أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عجوز منبج

عجوز منبج

يونس العيسى

إعلامي وكاتب
عرض مقالات الكاتب

في السابع عشر من تموز عام ٢٠١٢ تحررت مدينة منبج من براثن نظام الأسد تمر ذكرى التحرير كل عام، ولكن للأسف تأتي هذه الذكرى، ومنبج في ظل احتلال جديد، ومنذ أوائل عام ٢٠١٤ تعاقب على المدينة احتلالين، أولهما تنظيم داعش، وخلفه الثاني تنظيم قسد الذي مازال يحتل المدينة مبشرًا بديمقراطية زائفة راح ضحيتها المئات من أهل المدينة.

نافلة القول أن إحياء ذكرى تحرير مدينة منبج ليس مقصود به إقامة مظاهرة، ومهرجانات المعبرة عن فرحة ثوارها بالمهجر، وابتهاجهم بذلك التحرير، وما حققته إدارتها المدنية من إنجازات إدارية، وتنظيمية، وخدمية على الصعيد الداخلي لمنطقتهم إنما المقصد الأهم هو انتهاز ذكرى تحرير منبج؛ لإعادة قراءة تاريخ ثورة أبنائها، و مآلاتها، ومدى تمسكهم بمبادئها وقيمها، ومستوى الانحراف عن نهج، ومسار تلك الثورة، وبالتالي العمل على تلافي ذلك الانحراف وإعادة توجيه بوصلة السير لتحرير المدينة الذي أرادته الثورة، ورسمه أبطالها ومن أوقدوا شعلتها من الرجال الصادقين، و المخلصين.

ومن هذا المنطلق لابد من  إنهاء احتلال ميليشيات قسد التي جثمت على أرض منبج عملت خلاله على استغلال البلد، ونهب ثرواته، ومقدراته، والاستبداد بأبنائه، وتقييد حرياتهم، حرمانهم من معظم الحقوق الشرعية الواجبة لهم، وباستثناءات قليلة تتطلبها حاجة تنفيذ أهدافه، ومصالحه الانفصالية فقط.

حيث تنوح حمامة أبي فراس بـمنبج جزعاً بينما يطرب غراب المحتلين، حمامة أبي فراس هاربة لاجئة من محل إلى آخر، يطاردها نظام الأسد، ويحتل شجرتها، وسرقت ورقها، وثمرها ميليشيات قسد.

 أبو فراس الحمداني ابن عم سيف الدولة بشحمه، ولحمه، الذي قرأنا عنه أنه فارس همام لا يشق له غبار، ولا يسكت على ضيم، وهو الذي كان يخاطبها:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة   أيا جارتا هل تشعرين بحالي

.

هذه الحمامة كانت رسول بينه، وبين أهله تنقل شكواه لابن عمه الذي لم يستجيب له ويفك أسره، حمامة أبي فراس منذ أمد بعيد تستمع لتصريحات التحرير من إذاعات، ومحطات الإعلام، لكنه تحرير لا يطير منتوف الريش يدور حول الوتد، مساحة طيرانه ضيقة الحركة على الأرض، ويكاد يستسلم لقانون لعبة نتف الريش حتى لا تطير، وتتخلص من قيد الاحتلال، وتربط بوتد السياسة حتى تستمر بالدوران حول نفسها، ويزداد هديلها كلما سمعت تصريحًا يرد فيه اسمها.

للأسف المتصدر لمشهد منبج فتح لمن طارد حمامة أبي فراس ممر، ومعبر يبقيه على قيد الحياة، ولم يتمكن من إحراز هدف واحد، أو حتى من مقاربة مرمى المحتل.

فهل يا ترى ستبقى الحمامة حيًّة هذه المرة..؟ أم هي دمية تجذب أنظارهم نحو مباراة قد تقررت نتائجها مسبقًا؟!

في المدرسة كنا نسمع معلم اللغة العربية يقول لنا: “لو” حرف امتناع لامتناع، و”لو” هي بنت الرجاء، والتمني نداري بها عجزنا، وخوفنا مقابل العدو الذي يحتل أرضنا، ودارى ذلك الخوف الشاعر أبو فراس الحمداني بقوله: “لولا العجوز بمنبج ما خفت أسباب المنية” متذرعًا بوالدته التي تسكن منبج، ويخشى أن تدركها المنية، وإلا لأقدم على المغامرة بنفسه ضد أعدائه، بحيلة لاشعورية يرضي بها نفسه الحريصة على مصالحها، ويناقض قوله :

ونحن أناس لا توسط بيننا  لنا الصدر دون العالمين أو القبر

البعض من أهل منبج في تعاطيهم مع مجريات ما يحدث في بلدهم هو البكاء بحرقة، وألم على احتلال بلدهم، وما تفعله قسد بأهل البلد من تجنيد إجباري، واعتقالات، وتفجيرات، وعمليات الاختطاف، والجريمة المنظمة، ومقابل البعض المغلوب على أمره نجد أن من يبحث عن الصدارة، والمكاسب  لا يبكي بل يتباكى ! والفرق بين البكاء، والتباكي كالفرق بين النائحة، والثكلى.

ويذكرعلماء اللغة أن: “بَكَى: (فعل)، بكَى علي بُكاءً وبُكىً، فهو باكٍ، والمفعول مَبْكيّ -للمتعدِّي، وبَكَى صاحِبَهُ بُكاءً: حَزِنَ، تأَلَّمَ.

وتباكى: (فعل). تباكى الشَّخصُ: تكلّف البُكاءَ، وتظاهَر به، وكانوا يتباكون على الفقيد أمام الناس”.

وجميع أهل منبج يعلمون من الثائر، ومن المتثور، ومن التاجر، ومن المتاجر، ومن الجلاد ومن الضحية، ومن السارق، ومن العفيف، ومن المجرم، ومن البريء، ومنْ ساهم في تدمير منبج وتخريبها، ومن هو الثائر النقي الجريح؟! 

 كل هذه الاسئلة التي مُلِئت بها قلوب أهل منبج الشرفاء، وأرواحهم، الذين ضُيعوا، وهُجروا في داخل البلاد، وخارجها على يد الأعداء وأبناء جلدتهم.

التباكي على منبج، والتباكي على الوطن، وسيادته، ووحدته، وثورته، ونحو ذلك من المصطلحات .. هو أكثر أنواع التباكي ، الذي يمارس هذه الأيام ؛ لاسيما في مجال تحصيل المكاسب، والتجارة والسلطة.

 وأكثر المتباكين، هم الذين يتاجرون بقضية منبج ، ويتظاهرون بحبها والحرص عليها، وعلى مؤسساتها .. والعطف على أهلها ، و…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التحالف الاستراتيجي بين النظام السوري وإسرائيل.

ليس صحيحاً أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول من وقع معاهدة سلام مع إسرائيل.. …