أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / أبو القاسم عباس بن فرناس – الطيار العربي الأول في العالم

أبو القاسم عباس بن فرناس – الطيار العربي الأول في العالم

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

لم يكن وجود العرب في شبه جزيرة إيـبريا محددا بعام 92 للهجرة عام الفتح على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير ، وإنما يعود إلى القرن السابع قبل الميلاد حين نزلها العرب الفينيقيون وهم في طريقهم إلى اكتشاف القارة الأمريكية ذلك الاكتشاف الذي تناساه المؤرخون وصمتوا عليه ويشهد له اكتشاف قرية (( كنعان )) في أمريكا في العصر الحديث وما فيها من أدوات فينيقية .

ومن الثابت تاريخيا أن الفينيقين هم الذين أطلقوا اسم ((إسبانيا )) على هذه الجزيرة أي شاطئ الأرانب I-schephan-im حين صادفوا كثيرا من الأرانب على شواطئها ، وهو الاسم الذي تبناه الرومان فيما بعد : Hespania
ومن المؤكد أيضا أن الفينيقين قد أسسوا فيها عدة مدن أشهرها (( برشلونه )) ومدينة قادس ، ما بين القرنين السابع والحادي عشر قبل الميلاد .
والحضارة هي التكوين الثقافي والفكري للشعوب تنهض بجذورها العميقة الحية المغذية لتطلعات أبنائها في إحيائها وتجديدها ، وهكذا كان شأن المسلمين في الأندلس حين أحيوا تراث الأجداد وتقدموا به ، وقدموا للعالم نخبة من العلماء ساهموا في بناء الحضارة الإنسانية بشكلها المتكامل ، ومن هؤلاء العالم العربي عباس بن فرناس .
ويشيع خطأ لدى الناس أن هذا العالم من العوام البسطاء المغامرين جنح به خيال منفلت حين حاول أن يقلد الطيور فكسا جسده بالريش ونسي الذيل فلقي حتفه في مغامرة غير محسوبة .
لكن واقع الدراسات التاريخية يثبت أن عباس بن فرناس عالم ، ومفكر متقد الذهن عاش في أوائل القرن الثالث الهجري حيث الدولة الأموية التي أسسها القائد البطل عبد الرحمن الداخل رحمه الله .
وقد عرف عباس منذ نعومة أظفاره تلميذا مجدا نابها يختلف إلى مساجد قرطبة ينهل من علومها وثقافتها وفلسفتها الإسلامية حتى إذا تشبع ذهنه وأُشبعت روحه ونفسه ظهر عالما مبدعا فكان أول من اخترع طريقة لاستنباط صنع الزجاج من الحجارة ، ولم تطب نفسه باختراع الساعة المائية السائدة في عصره ، فقام باختراع آلة ((المنقالة )) وكان اهتمامه بالفلك ودراسة الأنواء أن صنع قبة فلكية تمثل حالات السماء إذ يرى فيها الناظر النجوم والغيوم والبروق والرعد، بل ليخيّل لهذا الناظر أن السماء تمطر في مكان وتشرق في آخر وتظلم في ثالث ؟!!
وربما قاده هذا الاهتمام إلى ابتداع آله يطير بها ، وحقا فعل ، وفي يوم التجربة وقف الناس ذاهلين لا يصدقون ما يقوم به ، وقد حشد المثـبّطون كل ما لديهم من تخلف عقلي لتكذيبه ، لكن عباسا طار في الهواء وقام باستعراض جميل وقدم ألعابا جذابة لكنه حين حاول الهبوط لم يوفق به بشكل دقيق فأصيب برضوض في جسده أثرت في نفسه وصحته ، فقد ظل يعاني من عدة كسور أصيب بها ، وكان أشد منها همزات ولمزات العوام وأشباه العوام في رميه بالأباطيل …
فعباس لم يمت في تجربته ، وإنما ماتت همته في متابعة تجاربه ، أولنقل ماتت تجربته ، فانصرف إلى الاهتمام بالموسيقا يروّح عن نفسه ما تعانيه وقد أبدع في ذلك ، فكان أول من فك كتاب ((بطليموس )) في الموسيقا والألحان ، وأول من فك كتاب العروض للخليل بن أحمد الفراهيدي المتوفى سنة 176للهجرة وإليه يعزى اختراع الموشحات .
وكان قدوم زرياب من بغداد بعد خلافه مع أستاذه اسحق الموصلي دافعا لعباس لرفقته وإهدائه أشعاره وألحانه حتى توفي سنة 245 للهجرة ، بعد أن حاز لقب حكيم الأندلس ، وقد مهد عباس الطريق في علم الطيران لليونارد دافنتشي الإيطالي في أواخر القرن الخامس عشر ولهنس في عام 1842م ولستر نجفيلو سنة 1848م حتى إذا أسس ولهام الجمعية الملوكية للطيران في انكلترا انفتح الطريق على ما فيه لإنجاز هذا الحلم فكانت تجربة المهندس الكهربائي آدر الفرنسي أول نجاح حقيقي ثم أعقبه للبنثال الألماني ولا نجلي الأمريكي والأخوان رايت اللذان سجلا أول طيران يعتدّ به في 17 ديسمبر 1903م وفي يوم 17 ديسمبر من العام نفسه نجح الأخوان ويليور وأورفيل من الطيران بطائرة أثقل من الهواء في سماء ولاية نورث كارولينا الأمريكية .
ورغم ذلك فقد كذبهما العوام ، وصمتت عنهما الجرائد الأمريكية ، وقد استمر ذلك لأربع سنوات حتى نالا اعتراف الحكومة والناس رغم أنهما طار لمسافة 25 ميلا في بداية التجربة …
ويبقى الفضل للطيار العربي الأول عباس بن فرناس ، ولسوء حظه أنه لم يتابع تجاربه ، وحسبه أنه حاول وحقق أول نجاح في حلم الإنسان بالطيران .
ورحم الله مصطفى صادق الرافعي وهو يصف آثار العرب في الأندلس بقوله : (( هنا مشرع القلم ومصرعه والمورد الذي يرويه ماؤه تظمئه أدمغه ، فلو كان القلم سحابا لا حترق من أسى البكاء بما فيه البرق ، ولو كانت الصحيفة صحيفة الشمس وهي تندب مجد المغرب لأظلم بها الشرق . أيام أدب مرت كنور النهار أصبح به حينا وبات ، بل كانت خفقات قلب الزمان عاش بها دهرا ومات ؛ فنضر الله سعدا لا عيب له إلا أنه من الزمن وآخر الزمن شقي ، ورحمة الله عهدا لا نقص فيه إلا قول المؤرخ بعده : لو بقي !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إسقاط أداة الحكم في هرم سلطة النظام العالمي

محمد سلطان الرشيد ناشط سياسي بداية لابد أن أوضح ماذا أقصد بالنظام العالمي …