أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / الاستشراف السياسي في قصيدة “لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان”

الاستشراف السياسي في قصيدة “لماذا يسقط متعب بن تعبان في امتحان حقوق الإنسان”

نعيم مصطفى

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

ماهي وظيفة الشعر؟ ربما يعتقد كثير من الناس أن وظيفة الشعر هي المدح أو الغزل أو الهجاء….فحسب والغاية من نظمه هو الإمتاع وإظهار البراعة في التلاعب في الألفاظ والتراكيب، وامتلاك ناصية اللغة، وهذا جزء من وظيفة الشعر ومهمته وغايته، لكن الوظيفة الحقيقية التي بجب أن يقوم فيها، ويضطلع بها على خير وجه هو تحسس آلام الأمة، وآمالها، وشجونها، وشؤونها، والسعي بالأمة لدفعها إلى العلياء، وليس الأدب هو مجرد مرآة وكاميرا مصورة لما يحدث على أرض الواقع كما يذهب إلى ذلك بعض الأدباء والنقاد، على الشعر أن يزلزل عروش الظالمين، والمجرمين، والمستبدين والطغاة، وأمة العرب ولاّدة لأولئك الشعراء منذ فجر التاريخ، فقد كان العرب يفرحون ويقيمون الحفلات والمآدب عند نبوغ شاعر  بين ظهرانيهم، ويسلمون لهذا الشاعر الراية البيضاء وقيادة شؤونهم في حالات السلم، وفي حالة الحرب يسندون إليه الراية الحمراء، والإشراف على الجنود المحاربين، وما تلك الثقة به إلا لرجاحة عقله، وفصاحة لسانه.

وعلى الرغم من تغير الزمان في عصرنا الحديث، والانفجار التكنولوجي في الاتصال والتواصل الاجتماعي، فما يزال للشعر مكانته، وللشاعر بصمته، فكم من قصيدة أشعلت الحماس في صفوف الشعوب العربية ودفعتها لتغيير حالها إلى أحسن حال.

وها هي ثورات الربيع العربي تتفجر في دول الاستبداد والطغيان بعد سبات عميق دام حيناً من الدهر، ليعود الشعب العربي إلى ألقه، وعزته، وكرامته التي أراد الزعماء الخونة انتزاعها من قلوب وعقول أبنائه.

ولو دققنا النظر في أسباب اندلاع تلك الثورات لوجدنا أسبابًا كثيرة ومختلفة دفعت بالشعوب للمطالبة بحقوقها، وحريتها، وعلى رأسها الكم الهائل من القمع، والكبت، والذل، والإهانة.

وقد كان للفن من شعر، ومسرح، وأفلام نصيب لا بأس به في تحفيز الناس، ورفع مستوى وعيهم لما يُحاك لهم من مؤامرات يقوم بها خدام أعداء الأمة، وهم القادة الذين ظاهرهم عربي ومن نسيج المجتمع، وباطنهم الذي كشفتهم الأيام لا حقاً عدو لدود للشعوب وسيف مصلت على الرقاب.

وبعد فقد استوقفتني قصيدة لشاعر عربي سوري معروف، وهو نزار قباني وجدتها تحمل بين طياتها استشراف للمستقبل، واستنهاض للهمم، وتحذير لمآلات الشعوب من سقوط وذل إذا لم يهبوا ويستفيقوا ويكسروا طوق الخوف والرعب، وقد وجدت من الحكمة أن أحلل تلك القصيدة من جانب واحد يناسب الواقع المأزوم الذي تعيشه الأمة، وهو جانب مناشدة الشعوب القيام بالثورة والتمرد وإلا ستكون العواقب وخيمة، وقد تحققت نبوءة ذلك الشاعر ليس وحياً، ولا كرامات، وإنما قراءة موضوعية متأنية حاذقة للواقع الذي يحمل في رحمه نطافاً سفاحاً سينجب مستقبلاً قاسياً ومريراً.

فقد تم نظم هذه القصيدة وصياغتها في عام خمسة وثمانين وتسعمئة وألف1985   

أي منذ ما يزيد على ثلاثة عقود، وقد رأى الشاعر نزار قباني من خلال نفاذ بصيرته الإرهاصات الأولى لمستقبل الدول العربية، فما كان منه إلا أن أعمل ريشته في رسم مستقبل هذه الأمة فأصاب كبد الحقيقة بقصيدة فنية رائعة استشرافية.

والآن نقف عند هذه القصيدة متغافلين الجوانب الفنية واللغوية والتجنيسية – على أهميتها – ومسلطين الضوء على المضمون والجوهر والإشارات.

القصيدة بعنوان/ لماذا يسقط متعب ابن تعبان في امتحان حقوق الإنسان/

يستهل الشاعر قصيدته بقوله:

مواطنون دونما وطن

مطاردون كالعصافير على خرائط الزمن

مسافرون دون أوراق ..وموتى دونما كفن

نحن بغايا العصر

بالنظر إلى هذه الأبيات نظرة سريعة يمكننا إسقاطها على الواقع العربي عامة (اليمن – ليبيا – مصر ) وعلى سورية خاصة.

إن الملايين الذين فروا من بطش الأسد وبراميله المتفجرة، أصبحوا تائهين، مشردين، مهجرين، لاجئين، يتامى، فقراء، مرضى، معاقين، مسلوبي الهوية والأرض والبيت، تتقاذفهم الدول من شاطئ إلى شاطئ، ومن ضفة إلى أخرى، إنهم مجرد أرقام، لا يملكون بطاقة ولا جواز سفر ولا دفتر عائلة، ولا يكتفي الحكام السفاحون الخونة بتشريدهم وطردهم، وإنما يلاحقونهم إلى الدول الأخرى ليفتكوا بهم ويجهزوا عليهم.

إنهم يعاملون كالبغايا، بل إن البغايا لهم حظوة ومكانة وتقدير تفوقهم بمئات الأميال.

كل حاكم يبيعنا ويقبض الثمن

نحن جواري القصر، يرسلون

من حجرة لحجرة

من قبضة لقبضة

من هالك لمالك

ومن وثن إلى وثن

نركض كالكلاب كل ليلة

من عدن لطنجة

من طنجة إلى عدن

يا له من توصيف يلامس الواقع بكل تجلياته، إنه واقع مأساوي لم يعاقب المجرم السفاح حاكم سورية على طرده لمواطنيه بل كوفئ بالأموال الطائلة من إيران وروسية، وعندما توجه الشعب فاراً من قنابل وصواريخ الجلّاد إلى البلاد المجاورة راح حكام تلك البلاد يساومون العالم على هذه الأمواج من البشر، ويقبضون الأموال ثمناً لإيوائهم في مخيمات متهالكة لا تصلح للحيوانات.

وبعضهم تجاهلهم في الفيافي على حدوده بحجة أنهم إرهابيون مع أنّ معظمهم من الأطفال والنساء.

نبحث عن قبيلة تقبلنا

نبحث عن عائلة تعيلنا

نبحث عن ستارة تسترنا

وعن سكن

وحولنا أولادنا

احدودبت ظهورهم وشاخوا

وهم يفتشون في المعاجم القديمة

عن جنة نضيرة

عن كذبة كبيرة كبيرة

تدعى الوطن

إنهم كرة تتقاذفها الدول بين أقدامهم، هذا يقول إنهم إرهابيون، وذاك يقول يؤثرون على النسيج الاجتماعي، وثالث يقول ليس لي قدرة على إطعامهم وكسوتهم، ورابع يقول إنهم قوم يتطهرون، ولا حاجة لي بهم، فكانت النتيجة سقوطهم في براثن الغرق، والمرض، والتجمد، والاضطرابات النفسية….

مواطنون نحن في مدائن البكاء

قهوتنا مصنوعة من دم كربلاء

حنطتنا معجونة بلحم كربلاء

طعامنا.. شرابنا

عاداتنا.. راياتنا

زهورنا.. قبورنا

جلودنا مختومة بختم كربلاء

لا أحد يعرفنا في هذه الصحراء

لا نخلة.. لا ناقة

لا وتد.. لا حجر

لا هند.. لا عفراء

أوراقنا مريبة

أفكارنا غريبة

فلا الذين يشربون النفط يعرفوننا

ولا الذين يشربون الدمع والشقاء

إن الحكام العرب يعيدون التاريخ المشؤوم والملطخ بالدماء، وينقبون عن الفتن والمآسي والصراعات والحروب التي دارت رحاها بين الأخوة، وأبناء العمومة وأبناء الوطن، وهذا التاريخ الأسود لا يشكل سوى نقطة صغيرة إذا ما قورن بالصفحات المضيئة، والبيضاء التي سادت معظم حياة أجدادنا، ويعرضون عن كل الإنجازات والقيم، والأخلاق التي خلفها لنا تاريخنا الحضاري المفعم بالعلم، والطب، والشعر، والموسيقى، والهندسة…

معتقلون..

 داخل النص الذي يكتبه حكامنا

معتقلون..

 داخل الدين كما فسره إمامنا

معتقلون..

 داخل الحزن.. وأحلى ما بنا أحزاننا

مراقبون نحن في المقهى.. و في البيت..

وفي أرحام أمهاتنا..

حيث تلفتنا وجدنا المخبر السري في انتظارنا

يشرب من قهوتنا

ينام في فراشنا

يعبث في بريدنا

ينكش في أوراقنا

يدخل من أنوفنا

يخرج من سعالنا

لساننا.. مقطوع

ورأسنا.. مقطوع

وخبزنا مبلل بالخوف والدموع

إذا تظلمنا إلى حامي الحمى

قيل لنا ممنوع..

وإن تضرعنا إلى رب السماء

قيل لنا ممنوع..

وإن هتفنا:

 يا رسول الله كن في عوننا

يعطوننا تأشيرة من غير ما رجوع

وإن طلبنا قلماً

 لنكتب القصيدة الأخيرة

أو نكتب الوصية الأخيرة

قبيل أن نموت شنقًا

غيروا الموضوع

إن الذين يملكون النفط والذهب والفضة وكل الثروات يحجمون عنا ويتنكرون لنا ويتجاهلوننا وكأننا وحوش أردنا سلب ثرواتهم التي هي ثرواتنا، ويدفعون بنا إلى مجاهيل العوز والمرض والموت.

وأما الذين لا يملكون الثروات، فإنهم يغلقون أبوابهم أمامنا بحجة أنهم فقراء مساكين هم أحوج منا للمؤازرة والعون.

إننا نعيش في أوطاننا وكأننا معتقلون، بل نحن معتقلون حقاً فإذا ما أردنا الزواج، أو العمل، أو الكتابة، أو البيع، أو الشراء، أو…

لا بد من عشرين رخصة تثبت أننا مواطنون مؤيدون حتى النخاع، وإلا سيكون السجن والشتم والتعذيب.

يجب علينا طاعة مشايخنا الذين يلوون أعناق النصوص على قدر مقاس الأمير.

أينما توجهنا وأينما قصدنا وكيف سرنا وكيف جلسنا ومتى جئنا ومتى خرجنا – حتى ولو كنا في فراش زوجاتنا – فإن العيون السبع عشرة ترصدنا.

شعارهم وقانونهم ودستورهم /ألجم لسانك ألجم فالموت للمتكلم/

إذا اشتكيت إلى الحامي الأمين فيكشر عن أنيابه وإذا به هو الحرامي، وإذا رفعت قضيتك إلى القاضي فتأتيك الأنباء بأنه هو القاتل.

وإذا ما سمعوا دعاء للحيّ القيوّم، والاستعانة بشفاعة الرسول، اتهموك أنك منتم إلى حزب محظور خطير يريد أن ينقلب على الدولة فيأخذون بعنقك إلى أعواد المشانق.

وقبل أن ينفذ بك حكم الإعدام – ظلمًا – إذا ما أردت ترك وصية فإنهم يعزفون عن سؤالك ويدفعون بك بعنف إلى حلبة الموت.

يا وطني المصلوب فوق حائط الكراهية

يا كرة النار التي تسير نحو الهاوية

لا أحد من مضر.. أو من بني ثقيف

أعطى لهذا الوطن الغارق بالنزيف

زجاجة من دمه

أو بوله الشريف

لا أحد على امتداد هذه العباءة المرقعة

أهداك يوماً معطفاً أو قبعة

يا وطني المكسور مثل عشبة الخريف

مقتلعون نحن كالأشجار من مكاننا

مهجرون من أمانينا و ذكرياتنا

عيوننا تخاف من أصواتنا

حكامنا آلهة يجري الدم الأزرق في عروقهم

و نحن نسل الجارية

لا سادة الحجاز يعرفوننا

 ولا رعاع البادية

ولا أبو الطيب يستضيفنا.. ولا أبو العتاهية

ويتابع الشاعر بكل جرأة قصف الأوطان العربية وقصف حكامها بأسلوبه الشعري الخاص والمميز.

إن وطني بل إن الشعب في وطني الذي أعلن انعتاقه من قبضة الجلاد، وأعلن بفمه الملآن كفاحه، ونضاله من أجل الحرية مهما كان الثمن باهظاً، وقد كان الثمن غالياً، فسفحت دماؤه وشرّد وهجّر…، وكان يعوّل على إخوانه العرب أن يمدّوا له حبل الإنقاذ والمودة، فإذا بهم يتآمرون عليه، ويجهزون على جراحاته، ويتاجرون بدمائه الطاهرة الزكية.

إن مساحات الوطن العربية شاسعة واسعة غنية ثرية، ومترامية الأطراف لكن هذه المساحات متصدعة، وممزقة، ومشتتة إلى دويلات إنهم ضنينون على إخوانهم التائهين المشردين الحيارى ضنينون عليهم حتى بكساء يغطي عوراتهم.

لقد كان نصيبنا أن نقتلع من وطننا كما تقتلع الأشجار من جذورها، ونُطرد، ونُهجّر ونُقذف ببراميل الحقد والكراهية حتى إن بغضهم قد دفعهم للفصل بيننا، وبين تاريخنا وذكرياتنا، للفصل بين حواسنا، بين سمعنا وبصرنا.

لقد تجبر وتكبّر حكامنا، وطغوا، وعلوا في الأرض، وجعلوا أهلها شيعًا، ونسبوا لأنفسهم الربوبية، وظنوا أنهم من عرق مميز أزرق، في حين إن عرق الشعوب وأصولهم هي أعراق عبيد وجواري.

لقد تنكر وتجاهل مأساتنا المريعة، حكام الخليج وأداروا لنا ظهورهم.

حتى إن مثقفينا، وشعراءنا الذين كانوا ليل نهار يشعلون روح الثورة في جوانحنا ويسكبونا دموعهم حزناً على واقعنا المرير، انفضوا عنا بعد أن استجبنا لنداءاتهم وانحازوا إلى المجرم السفاح.

فأفضت تلك الأوضاع المزرية بنا إلى تقاذفنا من قدم طاغية إلى قدم طاغية.

لا أحد يريدنا

من بحر بيروت إلى بحر العرب

لا الفاطميون.. ولا القرامطة

ولا المماليك…ولا البرامكة

ولا الشياطين ..ولا الملائكة

لا أحد يريدنا

لا أحد  يقرؤنا

في المدن التي تقايض البترول بالنساء

والديار بالدولار والتراث بالسجاد

والتاريخ بالقروش والإنسان بالذهب

وشعبها يأكل من نشارة الخشب!!

لا أحد يريدنا

في مدن المقاولين والمضاربين والمستوردين

والمصدرين والملمعين جزمة السلطة

والمثقفين حسب المنهج الرسمي

والمستأجرين كي يقولوا الشعر

والمقدمين للأمير عندما يؤوي إلى فراشه

قائمة بأجمل النساء..

والموظفين في بلاط الجنس.

والمهرجين..

والمخوضين في دمائنا حتى الركب..

لا أحد يقرؤنا

في مدن الملح التي تذبح في العام

ملايين الكتب..

لا أحد يقرؤنا

في مدن صارت بها مباحث الدولة

 عرّاب الأدب..

ويتابع الشاعر رثاءه لحالنا(حال السوريين) المثخن بالجراحات والأوجاع الغائرة والمثخن بالطرد والتهجير والمهانة والذل.

فيجعل المراكب التي نمتطيها من أجل الفرار من براميل الموت يجعلها تأنّ وتتألم وتشكو ويلات المصائب.

لقد ولينا وجهتنا صوب الجارة، والشقيقة بيروت، وإذا بها تنصب لنا الأفخاخ، وتكون حالنا كحال المستجير بالرمضاء من النار فكل الطوائف، والإثنيات اليمينية واليسارية تلفظنا وتعتبرنا داءً عضالاً حلّ بهم.

فنحرف قافلتنا شطر دول النفط الغنية العربية المسلمة، وإذا بهم يؤصدون أبوابهم في وجوهنا، ويتغنون عبر الفضائيات بكرمهم، وسخائهم، ومروءتهم، وإغاثتهم للملهوف، إنهم مشغولون بالإجهاز على العلم والعلماء، ومشغولون بتحويل مناهجهم وأدبائهم ومثقفيهم أبواقاً للسلطة الفاسدة القمعية المتخلفة.

مسافرون نحن في سفينة الأحزان

قائدنا مرتزق

وشيخنا قرصان

مكومون داخل الأقفاص كالجرذان

لا مرفأ يقبلنا

لا حانة تقبلنا

كل الجوازات التي نحملها

أصدرها الشيطان

كل الكتابات التي نكتبها

لا تعجب السلطان

لم تقتصر وحشية النظام على قتلنا في بلدنا واعتقالنا وتهجيرنا، بل إنه طاردنا خارج الحدود ليقطع ألستنا، ويدمي قلوبنا ويكبت حريتنا، ويئد تطلعاتنا، فزرع في صفوفنا المخبرين بأشكال، وألوان مريبة عجيبة خبيثة شيطانية تشعل فتيل الشقاق والتخوين بينهم.

فأرسل الضابط، وأرسل الشيخ، وأرسل الصحفي، وأرسل…وكلهم يرتدون لباس الثعالب ويدعّون وصلنا.

إن المراكب التي تقلنا تشبه أقفاص الجرذان لأنها تحمل أضعاف حمولتها، بل إن أقفاص الجرذان آمنة أكثر منها؛ لأنها غالباً ما تسلمنا إلى حيوان البحر ليلتهمنا كوجبة غنية.

لقد زوّر الجوازات التي نحملها وجعلها قنبلة موقوتة في يدنا ما إن نبرزها لأحد حتى تنفجر فتقتل الجميع.

مسافرون خارج الزمان والمكان

مسافرون ضيعوا نقودهم…

وضيعوا متاعهم!! وضيعوا أبناءهم

..وضيعوا أسماءهم.. وضيعوا انتماءهم

وضيعوا الإحساس بالأمان

فلا بنو هاشم يعرفوننا.. ولا بنو قحطان

ولا بنو ربيعة.. ولا بنو شيبان

ولا بنو (لينين) يعرفوننا.. ولا بنو (ريجان)

يا وطني.. كل العصافير لها منازل  

إلا العصافير التي تحترف الحرية

فهي تموت خارج الأوطان

لقد خيّمت علينا الحيرة في هجرتنا فتاهت مراكبنا، وطاشت عقولنا، وأصبحنا خارج الجغرافية الزمانية والمكانية، فتبخرت نقودنا التي نحملها، وغرقت أمتعتنا وفقدنا أولادنا، وفقدنا ذاكرتنا، وحطّ علينا شبح الخوف، والرعب والاضطراب، ورفضتنا كل الدول والأمم من عرب وعجم، فأصبحنا نحسد العصافير؛ لأن لها أعشاش تؤوي إليها، ونحن نفتقر لجدار، أو لخيمة، أو لظل شجرة تقينا من لفحة الحر، ولسعة القرّ، وتلك عقوبة كل أمة تفكر أن تنعتق من عبوديتها أو تطالب بحريتها.

وبعد الوقوف عند تلك القصيدة الرائعة التي تحاكي الواقع بكل سلبياته، وبكل جزئياته، وكأن صاحبها قد نظمها في زمننا الراهن الذي نعيش بين ظهرانيه.

نذكر بعض أقوال النقاد في نزار قباني التي تتساوق مع موضوعنا الذي نغوص فيه.

يقول الناقد حسين بن حمزة:/ رئيس جمهورية الشعر/

ويقول أيضاً في مكان آخر عن شعره السياسي:/أذاق العرب صنوفاً من التقريظ جامعاً بين جلد الذات وجلد الحكام، في طريقة ناجعة في طريق للتنفيس عن الغضب والألم/

ويقول الناقد مصطفى:/بل كلي اعتقاد بأن نزار كان جسماً مشحوناً بالثورة وجاهز طيلة الوقت للانفجار/.   

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

“ذكريات وخواطر” للدكتور الجراح حسان نجار

م. هشام نجار المنسق العام للهيئة السورية للإعمار وجهت حكومة ألمانيا دعوات للعديد …