفة للزمن وغير منسجمة مع عالمنا المعاصر الذي يرفع شعار الديمقراطية وحقوق الإنسان .

ومع ذلك فالتعذيب ظاهرة مألوفة ، وأحياناً سائدة في المجتمعات وخصوصاً المتخلفة منها ، حيث يحكم الاستبداد وغياب القانون .

ما هو التعذيب :

تنص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التعذيب على أن التعذيب هو (أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد ، جسدياً كان أم عقلياً ، يلحق عمداً بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص ، أو من شخص ثالث ، على معلومات أو على اعتراف ، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه ، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث – أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أياً كان نوعه ، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية . ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجته عرضية لها)

وينطوي هذا التعريف على عدة عناصر يتوجب توافرها في الفعل المرتكب لاعتباره تعذيباً وهي :

1- أن يؤدي التعذيب إلى ألم أو عذاب شديدين جسدياً أو عقلياً .

2- أن يرتكب التعذيب عن قصد .

3- أن يهدف التعذيب إلى الحصول على اعتراف .

4- أن يمارس التعذيب أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية .

بالإضافة إلى ممارسة التعذيب المنطوي على التمييز أياً كان نوعه .

ويتضح من هذا التعريف أن فعل التعذيب لم يعد يقتصر على الأذى الجسدي الذي يلحق بالضحية ، وإنما تعداه ليشمل الأذى العقلي أو النفسي أيضاً .

ومن الممارسات التي تعتبر من أفعال التعذيب :

التخويف : حيث أشار المقرر الخاص المعني بالتعذيب إلى أن الخوف من التعذيب الجسدي قد يشكل بحد ذاته تعذيباً عقلياً ، وذكرت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أن التخويف والإكراه ، كما هو مبين في المادة الأولى من اتفاقية مناهضة التعذيب بما في ذلك التهديدات الجادة وذات المصداقية فضلاً عن التهديد بالقتل بالسلامة الجسدية للضحية أو لشخص ثالث يمكن أن يصل لحد المعاملة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة أو إلى حد التعذيب .

الحرمان الحسي : ويقصد به العزل الكامل عن الآخرين وعن العالم الخارجي ، حيث اعتبرت لجنة مناهضة التعذيب في إحدى القضايا المنظورة أمامها (أن نظام الحرمان الحسي والحظر شبه الكامل للتخاطب .. سببا عذاباً متواصلاً وغير مبرر يصل إلى حد التعذيب) .

من ناحية أخرى لا يجوز اعتبار التعذيب والمعاملة السيئة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة ، إجراءات منفصلة في هذه الصياغة ، بل أن بعض أفعال المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة ، يمكن أن تشكل تعذيباً ، وقد تم التشديد على هذه العلاقة باستخدام كلمة “وغيره” في العدوان الكامل لاتفاقية مناهضة التعذيب (اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة) .

التعذيب عبر التاريخ : إن ممارسة التعذيب ترقى إلى عدة حضارات قديمة . ففي مصر القديمة والصين وبلاد اليونان وروما كان التعذيب القضائي أمراً روتينياً وطبيعياً . فمثلاً في عام 1288 ق.م. كان الملك المصري رمسيس الثاني يعذب السجناء الحثيين ليستكشف مواقع الجيش الحثي الذي كان يهدد إمبراطوريته .

وفي بلاد اليونان القديمة كان العبيد يعذبون لحملهم على إدانة أنفسهم أو على الشهادة ضد أشخاص آخرين . وفي أثينا كان القانون يحظر تعذيب المواطنين الإغريق بينما كان تعذيب العبيد والأجانب يستعمل كثيراً لاستكشاف الحقيقة في المقاضاة . وقال أرسطو أن “التعذيب بمثابة بينة جديرة بالثقة لأنها مرتبطة بنوع من الإكراه” .

وفي روما القديمة كان التحقيق بالتعذيب يسمى السؤال (quaestio) . وعلى خلاف ما يشرعه القانون اليوناني ، كانت الإمبراطورية الرومانية لا تفرق بين المواطن والعبد في جواز التعذيب ، إلا أن القانون الروماني لم يسمح للعبد أن يشهد ضد سيده . ومعروف أن يوليوس قيصر كان يعذب الجيوش المهزومة ، وعذب انتيوكوس إبيفانس عدداً كبيراً من اليهود لحملهم على الخضوع للسلطة الرومانية ، كما كان الأسياد يعذبون العبيد والطبقات الكادحة عذاباً وحشياً لأتفه الأسباب .

ويقص لنا القصص القرآني بعض ما كان في الأمم السابقة من تعذيب عباد الله المؤمنين ، في كلمات عظيمة المعنى ، فيقول تعالى : ) قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ % النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ % إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ % وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ ( [البروج : 4-7] ، فهذا مشهد حي للتعذيب والقتل معاً ، وهما كثيراً ما يجتمعان في حادث واحد إذ غالباً ما يؤدي التعذيب الشديد إلى القتل البطيء حتى يشفي المعذب غليله . ويذكر القرآن الكريم أيضاً ما كان يفعل فرعون ببني إسرائيل وقد نجاهم الله تعالى بفضله ومنه :
) إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ( [إبراهيم : 6]

حرم الإسلام ممارسة التعذيب . فالرسول والخلفاء الراشدون كلهم حظروا إكراه المتهم لحمله على الإقرار وأسسوا مبادئ جديدة لإقامة البينة الجنائية . وعلى نقيض ما ورثته القوانين والممارسات القضائية اليونانية والرومانية ، فإن الشريعة الإسلامية أبطلت صحة إقرار المكره مطلقاً .

وما أن انتهت الخلافة الراشدة وقام الملك الوراثي حتى أخذت ظاهرة التعذيب تتفشى على يد أعوان الحكام المتسلطين . فهذا أحد الصحابة هِشَامِ بْنِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَرْوِي أَنَّهُ مَرَّ بِالشَّامِ عَلَى أُنَاسٍ ، وَقَدْ أُقِيمُوا فِي الشَّمْسِ ، وَصُبَّ عَلَى رُؤُوسِهِمْ الزَّيْتُ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قِيلَ : يُعَذَّبُونَ فِي الْخَرَاجِ . فَقَالَ : أَمَا إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : « إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ فِي الدُّنْيَا » رواه مسلم .

وها هو الإمام الجليل سعيد بن المسيب يتعرض للتعذيب على يد أحد ولاة بني أمية لا لشيء إلا لأنه امتنع عن إعطاء البيعة لولي عهد عبد الملك بن مروان . كيف يبايع وهو يعلم أن ولاية المسلمين أمر ينعقد بالشورى وبرضا الأمة ، وليس بالتوريث وأخذ البيعة بالقوة والإكراه والضرب بالسياط ، إلا أن التعذيب يتنافى مع الآية القرآنية الكريمة ) وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ … ( [الإسراء : 70] .

وأما تاريخ التعذيب عند الصليبيين ، فمنذ سقوط الإمبراطورية الرومانية استعمل الملوك التعذيب للتحكم بالإرهاب في رعاياهم وظفت الكنيسة هذه الممارسة الإكراهية لحمل الناس على اعتناق المسيحية . وبخصوص التعذيب كوسيلة قضائية فقد دام استعماله في “المحاكمات بالتعذيب” حتى القرن الثالث عشر . ووظف التعذيب لاستكشاف الحقيقة في المخاصمات القضائية اعتقاداً أن إلهاً عادلاً وعالماً بكل شيء لا يقبل إدانة البريء وعقوبته ، بل ويتدخل -مباشرة وبمعجزة إذا اقتضى الأمر- لإظهار الحق . فمثلاً جرت محاكمات يوقف خلالها المدعي والمدعى عليه أمام صليب وأيديهم ممدودة ، وأياً منهما استطاع مد يديه لوقت أطول أظهر صدقه وإدانة خصمه . كما كانت هنا محاكمات بالمبارزة حيث تعتبر نتيجة التراشق بالأسلحة حكم قضائي إلهي . وعرف أيضاً هذا العهد ممارسة إخضاع عضو من جسد المدعى عليه للكي بحديد ساخن أو لماء محرق اعتقاداً أن السلامة من الحرق تمثل حماية إلهية وبينة ربانية على أن المتهم بريء . ولم تحظر هذه المحاكمات بالتعذيب قانونياً إلا بعد سنة 1215 م عندما أعلن البابا البريء الثالث في مجلس لاترن أنها تستند إلى اعتقاد خاطئ وتخضع الأبرياء للتعذيب حتماً .

لكن ما كاد تحريم المحاكمات بالتعذيب يدخل في طور التنفيذ حتى بدأت محاكمات التفتيش الكاثوليكية (inquition)  بعدما أجاز البابا البريء الرابع (innocent IV) في سنة 1252 م استعمال التعذيب لحمل المتهمين بالبدعة والهرطقة على الإقرار . وهذا التطور أدى إلى بروز الإقرار كأهم مبدأ لإقامة البينة الجنائية بجانب الشهادة . وتميزت حملات الكنيسة للتفتيش بالتوقيف بالشبهة والتعذيب حتى الإقرار ثم الحكم بالإعدام حرقاً وبالشد إلى خازوق . ونادراً ما كانت تسمح هذه المحاكمات للمدعى عليه أن يقابل المدعي . أما بخصوص وسائل التعذيب فإنها ازدادت قسوة مع الوقت (الجلد ، والحرمان من الأكل والنوم ، والاستبراد والخنق بالماء ، والمخلعة ، وبتر أثداء النساء والعرض لعضات الجرذان .. الخ) . وإلى هذا ، فقد انتشرت حملات محاكمات التفتيش في أرجاء أوروبا الوسطى والجنوبية . كما اتسع استهدافها ليشمل ليس المتهمين بالبدعة والهرطقة فحسب كما بل عدداً ضخماً ومتزايداً من المشتبه فيهم بالسحر ثم اليهود والمسلمين في محاكم التفتيش الأسبانية بعد سقوط غرناطة في 1492 م . وفي النهاية أدى هذا المدرج القمعي إلى تطور التعذيب من سلاح في الحرب الدينية إلى سلاح في الحرب الطبقية والسياسية . وهكذا قنن التفتيش الأسباني الاستنطاق بالتعذيب ، كما أصدرت أوروبا في القرن السادس عشر والسابع عشر أكبر مجموعة شرائع لمأساة التعذيب عرفها العالم .

أما القرن الثامن عشر فشهد بداية معارضة أوروبا للتعذيب كوسيلة بوليسية وقضائية لحمل المتهم على الإقرار ، وهذا بعدما انتشرت أفكار المحامي الإيطالي قيصر بكاريا (Beccaria) الذي ناقش -في كتاب نافذ ترجم إلى 22 لغة آنذاك- الأطروحة التي تقول أن التعذيب غير ضروري لإقامة البينة الجنائية وأنه يعاقب الأبرياء جوراً ، كما اخترع فكرة إصلاح المساجين المدانين وناقش أفضلية إصلاحهم من عقابهم . ففي بداية القرن التاسع عشر أصبح التعذيب محظوراً في معظم أوروبا ، في ألمانيا سنة 1740م ، في إيطاليا سنة 1786 م ، في فرنسا سنة 1789م  وفي روسيا سنة 1801م . ولم تحظر الكنيسة الكاثوليكية التعذيب إلا في سنة 1816م .

وللأسف فإن حظر التعذيب قانونياً في أوروبا لم يمنع القوى الاستعمارية الأوروبية من ممارسته في قارات أفريقيا وآسيا وأمريكا في القرنين التاسع عشر والعشرين . وإن ممارسات التعذيب الأسبانية في أمريكا ، والفرنسية في أفريقيا ، والبريطانية في آسيا معلومة لدى الجميع .

وفي القرن العشرين : عاشت أوروبا انبعاثاً جديداً وعلى نطاق واسع لظاهرة التعذيب الذي مارسته الجيوش والمخابرات في الحرب العالمية الأولى والثانية ، وكذا الأنظمة الفاشية والنازية والشيوعية . وعلى خلاف ما أظهرته محاكمات التفتيش في القرون الوسطى من تركيز على التعذيب الجسدي لفرض العقيدة الدينية ، أظهرت حملات القمع الفاشية والنازية والشيوعية الحديثة اعتماداً أكبر على التعذيب النفسي لفرض الإيديولوجية . وأدت هذه الأحداث والتقدم العلمي في أوروبا إلى تطورات مهمة في دراسة التعذيب وكيفيات إتقانه وتجهيزه وإدارته وتدريسه وكذا إخفاءه ، وهذا كله ساهم في انتشاره عبر العالم .

واليوم : أصبحت ممارسة التعذيب ظاهرة مستوطنة في العديد من الدول في أفريقيا وآسيا وأمريكا الوسطى والجنوبية . ففي سنة 2001 م ورغم تصديق 123 دولة عضو في الأمم المتحدة (من مجموع 192 دولة) على اتفاقية مناهضة التعذيب ، فإن المجلس العالمي لرد اعتبار وحقوق ضحايا التعذيب أحصى أكثر من 100 دولة تمارس التعذيب بانتظام ، ومنها دول صدقت علناً الاتفاقية . وهذا الاكتشاف الإحصائي يتطابق مع نتائج منظمة العفو الدولية التي أحصت في 1996 وجود 82 دولة تعذب معارضيها السياسيين من مجموع 150 دولة أجري فيها التعداد .

إن عدداً كبيراً من هذه البلدان عانت كثيراً من التعذيب في عهد الاستعمار الأوروبي وكانت شعوبها تأمل في استئصال هذه الممارسة الوحشية بعد الاستقلال ، ولكن سرعان ما خيبت الآمال واحتازت النخب الحاكمة على هذه الممارسة القمعية وكيفتها لاضطهاد منتقديها ، وهذا أحيانا بالتعاون مع أمريكا وبعض الدول الأوروبية وروسيا وإسرائيل التي لا زالت أجهزتها المخابراتية تدير مدارساً سرية لتدريب زبائنها من العالم الثالث على أحدث تقنيات التعذيب .

التعذيب في العصر الحديث : دخلت الدول الأوروبية في حروب طاحنة أدت إلى قتل ملايين البشر ، وما إن انتهت الحروب حتى بدأ صوت الحوار يعلو على صوت المواقع وتوجهت الدول الأوروبية إلى إقامة اتحاد بينها ، وقلنا أن هذه خطوة جيدة باتجاه انتهاء النـزاعات المسلحة والاستعاضة عنها بالحوار وتصورنا أن عالماً يسوده العدل والتفاهم سوف يعم البشرية ويؤمن لها غطاءً شرعياً من الأمن والسلام والاستقرار وسوف يتم التأسيس لإنهاء الظلم والقهر والاستبداد وأن تعذيب الإنسان وامتهانه والحط من كرامته سوف يندحر إلى الأبد .

وتوج كل ذلك باتفاقية مناهضة التعذيب التي اعتمدت من قبل منظمة الأمم المتحدة ، بموجب قرارها رقم (39/46) المؤرخ في 10/12/1984 والتي سيجري تطبيقها في عام 1987 . وتنفس المضطهدون الصعداء وتأملوا أن يرفع عنهم الظلم والجور ، وبرغم أن الصورة كانت قائمة في العالم الثالث ومنها سورية ، إلا أننا اعتقدنا أن ثم تغييراً مسيطراً على مسألة احترام الإنسان وحقوقه ورفع التعذيب الذي يمارس ضده على كافة المستويات وبكل الوسائل الحديثة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قرارات مجلس الأمن الدولي بشأن قضية احتلال ‎أرمينيا لإقليم ‎قره باغ الأذري

الدكتور طارق شندب محام وأستاذ القانون الدولي ‏أصدر ‎مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات …