أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / لا للتنظير نعم للمشروع الوطني

لا للتنظير نعم للمشروع الوطني

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

نضجر من التنظير لاشك في هذا، ونحن أشد الناس حاجة إليه … مفارقة تفرض نفسها علينا جميعا إذا أحاطت بالحقيقة … لكن ما تلك الحقيقة ؟!
وخير إجابة أن تكون باستكهان ما ضجرنا منه، فمعظم التنظيرات جاءت من أناس تستبد بهم غواية الكلام ، فلايقدمون حلولا، ولا يسكتون، فيريحون غيرهم، ومن آخرين يعجبهم اصطياد أخطاء الآخرين فقط في سلبية فجة لاتقدر إشكالية العطاء وتعقيداته، وفريق ثالث افترض في مجتمعنا شبه الكمال بصورة من صور التزلف الواهية، وصورة من صور الاستكان الانتهازي النفعي، ورابع لم يفْصل بين الشجاعة والبطولة ، وفقدان الوعي الثوري فاكتفى بالشكلية السوالفية الشعبية عن الخوارق ، وآخرون رصدوا معظم الظواهر السلبية التي رافقت الثورة لتسع سنوات خلون واكتفوا بها لأمر ما …وسادس اكتفى بكشف المؤامرة الدولية وأسباب وقوف العالم ضد الثورة السورية …
تعالوا نتفق قبل أي حديث عن تلك الحقيقة التي نهرب منها لأمر ما ! أن الستة أشهر الأولى كانت من أجمل ما شهدته ثورتنا العظيمة، وأنها فاقت في كل فعالياتها الجماهيرية أعظم الثورات العالمية؛ فكانت بحق ثورة الثورات، وحينها بدأت شعوب العالم في كل مكان تتغنى بالثورة السورية وتصف الشعب السوري ( بالعظيم ، والشجاع ، والباسل ، والمغوار ، والعنيد والأبي ، والذكي ، والحضاري ، والمثقف ) وبعد الستة الأولى جاءت ستة أخرى دموية إجرامية كشف فيها النظام عن إجرام غير مسبوق في العالم كله ، وإن كنا – نحن السوريين – قد أصابنا منه في الثمانينات، وخاصة في مذبحة حماة ما أصابنا وأدمى عيوننا … فكان لابد من التصدي لبطش النظام الذي كشر عن أنياب حقده، وقد تركه العالم يفعل مايشاء في خطة خبيثة تكشفت أسرارها مع تتابع أحداث الأيام على طريقة اختراق الثورة الأفغانية من قبل أمريكا في إخراجها من الخنادق إلى الفنادق يوم نزعتهم الشروال وألبستهم البنطال وصفقت لهم بالدولار فأفسدتهم وشتت شملهم ورأيهم وصنعت منهم صنائع وعملاء ، فبدأت مرحلة عسكرة الثورة ، وهو ما صفق له النظام وأسياده ، بل كانوا ينتظرونه … لقد انتهى ربيع الثورة، وجاء خريفها الدموي وشتاؤها القهري، وعلى الشعب أن يواجه الطائرة والدبابة وجيشا نظاميا متمرسا بالجريمة حد عشقها المتجذر في نفسيته كجيش طائفي قذر ، بصدور الإيمان وأبسط الأسلحة المتاحة ، ليقابل بها جيشا متوحشا جاءت تؤازره -على مراحل وبدعم عالمي – جيوش ثلاث دول، وقطعان هائجة بحقدها وغبائها من المرتزقة الطائفيين المتخلفين الحاقدين ، فبدأت مراحل انهيار الثورة التي كانت على أبواب القصر الجمهوري، ولم تسعفها تجربتها الوليدة ، فضلا عن خيانة بعض فصائلها المسلحة، في اقتحامه ، وخطوط تماسها في بعض المناطق مع العدو وصلت إلى 1 كم ، فإذا هي تُحمَّل بالباصات الخضر ، وتُجمَّع في إدلب ، ويستفرد بها منطقة تلو الأخرى ، وكأننا أمام مشهد تاريخي أندلسي لأمراء الطوائف، فمن لم يتآمر على الثاني شمت به ، وإن لم يشمت لم يحرك ساكنا لتخفيف الضغط عليه في مواقف مخزية أبكت الشعب السوري حتى تبين أن أمراء هذه الفصائل معينون من قبل النظام نفسه، أو ممن ينسق معه … ولايوجد تفسير علمي واحد يسوغ تشكيل جيوش متواضعة الخبرة لتواجه جيوشا محترفة وهي تعرف أن تشكيل جيش وطني يأتي في مرحلة متأخرة ، وأن كل الثورات بدأت بحرب العصابات حيث الكر والفر كما هي النظرية التي اشتهر بها ثوار أمريكا اللاتينية ( الدائرة ، والكلب ، والبقة ) إلا إذا افترضنا الجهل ولم نقل إنه ضمن مخطط الدول التي ورطت أو وجهت نحو هذا الأسلوب من أجل تدمير المدن وحرق القرى وتشريد الشعب السوري على النموذج الصهيوني في تشريد الشعب الفلسطيني …وإلصاق تهم الإرهاب بالثورة الفتية … وبدأت مرحلة الصدمات النفسية التي أفقدت الشعب الثقة بالجميع وبالتوازي مع سلسلة من الإخفاقات السياسية التي وقع بها الائتلاف وفضائح السرقات المالية المخزية ، ومؤتمرات الاعتراف بالاحتلال الروسي البغيض ، وظهور نوع من الغباء لايمكن وصفه ، وتفسيره بحسن الظن …
لكن ما الأسباب الحقيقية لهذا الإخفاق ؟
من يسبر أعماق المجتمع السوري سيجد أنه مجتمع عروبي إسلامي أخلاقي يحترم القيم العليا ويتمثلها ، ورغم مجيء الحكم الطائفي عام 1970م فإن المجتمع السوري بقي محافظا على تماسكه حتى عام 1980م وتلك عشر سنوات شهدت محاولتين انقلابيتين 1972م و1976م ، وانتفاضات مسلحة بدأها حكمت طرعيل رحمه الله بحلب ، وجماعة الشيخ المغدور مروان حديد في أكثر من محافظة … من هنا تعد سنة 1980م سنة التخريب القيمي واستهداف المنظومة الأخلاقية للمجتمع السوري، ونشر الرشوى البغيضة سوسة خراب المجتمعات، وتشجيع التهتك الخلقي، وانتشار التقرير السري وتجنيد عملاء لأجهزة النظام، ونشر الفساد الممنهج من خلال المنظمات الشعبية التابعة للحزب النصيري ، وذبح العلماء وتشريدهم ، وضرب الدين الإسلامي في كل محطات المجتمع والدولة ، وتصنيع شيوخ فاسدين يطبلون للنظام ويساهمون في إبعاد الناس عن الإسلام ، وعزز النظام إجراءاته بحصار اقتصادي خانق حرم فيه المواطن من أبسط المواد الغذائية حتى صار ربع كيلو زيت الطبخ حلما بنفسجيا لهذا المواطن، فشاع الفقر، وعمت البطالة وراجت المخدرات، ونشأت طبقة من أبناء الشوارع المجرمين اللصوص فتلقفتهم أجهزة الأمن، فأصبحوا يعرفون اليوم باسم شبيحة النظام … هذا الانهيار القيمي رافقه انهيار علمي وثقافي واجتماعي من خلال تدمير الطبقة الوسطى وإذلالها ، ومحاولة فرض ثقافة شعوبية مريضة أراد لها النظام أن تكون بديلا للثقافة الإسلامية من خلال تقاربه مع النظام الفارسي الخميني المزدكي وتسهيل فتح مراكز دينية وثقافية له لنشر التشيع الصفوي القذر … وحتى لانغرق بتفاصيل العقود وما لها، وما عليها إذ يكاد معظمنا عاشها وعرفها وحسبي أن أترك هذا لبصيرتكم وذكائكم ، فالمراد الآن هو أن نقول : حين انفجرت الثورة كانت قيم الشعب السوري قبل مجيء النصيرية هي السائدة، فقدمت أجمل صورة لأجمل ثورة ، فالوعي الثوري الأصيل أنتج فعلا ثوريا أصيلا ، وهنا انكفأ الفاسدون، وبعضهم ارتد إلى أصالة المجتمع السوري في توبة نصوحة، وهم على قلتهم سجلوا مشيرا إيجابيا في تفكك المشروع السلطوي الصفوي الفاسد ، مما يدل على أن الثورة كانت ثورة قيم سامية ، ورفضا صريحا لإفساد المجتمع الذي مارسه النظام النصيري المنحل خلقيا … لكنْ حين لعب العالم لعبته ودخل إلى غرفة عمليات الثورة حاملا أكياس المال لنفوس تفتقد لأدنى درجات التحصن من الانزلاق، وبيع النفس رخيصةً في ظل مذابح رهيبة ، بدأت الثورة تتراجع خاصة بعد أن فقدت خيرة شبابها في مجازر وحشية، فخرج لها أبناء الشوارع من مفترق هذه الطرق، وهم ممن تربوا وتشبعوا بقيم النصيرية ممن أصبحوا رسميا شبيحته ، وتوزعوا المواقع، وتقاسموا المهام حسب توجيهات النظام … ولن أتحدث عن مخطط إلصاق تهمة الإرهاب بالثورة، فهذا حديث طويل وذو شجون … لكن في عجالة :
ما الحل ؟
1- ينبغي أن يتنادى المفكرون المثقفون والمصلحون وذوو الشأن ممن لهم تأثير في المجتمع لعقد مؤتمر وطني للمراجعة والمكاشفة والتقويم .
2- وضع برنامج إصلاحي شامل لإعادة بناء قيم المجتمع السوري .
3- انتخاب ممثلين للشعب السوري كمجلس ثوري نيابي ، وانتخاب قيادة من هؤلاء الممثلين كمكتب سياسي للثورة .
4- الاتفاق على مشروع وطني يرضي جميع مكونات الشعب السوري .
5- إعادة تأهيل كافة النشاطات والفاعليات الإعلامية والشعبية للمعارضة السورية وتوحيدها .. ونشر ثقافة المحبة والإخلاص والعدالة والمساواة وحقوق الوطن والمواطنة … وإعادة ترميم النفسية الجمعية وبث روح الأمل فيها بعد أن خذلها الائتلاف وقدم لها صورة قاتمة وبشعة للمعارضة …
5- العودة إلى المعارضة السلمية قدر المستطاع في هدف ليس بالسهل ، واغتنام وجود المرحلين في أوروبا وأمريكا وغيرهما؛ لتثوير ومؤازرة أخوانهم في الداخل بمظاهرات منظمة وفعالة حيث كان وجودهم… مع الحرص على استعمال اللغة المناسبة، والأسلوب الحضاري الراقي في الوسائل والأساليب التعبيرية والصورية التوضيحة لإطلاع العالم على حقيقة معاناة الشعب السوري ، وحقيقة النظام المتوحش .
6- الاستماع إلى كل الآراء البناءة لتطوير المشروع الوطني في مقاومة النظام، وتنظيم الوجود السوري في كل مكان ومعايشة مشاكله وتوفير الحلول المناسبة التي من شأنها أن تخفف من معاناتهم … وينبغي أن يكون هناك تواصل دائم بين الشعب وممثليه ، وألا يدوم التمثيل أكثر من سنتين بانتخابات حرة ونزيهة وقائمة على وعي وإدراك عال للمسؤولية الوطنية التاريخية …
من المؤكد أن النظام لن يحتمل عودة الشعب إلى المظاهرات السلمية، ولم يعد بإمكان أسياده اللعب على تشويه الثورة لحمايته، ولن يتمكنوا من حجب المظاهرات في أوروبا وغيرها ، مما يعيد الاهتمام بالثورة من جديد ، ويمنح جيش الثورة الموحد فرصة تنظيم صفوفه لمواجهة المستعمر المتعدد الجنسيات إلى جانب اعتماد أسلوب العمل الفدائي لضرب العدو في العمق وإرباكه وبث الرعب في صفوفه ، وإعادة الثقة للمواطن ، وحتما ستزداد شراسته لكن الفضيحة ستلاحقه حتى في بلدانه والتي بدأت تتململ من وجوده وأكاذيبه في تسويغ هذا الوجود وفي مقدمتهم المستعمر الروسي البشع …
اللهم إني بلغت …اللهم فاشهد ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …