أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / “قاتل القُدس”: إدانة صهيونيَّة للتَّشدُّد “الإسلامي” وإشادة بالمطبّعين – 1 من 6

“قاتل القُدس”: إدانة صهيونيَّة للتَّشدُّد “الإسلامي” وإشادة بالمطبّعين – 1 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

يقدّم جويل روزنبرغ، المستشار الإعلامي والمحلّل الاستراتيجي والكاتب الرُّوائي النَّاشط في مجال التَّبشير بعقيدة الصُّهيونيَّة المسيحيَّة، في روايته الجديدة The Jerusalem Assassin-قاتل القُدس (2020م)، تصوُّرًا ممكنًا في رأيه لإحلال السَّلام في منطقة الشَّرق الأوسط وإنهاء الصّراع العربي-الإسرائيلي. تدور الأحداث حول اتّفاقيَّة للسَّلام يقترحها الرَّئيس الأمريكي وتلقى تأييدًا من الزَّعماء العرب، وبخاصَّة حُكَّام دول الخليج. المفارقة العجيبة هي أنَّ مستشاري الرَّئيس الأمريكي في الرُّواية، والمشاركين في إعداد خطَّة السَّلام، يتعرَّضون لحملة منظَّمة من الاغتيال داخل الولايات المتَّحدة وخارجها، على يد جماعة إرهابيَّة لم يُعلم بها من قبل. يدفع ذلك الرَّئيس الأمريكي في الأحداث إلى إعادة النَّظر في إمكانيَّة الكشف عن تفاصيل خطَّته من جبل الهيكل، بجوار المسجد الأقصى والحائط الغربي، خلال مؤتمر للسَّلام يشارك فيه العاهل السَّعودي، إلى جانب الرَّئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي، لكنَّه يؤثر القرار الشُّجاع ولا يرضخ لتهديد الإرهاب، لتُعقد قمَّة تاريخيَّة تشهد تطبيع العلاقات بين السَّعوديَّة وإسرائيل.

The Jerusalem Assassin-قاتل القُدس

أوضح روزنبرغ خلال مقابلة له مع شبكة CBN News، أو شبكة البث المسيحيَّة، أُجريت معه في مارس 2020، من داخل مدينة القُدس وعلى مرمى البصر من المسجد الأقصى، أنَّ تلك البقعة، ويقصد جبل الهيكل، هو أكثر بقعة مرغوبة على وجه الأرض ويتقاتل النَّاس من أجلها، وتستدعي الأوضاع الملتهبة في هذه الآونة الوصول إلى اتّفاقيَّة للسَّلام تُنهي النّزاع حول الأحقيَّة في تلك البقعة. يذكّر المبشّر الأمريكي، يهودي الأصل، بأنَّ بلاده نجحت في التوسُّط بين إسرائيل ومصر، وانتهى الأمر بإبرام معاهدة كامب ديفيد عام 1978م، وهي معاهدة ناجحة في اعتباره، برغم بعض الخروقات، وينطبق الأمر ذاته على اتّفاقيَّة وادي عربة، المبرمة بين إسرائيل والأردن عام 1994م. ويعني ذلك أنَّ السَّلام بين إسرائيل وجيرانها العرب ليس مستبعدًا بالكامل، ولكن لم تُقدِم دولة عربيَّة أخرى على إبرام اتّفاقيَّة للسَّلام مع إسرائيل منذ عام 1994م.

روزنبرغ ومحاور شبكة CBN

 وبسؤاله عن تنبُّؤ روايته الجديدة، الَّتي شرع في كتابتها قبل أكثر من عام من إصدارها، بالكشف عن صفقة ترامب للسَّلام في 28 يناير 2020م، علَّق روزنبرغ بأنَّ تشابُه أحداث الرُّواية، من حيث الكشف عن خطَّة السَّلام قبيل الانتخابات الإسرائيليَّة وفي خضم حملة الانتخابات الأمريكيَّة، لم يكن مقصودًا. أمَّا عن أهمّ رسائل روايته، قال روزنبرغ “نحن نريد السَّلام”، معقّبًا بقوله إنَّ نبوءات الكتاب المقدَّس تخبر عن “سلام زائف” سيحلُّ مع ظهور ضدّ المسيح (Anti-Christ)، ولكن هذا لا يمنع عن السَّعي وراء السَّلام، فذلك ممَّا يوصي به يسوع المسيح، حتَّى وإن لم يكن الفلسطينيون يريدون السَّلام مع إسرائيل، على حدّ قوله. يشعر روزنبرغ بشيء من التَّفاؤل بسبب ميل بعض الزَّعماء في منطقة الخليج إلى الاعتقاد بأنَّ الوقت هو الوقت المناسب لإبرام اتّفاقيَّة للسَّلام؛ وهذا ما دفعه إلى نقْل القارئ إلى أروقة الحُكم في عدد من الدُّول العربيَّة، على رأسها السَّعوديَّة، حيث تُجرى مباحثات السَّلام، في الوقت الَّذي يعمل “الأشرار جميعًا”، ويقصد بها إيران وتركيا وقطر وبعض الحركات الإسلاميَّة، منها حماس وجماعة الإخوان المسلمين، على إحباط مساعي السَّلام.

أوضح جويل روزنبرغ في حوار آخر له مع شبكة CBN News في مارس 2020م عن الرُّواية ذاتها، أنَّه شرع في كتابتها فور مقابلته لولي العهد السَّعودي، الأمير محمَّد بن سلمان، في 1 نوفمبر 2018م، بصحبة وفد من الإنجيليين، في زيارة اعتبرها “تاريخيَّة”، تناول فيها الحضور موضوعات حيويَّة، من بينها رؤية 2030 الاقتصاديَّة الَّتي أعلن عنها ولي العهد السَّعودي، والمنطقة، والإسلام والمسيحيَّة.

روزنبرغ مع ولي العهد السَّعودي في زيارته الأولى للسعوديَّة-الرّياض (2018م)

شعر روزنبرغ بعد لقائه بالأمير محمَّد بن سلمان، الَّذي التقى بعد زيارة إلى دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة، بأنَّ الزَّعماء في الخليج بدأوا يشعرون بأنَّ “إسرائيل صديق يمكن أن يصبح شريكًا للسَّلام”. يشدّد الكاتب الأمريكي على أنَّ الخطر الإيراني هو الأكبر على إسرائيل مثلها كمثل الدُّول العربيَّة غير المتحالفة معها، وأنَّ الجماعات الإسلاميَّة المتشدّدة هي العقبة الَّتي تعرقل جهود السَّلام، ممَّا يبرّر التَّحالف الخليجي-الإسرائيلي في مواجهة التَّهديد الإيراني. يعاود روزنبرغ التَّشديد على أهميَّة السَّعي من أجل إحلال السَّلام، حتَّى وإن لم يكن الفلسطينيون يريدون الاتّفاق مع إسرائيل، متسائلًا “كيف يمكن أن تتقدَّم مملكة المسيح بفضل جهودنا لإحلال السَّلام ونحن ننتظر مخلّصنا، المصدر المطلق للسَّلام؟”.

1.محور أحداث “قاتل القُدس”: الحرب على “الإرهاب الإسلامي”

يتوقَّع ماركوس ريكر، العميل الاستخباراتي الخاص التَّابع لوكالة المخابرات المركزيَّة الأمريكيَّة (CIA)، شنَّ هجوم يهدف إلى اغتيال الرَّئيس الأمريكي، أندرو كلارك، وكلّ معاونيه، ومن بينهم ريكر نفسه. يتوجَّه ريكر لزيارة القُس كارتر إميرسون، وهو راعي كنيسة لينكولن بارك المعمدانيَّة (Lincoln Park Baptist Church)، وزوجته مايا، اللَّذين تبنَّياه منذ أن بدأ يتردَّد على كنيستهما، واعتاد هو على تناوُل الطَّعام في منزلهما قبل جلسات الوعظ في الكنيسة أو بعدها، في إشارة إلى التزام العميل الاستخباراتي الدّيني، الَّذي يوجّه تصرُّفاته الشَّخصيَّة وسلوكه المهني. يتفاجأ ريكر لاحقًا بتعرُّض الكنيسة العتيقة لهجوم إرهابي ينظّمه مسلَّحون يطلون وابلًا من الرَّصاص على المصلّين الآمنين، ويخلّف الهجوم 5 قتلى، من بينهم القُس كارتر، وبعض المصابين، منهم زوجة القُس. يعجز ريكر عن اللحاق بالمنفّذين، الَّذين أرادتهم وكالة المخابرات أحياءً للكشف عن هويَّة تنظيمهم الإرهابي.

يجتمع الرَّئيس كلارك بمجموعة من رجال الاستخبارات، التَّابعين لوكالة المخابرات المركزيَّة وجهاز الخدمة السّريَّة، بحضور مستشار الأمن القومي، ويثني على جهود ماركوس ريكر في التَّصدّي للعمل الإرهابي، معربًا عن أسفه حيال وفاة راعي الكنيسة وإصابة زوجته في الحادث. يتأسَّف الرَّئيس الأمريكي على فقدان نائب وزير الخارجيَّة الأمريكي، أحد المشاركين في صياغة خطَّة تحقيق السَّلام في الشَّرق الأوسط، وحينها يكشف ريكر عن المعلومات الَّتي توصَّل إليها عن هويَّة المنفّذين. تبيَّن أنَّ منفّذي الهجوم إرهابيون محترفون، أحدهم من قطر، سافر إلى العراق وانضمَّ إلى تنظيم القاعدة، بعد “تحرير” الأمريكان لها، ثمَّ انتقل إلى سوريا وانضمَّ إلى تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة في العراش والشَّام، أو داعش؛ والآخر كان تركيًّا، حارب في أفغانستان، ثمَّ في العراق، ثمَّ انتقل إلى سوريا، حيث انضمَّ إلى داعش (ص64).

تحسُّبًا لهجوم إرهابي محتمل، ينصح ريكر الرَّئيس الأمريكي بالتَّراجع عن خطَّة الإعلان عن خطَّة السَّلام من جبل الهيكل (Temple Mount)، وأن يطلقها من المكتب البيضاوي (Oval Office)، المكتب الرَّسمي لرؤساء الولايات المتَّحدة منذ عام 1909م. غير أنَّ الرَّئيس الأمريكي لا يعبأ بنصيحة العميل الاستخباراتي ويصرفه من مكتبه، في إصرار على تنفيذ مخطَّط الإعلان عن خطَّة السَّلام من القُدس. يُتَّهم الفلسطينيون بالإحجام عن العودة إلى طاولة المفاوضات، ويُبرّر ذلك نصيحة ريكر للرَّئيس الأمريكي ألَّا يتوجَّه إلى القُدس، خشية تعرُّضه لعمل إرهابي، أو اندلاع انتفاضة جديدة، اعتراضًا على خطَّة السَّلام. من جانبه، يوضح الرَّئيس أندرو كلارك أنَّ تلك الآونة كانت الأنسب على الإطلاق للكشف عن خطَّته للسَّلام، في ظلّ “إظهار دول الخليج المودَّة تجاه إسرائيل”، وإيقان الشًّعب الإسرائيلي بحبّه لهم وعدم سماحه بأن ينالهم أيّ أذى، وحالة الانقسام والضَّعف الَّتي يعاني منها النّظام الفلسطيني (ص70).

 المشهد داخل إيران

ينتقل روزنبرغ بالقارئ إلى قلب العاصمة الإيرانيَّة، طهران، وتحديدًا إلى مقر إقامة آية الله حسين الأنصاري، المرشد الأعلى للثَّورة الإيرانيَّة، الَّذي يعاني من تردٍّ في حالته الصّحيَّة، تفاقَم من جرَّاء إصابته بالصَّدمة بعد مقتل ثلاثة من أخلص حلفاء إيران من الرُّوس، إلى جانب كارثة وقعت في بحر الصّين الشَّرقي. يذكّر الأنصاري، الَّذي كان يصارع الموت ولا يُتوقَّع أن يعيش أكثر من شهرين، رجاله بما أحرزوه من انتصارات خدمت أهداف الثَّورة الخمينيَّة، وليس أدلُّ على ذلك أكثر من سيطرة الحرس الثَّوري الإيراني على أربع عواصم عربيَّة، بيروت وصنعاء ودمشق وبغداد، مفصّلًا “بواسطة وكلائنا من أعضاء حزب الله في لبنان، سيطرنا عمليًّا على بيروت؛ وبواسطة وكلائنا الحوثيين في اليمن، أحكمنا السَّيطرة على صنعاء؛ وبفضل تحالفنا الاستراتيجي مع موسكو، اكتسبنا السَّيطرة العمليَّة على دمشق؛ ومع انسحاب الشَّيطان الأكبر (أمريكا) من العراق، وبعد الاستثمار الهائل للأموال من خلال أشقَّائنا الشّيعة، أصبحنا المسيطر الأكبر، إن لم يكن الأوحد، على ثروات بغداد. وكان لاستثماراتنا في غزَّة، وكذلك في تركيا وقطر، مردودها المذهل” (ص56). لم يعجب حديث المرشد الأعلى للثَّورة اللواء محمَّد انتظام، قائد الحرس الثَّورة الإيراني، الَّذي شعر بأنَّ دنو أجل الأنصاري سيجرُّ البلاد إلى حالة من الفوضى، خاصَّة مع الأوضاع الاقتصاديَّة المتردّية، والإخفاقات الَّتي مني بها الحرس الثَّوري في الفترة الأخيرة. توقَّع انتظام نشوب صراع على السُّلطة، خاصَّة مع طموح الرَّئيس الإيراني، يد الله أفشار، الَّذي كان في الأصل معمَّمًا شيعيًّا من خرّيجي حوزات مدينة قُم الدّينيَّة، الأمر الَّذي اعتبره انتظام كارثة محقَّقة.

يكشف آية الله حسين الأنصاري عن وصاياه لقادة الجمهوريَّة الإسلاميَّة، ويأتي على رأسها المضي قُدمًا في مهمَّة تطوير القنبلة النَّوويَّة الإيرانيَّة، وفي ذلك يقول “لن يمكننا إعادة إحياء الإمبراطوريَّة الفارسيَّة إلَّا بعد أن تصير هذه القوَّة الهائلة بين أيدينا. لا يمكننا إبادة الأمريكان أو محو الكيان الصُّهيوني المجرم من الوجود إلَّا بعد أن نمتلك تلك القوَّة. لن يمكننا كذلك التَّعجيل بظهور الإمام المهدي عليه السَّلام” (ص59-60). أمَّا عن ثاني وصايا الأنصاري، فهي عدم السَّماح للفلسطينيين بإبرام معاهدة للسَّلام مع إسرائيل، مطمئنًا الحاضرين إلى أنَّ إسماعيل زياد، رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة، لن يحنث بوعده أو يخون قضيَّتهم، ومعربًا عن خشيته على مستقبل السُّلطة من بعده، خاصَّة وأنَّه تقدَّم في العمر وقد يخلفه من يتَّخذ مسارًا آخر. أمَّا عن آخر وصايا المرشد الأعلى للثَّورة، فكانت الثَّأر لأحد رجال الجمهوريَّة الإسلاميَّة، يُدعى علي رضا الزَّنجاني، قدَّم حياته فداءً لقضيَّة نظام الملالي، ويطلب الأنصاري رأسي الرَّئيس الأمريكي، أندرو كلارك، ورئيس الوزراء الإسرائيلي، رؤوفين إيتان، انتقامًا لمقتل الزَّنجاني، دون التَّصريح بهويَّته وطبيعة عمله وملابسات اغتياله.

برغم ما كان الاقتصاد الإيراني يعانيه من ضعف، وبخاصَّة بعد العقوبات الصَّارمة الَّتي فرضتها الولايات المتَّحدة على إيران بعد انسحابها من الاتّفاق النَّووي، المعروف باسم خطَّة العمل الشَّاملة المشتركة (JCPOA) في مايو 2018م، كان نظام الملالي ينفق مليارات الدُّولارات على الجهود الحربيَّة في سوريا واليمن، وعلى تسليح الجماعات الإسلاميَّة في غزَّة ولبنان، تحديدًا حماس والجهاد الإسلامي وحزب الله. تضاءل تصدير إيران للنَّفط والغاز الطَّبيعي بعد العقوبات الأمريكيَّة، وازدادت مع ذلك معاناة النَّاس، وعمَّت الاحتجاجات البلاد، وبالطَّبع يتعامل معها النّظام الدَّموي بالقمع.

الموقف الفلسطيني من خطَّة السَّلام مع إسرائيل

ينتقل المشهد إلى قلب مدينة القُدس، وتحديدًا إلى ساحة المسجد الأقصى المبارك، إلى حيث يخرج مفتي القُدس، الشَّيخ أمين العزَّام، برفقة زوج ابنته، حسام مشراوي، مدير الوقف الإسلامي ومبعوث المفتي إلى شتَّى بقاع العالم الإسلامي. عُرف عن مفتي القُدس، كما يشير روزنبرغ، موقفه المعتدل تجاه اليهود؛ حيث كان قبل بحلّ الدَّولتين، وإن اتَّخذ موقفًا صارمًا ضدَّه أمام النَّاس. لم يتَّخذ مشراوي موقف العزَّام من إسرائيل، بل كان أكثر تشدُّدًا ممَّا كان حموه وزوجته ليتخيَّلا، برغم نشأته في أسرته ميسورة الحال، وعدم تعرُّضه للإيذاء البدني أو العاطفي أو النَّفسي، وكأنَّما أراد الكاتب الإيحاء بأنَّ فقدان الأبوين، أو أحدهما، والمرور بتجارب قاسية من أسباب التَّشدُّد والتَّطرُّف. تربَّى مشراوي في أسرة متديّنة، كثير من أفرادها من رجال الدّين، وهو نفسه حفظ القرآن الكريم في عُمر مبكر، ولم يشهد أحداث نكبة عام 1948م، أو ويلات حرب الأيَّام السّتَّة في يونيو 1967م، وكان أولى تجاربه في المقاومة الفلسطينيَّة للاحتلال عام 1987م، مع اندلاع الانتفاضة الأولى. ربَّما نشأت لدى مشراوي المشاعر العدائيَّة والرَّغبة في الانتقام من الاحتلال بعد مقتل أخيه الأكبر أثناء ركضه من سيَّارة لقوَّات جيش الدّفاع الإسرائيلي، خلال انتفاضة الأقصى في خريف عام 2000م، وحينها آثر أبوه أن يرسله إلى الأزهر الشَّريف في مصر لدراسة العلوم الدّينيَّة.

أكبر خطر يهدّد خطَّة السَّلام الأمريكيَّة: دولة الخلافة

لم يكن الأزهري الفلسطيني حسام مشراوي، الَّذي كان يتقن عدَّة لغات ويتعامل مع أحدث الوسائل التقنيَّة، ميَّالًا بفكره إلى حركة حماس أو تنظيم القاعدة، بل كان يتَّفق مع أفكار تنظيم داعش، ويجد أنَّ حلَّ مشكلة فلسطين لم يكن بتأسيس دولة ديموقراطيَّة علمانيَّة، إنَّما بتأسيس دولة الخلافة الإسلاميَّة على يد مخلّص المسلمين المنتظر ظهوره في آخر الزَّمان. يُخبر المفتي صهره بشأن زيارة الرَّئيس الأمريكي إلى القُدس للإعلان عن خطَّته للسَّلام، ويوصيه بضرورة إكرام ضيافته، وتعريفه بمعاناة الفلسطينيين، برغم عدم إظهاره أيَّ تعاطُف تجاههم. غير أنَّ مشراوي شعر بأنَّ فرصة التَّخلُّص من الرَّئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي ورئيس السُّلطة الفلسطينيَّة، المتوقَّع أن يرافقهما، ما كانت لتعوَّض، عاقدًا العزم على أن يقتلهم بنفسه. لم يكن الأزهري الفلسطيني وحده مَن كان يرى في مؤتمر إعلان خطَّة السَّلام فرصة ذهبيَّة لتصفية الرَّئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي معًا؛ حيث يتَّجه قائد الحرس الثَّوري الإيراني بنفسه إلى ليبيا لمقابلة الإرهابي أبو نكبة، زعيم تنظيم كايروس الإرهابي ومدبّر الهجوم على الكنيسة في أمريكا واغتيال نائب وزير الخارجيَّة الأمريكي، المشارك في إعداد خطَّة السَّلام.

أمَّا عن المعاون الأساسي للإرهابي أبو نكبة، فقد كان التُّركي حمدي ياشار، وهو منتج للبرامج الإخباريَّة يتبع إحدى الشَّبكات الإعلاميَّة، كان يحلم بعودة دولة الخلافة وإحياء الإمبراطوريَّة العثمانيَّة الَّتي حكمت نصف أوروبَّا، ومعظم أراضي منطقة الشَّرق الأوسط وشمال إفريقيا. كما تكشف الأحداث لاحقًا، يعمل حمدي ياشار بتكليف مباشر من الرَّئيس التُّركي، أحمد مصطفى، الَّذي يمنحه الكاتب مواصفات عُمريَّة وشكليَّة تتفق مع وصْف الرَّئيس التُّركي الحالي، رجب طيّب اردوغان. يقابل ياشار أحد أعضاء تنظيم كايروس، يُدعى محمَّد القصَّاب، ليكلّفه بنفس المهمَّة، ألا وهي اغتيال الرَّئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي. كان القصَّاب أنسب رجال التَّنظيم الإرهابي ليكون رئيسًا للعمليَّات، فهو سوري الأصل والنَّشأة، عمل في جهاز المخابرات الحربيَّة في بلاده، ودرس في عدد من الأكاديميَّات الغربيَّة، واستطاع تغيير هويَّته، بانتحال شخصيَّة مسيحي لبناني يُدعي مايكل الجليل، مختلقًا لنفسه أصولًا فلسطينيَّة، مدَّعيًا أنَّ أسرته الكاثوليكيَّة هربت من منطقة الجليل، شمالي فلسطين، إلى جنوب لبنان. يتَّضح أنَّ ياشار كان يتواصل مع حسام مشراوي عبر وسيط، وكذلك عبر برامج اتّصال مشفَّرة، لتأسيس خليَّة لتنظيم كايروس في القُدس، وتتولَّى تلك الخليَّة عرقلة مسيرة السَّلام.

التَّحضير لزيارة الرَّئيس الأمريكي للقُدس

مع إصرار الرَّئيس أندرو كلارك على التَّوجُّه إلى القُدس لإعلان خطَّة السَّلام في يناير من العام التَّالي لأحداث الرُّواية، يقطع العميل الاستخباراتي ماركوس ريكر رحلة إلى حاضنة المسجد الأقصى لتأمين الزّيارة. يذهب ريكر وفريقه الأمني لمقابلة رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة ورئيس منظَّمة التحرير الفلسطينيَّة، إسماعيل زياد، لإخطاره بالزّيارة ودعوته إلى حضور مؤتمر القمَّة، المفترض أن يكشف خلاله الرَّئيس الأمريكي عن خطَّته للسَّلام. يقابل زياد الدَّعوة بفتور، معربًا عن الدَّهشة لدعوته إلى قبول عرْض من الإدارة الأمريكيَّة الَّتي لم يجد منها سوى العداء له وللشَّعب الفلسطيني، ليجد ردًّا قاسيًا من ريكر. يذكّر العميل الاستخباراتي الأمريكي رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة بالمساعدات الماليَّة الَّتي قدَّمتها أمريكا إلى الشعب الفلسطيني منذ إبرام اتّفاقيَّة أوسلو في سبتمبر 1993م، والَّتي بلغت قيمتها 5 مليارات دولار، علاوة على المنَح الاقتصاديَّة المقدَّمة من الإدارة الأمريكيَّة منذ 2012م بقيمة 1.2 مليار دولار لتحسين خدمات الرّعاية الصّحيَّة، والمياه، والصَّرف الصّحّي، والبنية التَّحتيَّة، والخدمات الأمنيَّة، ويتساءل ريكر “ألا يشهد هذا الكرم باحترامنا لكم ولشعبكم؟” (ص141).

ينفي ريكر ادّعاء رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة، إسماعيل زياد، أنَّ إدارة الرَّئيس الأمريكي الحالي هي الأشدُّ عداءً تجاه الفلسطينيين على الإطلاق، مشيرًا إلى أنَّ الرَّئيس مدَّ إليه يد الصَّداقة والتَّعاون منذ تولّيه الحُكم، ولكنَّه هو الَّذي اختار العداء وعدم الاحترام. هنا، ينتفض زياد، مذكّرًا العميل الاستخباراتي الأمريكي بأنَّ رئيس بلاده رفَض الاعتراف بمعاناة الشَّعب الفلسطيني، وضنَّ عليهم بحقّ تقرير المصير الَّذي ينصُّ عليه ميثاق الأمم المتَّحدة، وأعرض عن التَّصريح بتأييده إعلان الدَّولة الفلسطينيَّة، كما خفَّض من قيمة المساعدات الماليَّة للسُّلطة الفلسطينيَّة ووكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (UNRWA)، و، قبل هذا وذاك، اعترف بالقُدس عاصمة أبديَّة وموحَّدة لإسرائيل ونقَل سفارة بلاده إليها. يعارض ريكر قول رئيس السُّلطة الفلسطينيَّة أنَّ القُدس بأكملها صارت تحت سيطرة إسرائيل، زاعمًا أنَّ القُدس الشَّرقيَّة لم تزل قيد التَّفاوض، متّهمًا الفلسطينيين بـ “رفْض كلّ عرْض لتأسيس دولة فلسطينيَّة منذ عام 1947م”، ومتَّهمًا رئيس السُّلطة ذاته بفقدان السَّيطرة على القُدس وغزَّة (ص142).

يواجه العميل الاستخباراتي رئيس السُّلطة، إسماعيل زياد، بأنَّ 70 بالمائة من الفلسطينيين، الرَّازحين تحت وطأة الفقر والبطالة، يطالبونه بالاستقالة، بينما أصبحت إسرائيل “قوَّة تقنيَّة عظمى”، وتنعم بـ “أكثر اقتصادات المنطقة حيويَّةً” (ص142). لا يعارض زياد ما يقوله ريكر، ويكتفي بالإشارة إلى أنَّ عدد الفلسطينيين عام النَّكبة (1947م) لم يتجاوز 1.2 مليون شخص، بينما وصل عدد الفلسطينيين في الضَّفَّة الغربيَّة وحدها 2.5 مليون، إلى جانب 1.7 مليون فلسطيني في غزَّة، و1.6 مليون من عرب 48 القاطنين داخل إسرائيل ذاتها، ما يعني أنَّ إجمالي عدد الفلسطينيين يبلغ 5.8 مليون مقارنةً بـ 6.5 يهودي، بزيادة 483 بالمائة عن عددهم عام النَّكبة. ويعني ذلك أنَّ 47 بالمائة من سكَّان فلسطين التَّاريخيَّة من الفلسطينيين، هذا إلى جانب الَّذين يعيشون في الخارج وقد حُرموا من حقّ العودة. يشدّد رئيس السُّلطة على أنَّ نسبة الفلسطينيين في أرض فلسطين التَّاريخيَّة لا يمكن تجاهلها، خاصَّة مع أخْذ ارتفاع نسبة المواليد بين الفلسطينيين. بعد استعراض لأهم محطَّات التَّفاوض بين منظَّمة التَّحرير الفلسطينيَّة، ثمَّ السُّلطة الفلسطينيَّة لاحقًا، والإسرائيليين، يشدّد رئيس السُّلطة على أنَّ عروض رؤساء وزراء إسرائيل لإنهاء الصّراع، من خلال بسْط السّيادة الفلسطينيَّة على غزَّة كاملة وغالبيَّة أراضي الضَّفَّة الغربيَّة والقُدس الشرقيَّة، لم يكن مرضيًا. ما يريده الفلسطينيون، كما يدَّعي رئيس السُّلطة الوهمي، هو “100 بالمائة من الأراضي الَّتي امتلكناها قبل حرب 1967م”، مضيفًا أنَّ أحدًا من رؤساء وزراء إسرائيل لم يَعرض التَّنازل بالكامل عن “الحرم الشَّريف…قبَّة الصَّخرة والمسجد الأقصى“، في تقديم لقبَّة الصَّخرة باعتباره جزءً منفصلًا عن المسجد الأقصى، وليس أحد مصليات المسجد الأقصى، كما هو الحال في واقع الأمر (ص144). لا يجد ريكر ما يقول غير تقديم النَّصيحة لرئيس السُّلطة الفلسطينيَّة لقبول خطَّة الرَّئيس الأمريكي الحالي، الَّتي اعتبرها منصفة للجميع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحروب واتفاقيات الحدود العراقية الإيرانية وأثرها في العلاقات بين البلدين 1

نزار فاضل السامرائي صدر هذا الكتاب عن دار دجلة ناشرون وموزعون / …