أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (51)

إضاءات سياسية (51)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

الشفافية والمساءلة

23/09/2008

يتصف النظام السوري بانعدام الشفافية والانغلاق على الذات والتعتيم على أي خبر ومنع انتشاره ، حتى يستمر الشعب غائباً عن قضاياه ، كالمثل القائل : “الزوج آخر من يعلم” فإذا كان الزوج آخر من يعلم فإن شعبنا في سورية حتى الآن لا يعلم عن مصيره وأوضاعه ومستقبله شيئاً ، ذلك أن النظام الحاكم مارس استراتيجية التعتيم على كل مستوى وفي كل النواحي حتى في الحوادث التي ليس لها علاقة بالسياسة العامة أو بمستقبل البلاد .

في منتصف عام 1980 حين كنت مع زملاء لي من النقابيين محامين ومهندسين وغيرهم ، الذين زُجَّ بهم في السجن دون مسوغ قانوني ، حيث كنت في السجن التابع للمخابرات العامة -أمن الدولة- في كفر سوسة ، فوجئنا في أحد الأيام بعدم وصول الطعام أو الخبز إلى السجن وحرم السجناء جميعاً حتى من الطعام السيئ الذي كان يقدم لنا .

حاولت في تلك الأثناء محاورة السجانين واستدراجهم فعلمت منهم أن أبواب السجن الخارجية مغلقة تماماً ، وهم لا يستطيعون الخروج أو حتى إحضار طعامهم الخاص ، وبعد فترة من الزمن انجلت الأخبار وعلمنا أنه في ذلك اليوم المشؤوم تم تطويق السجن الذي كنا فيه من قبل مجموعة من سرايا الدفاع التابعة لرفعت الأسد بهدف الدخول وتصفيتنا ، إلا أن أمراً ما حدث منع وقوع المجزرة ، ثم علمنا أن مجموعة من سرايا الدفاع هذه تقدر بمائة عنصر بقيادة ضباط في السرايا نفذت مجزرة في سجن تدمر راح ضحيتها نحواً من تسعمائة سجين عزلاً قتلوا ضمن غرفهم في السجن ، كما توالت الأخبار عن إعدامات كثيرة تحت مظلة أحكام غير قانونية صدرت عن محاكم الميدان العسكرية راح ضحيتها آلاف من المعتقلين ، كما قتل البعض دون محاكمة .

كل هذه الأخبار تسربت للناس دون أن تمارس السلطة أي إعلان عن هذه الحوادث سواء كانت مغطاة بإحكام خارج القانون أو بدون هذه الأحكام ، وقد شرعن هذه الجرائم القانون رقم (49) لعام 1980 الذي صدر عن مجلس الشعب مخالفاً للدستور ولقانون العقوبات وللمعاهدات الدولية وحقوق الإنسان .

حتى الآن لم تعمد السلطة إلى طي ملف المفقودين سواء في السجون أو أثناء الحوادث المؤسفة التي وقعت في الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1990 ، ومعلوم أن من انتقل إلى الدار الآخرة ليس مقطوعاً من شجرة وإنما ينتمي إلى أسرة أو زوجة أو غير ذلك ، ويترتب على الغياب غير المعروف حتى الآن آثار اجتماعية سيئة تنعكس سلباً على هؤلاء الناس الذين فقدوا أباً أو أخاً أو زوجاً .. الخ .

هنا لا بد للدولة أن تتحمل مسؤوليتها في هذا المجال واستمرار التكتم والتجاهل والإنكار يزيد من الاحتقان ولا يؤدي إلى خير ، وقد غطى كل ذلك المرسوم التشريعي رقم (14) لعام 1968 في مادته /16/ التي شرعنت ارتكاب الجريمة بحماية مرتكبيها .

لو استعرضنا الأوضاع العامة في بلدنا الحبيب لا نجد في أعمال السلطة الحاكمة أية شفافية وهي لا تزال تمارس أعمالها بغاية التكتم والانغلاق .

في منتصف عام 2005 وقعت حادثة مروعة ، تتلخص في أن حاملة دبابات تعطلت مكابحها وكشف سائقها ذلك أثناء دخوله إلى أحد المعسكرات ، إلا أن ضابطاً أمره بتحميل دبابة بإصرار وتم ذلك بعد جدل بين الطرفين ، إلى أن ركب الدبابات الذي كان يفترض أن تكون فيه هذه الناقلة كان قد سبقها ومن ثم خرج هذا السائق لوحده من الثكنة وعلى متن الحاملة دبابة ، وأثناء وصوله على المحلق الجنوبي مفرق داريا وكانت -سيارة طالبات متجهة إلى المدرسة- لم يستطع سائق الحاملة إيقافها وانفلتت الدبابة وسحقت سيارة المدرسة وعدداً من السيارات التي كانت تقف على الإشارة ، ومات عدد لا يقل عن خمسين شخصاً بين تلميذة وركاب السيارات التي سحقت ، وتم تطويق المكان ومنع التصوير والإعلام من الاقتراب ، ووصل الأمر إلى أن مديرة مدرسة الطالبات حظرت على أهاليهم التحدث بالموضوع ، وللخوف والرعب الذي عشش في النفوس لم ينبس هؤلاء ببنت شفه ، مع العلم أن هذه الحادثة من الحوادث المرورية التي لا تمس سياسة الدولة داخلياً أو خارجياً وفيما أعلم فإن جهة إعلامية لم تنشر أي خبر عنهم ، كما لا يعلم أحد حتى الآن ما إذا كان قد فتح تحقيق في الحادث وما هي نتائج التحقيق .

منذ أشهر قليلة وقع عصيان في سجن صيدنايا العسكري وتواترت الأخبار عن جسامة ما حدث في السجن وتسربت الأخبار عن قتلى يقدر عددهم بمائة قتيل وأن أسلحة سربت إلى السجناء وغير ذلك .

تم تطويق موقع السجن -وهذا طبيعي ويقع في معظم سجون العالم-  وتم تفريغ مشفاً عسكرياً من المرضى ومنع الاقتراب منه ، ونقل الجرحى والقتلى إليه وحظِّر على الأطباء مغادرته حرصاً على التكتم على الأحداث ، وقد مضى عدة شهور على الحادث دون أن تعمد السلطة إلى نشر أي خبر أو تصدير أي بيان لمسؤول حكومي ، ومنعت زيارة السجناء ووقعت أسرهم بالغم والهم والألم الدائم في الوقت الذي كانت فيه المراجعات لا تفتأ ترد إلى مكتبي من أهالي السجناء من موكلين وغيرهم ، لم استطع أن أشفي غليل هؤلاء ، أو أروي نفوسهم العطشى إلى أخبار أبنائهم داخل السجن ، ولا يعرف هؤلاء من يراجعون وإلى من يلجؤون ؟! و تناقلت أخبار عن دفن جثث تحت جنح الظلام في قطنا وغيرها من المواقع ، ولم يجر تسليم أية جثة لأهلها .

من يتابع أخبار التلفاز يقع في الحيرة لوصف ما يجري هنا ، فنشاهد مثلاً أن بناء وقع في الباكستان وذهب ضحيته -كذا شخص- ، أو أن قطاراً خرج عن مساره في الهند أو انهياراً للأبنية في مصر .. الخ كل هذا نشاهده على التلفاز ، أما في نظر السلطة السورية فنحن ليس لدينا أية مشكلات سوى ما يثيره هؤلاء الناس الذين يطالبون بحقوقهم السياسية منها -أحزاب أو هيئات-  أو الاجتماعية -المجتمع المدني حقوق الإنسان- .

تناقلت وسائل الإعلام عن محاكمة جرت لعبد الحليم خدام -وهو يستحق ذلك- وحكم عليه بالسجن المؤبد لأنه انشق عن النظام ، بينما لم يستطع أحد محاكمته وهو على رأس السلطة .

ارتكب رفعت الأسد مجزرة تدمر وسلط زبانيته على رؤوس المسلمات في الشوارع لنـزع حجابهن واستهدف السلطة وكان جزاءه أن أخرج من البلاد ومعه المليارات من الدولارات ، بينما لم نسمع عن مشروع أي محاكمة له .

طالبت مراراً المسؤولين على كافة المستويات بإغلاق ملف المفقودين والدور المصادرة والمهجرين خارج القطر ، وقلت أن مساءلة من ارتكب جريمة هو أمر مشروع ولكن منع المواطن من العودة إلى بلده يتنافى مع القوانين المحلية والمعاهدات الدولية وحقوق الإنسان ، وقلت لا بد من إغلاق هذه الملفات العالقة التي هي من أسباب الاحتقان الداخلي ، إلا أن الغريب أنه حين نطالب بإجراء مصالحة وطنية نتلقى الجواب بأننا لسنا متخاصمين! .

وقعت أحداث دامية وأليمة في الثمانينات وقابلت السلطة هذه الأحداث بفكر الانتقام وليس بفكر الإصلاح وتقصي أسباب الأحداث التي وقعت حتى يمكن اجتثاثها .

قال قيصر في جوابه على سؤالٍ لكسرى قولة مشهورة : “إذا انتقمنا فعلى قدر السبب لا على
قدر الغضب” ، وقد قلنا إن ما وقع سابقاً يستوجب منا الوقوف والمراجعة ثم المصالحة .

في فتح مكة ، الذي -حرياً بنا أن نستفيد من دروسه- ، قال الرسول الأعظم الذي لاقى ما لاقاه من أهله وشعبه في مكة من اضطهاد وقتل وتشريد وتجويع ، قال لهم « اذهبوا فأنتم الطلقاء » ، فهو لم يعمد إلى الانتقام ممن ظلموه واضطهدوه وأجبروه على ترك وطنه ، حين قدر عليهم بل عاملهم بلطف وشهامة وفتح صفحة للمصالحة .

من المفارقات العجيبة أن تمارس السلطة اعتقالات -لا حدود لها ولا ضابط- في صفوف المثقفين في حين لا نجدها تحرك ساكناً لمحاكمة الذين ارتكبوا الجرائم والفساد وحاولوا القفز على السلطة .

دمر محافظ ريف دمشق سابقاً غوطتها الشهيرة ودمر مياهها وسمح البناء في محيط دمشق عشوائياً من أجل الرشى والفساد ، وحوّل هذه الواحة الجميلة إلى كتل اسمنتية عشوائية ولا يوجد من يحاسب ، فعجباً كيف انقلبت المفاهيم .

إنني من موقعي محامياً ومدافعاً عن حقوق الإنسان أطالب السلطة كما طالبتها مراراً وتكراراً وعلى أعلى المستويات بما يلي :

1–  ممارسة الشفافية في جميع أعمال السلطة التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحياة الناس اليومية .

2– طي الملفات العالقة – مفقودين – دور مصادرة – مهجرين .

3– إلغاء كل قانون استثنائي يتعارض مع الدستور والقوانين الأخرى والمعاهدات الدولية .

4– إلغاء القضاء الاستثنائي برمته .

وفي هذا عدل وحق

بين زيارة الوفاق للشيخ قبلان والزيارة المشؤومة للأمريكان

02/11/2008

عرض علينا التلفاز مشهدين متناقضين تماماً ، في الأول منهما زيارة هامة وتاريخية للشيخ عبد الأمير قبلان الشيخ الشيعي إلى مدينة طرابلس لبنان حيث أدى صلاة الجماعة في مسجد أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وليأتم بالشيخ الشعار مفتي طرابلس السني ، في لفتة غاية في الروعة تكتسب أهمية خاصة مع المرحلة الحرجة الحساسة التي يمر بها ، ليس فقط لبنان الشقيق ، وإنما المنطقة العربية والإسلامية جمعاء ، خطوة وحدوية قام بها الشيخ قبلان يأمل الجميع أن تكون فاتحة لطي الخلاف السياسي بين جماعتي المسلمين سنة وشيعة كي تكون فاتحة لتقوية الصف الداخلي ورص صفوفه ، نحيي هذه الخطوة وندعو لمتابعتها .

في ذات اليوم جاءنا زائر سوء أمريكي قاتل ليقتحم حدودنا ويقصف بلدنا ويقتل أبناءنا ، وليؤكد لنا وللعالم أن الإرهاب الأمريكي الذي أباد الهنود الحمر في بلادهم واغتصبها ليقيم دولة البيض على دمائهم ، ولينقل من سود أفريقيا ليستعبدهم ، ثم عربد على مستوى المعمورة من هيروشيما وناغازاكي إلى الفيتنام وبنما وإلى فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال والسودان وإلى كل مكان في العالم وضع إصبعه فيه فأحرقه .

يعود هذا الإرهاب الأمريكي ليؤكد لنا وللآخرين هويته ، قاتلاً محترفاً لا يعرف معنى الإنسانية ولا يقيم وزناً لحقوق الإنسان ولا القانون الدولي ، أو ما يسمى المجتمع الدولي كذباً وبهتاناً .

تعرضنا في سورية لأحداث جسام بدءاً من قصف الطائرات الصهيونية لعين الصاحب ، قرب دمشق ، ثم تجرؤهم على الهبوط بطائراتهم في منطقة دير الزور وتدمير موقع آخر ، وها هم أولاء الأمريكيون يهبطون في قرية السكري ليقتلوا أبناءنا من المدنيين ويدمروا بناءً كانوا يشيدونه .

رضي الله عن الإمام علي بن أبي طالب وكرّم الله وجهه حين قال في خطبته بمناسبة غزوة الأنبار :

{كَمْ قُلْتُ لَكُمُ : اغْزُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَغْزُوكُمْ ، فَوَاللهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ في عُقْرِ دَارِهِمْ إِلاَّ ذَلُّوا ، فَتَوَاكَلْتُمْ وَتَخَاذَلتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الغَارَاتُ ، وَمُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأوْطَانُ . وَهذَا أَخُو غَامِد قَدْ وَرَدَتْ خَيْلُهُ الأَنْبَارَ ، وَقَدْ قَتَلَ حَسَّانَ بْنَ حَسَّانَ البَكْرِيَّ ، وَأَزَالَ خَيْلَكُمْ عَنْ مَسَالِحِهَا . وَلَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ ، وَالأُخْرَى المُعَاهَدَةِ ، فيَنْتَزِعُ حِجْلَهَا وَقُلْبَهَا وَقَلاَئِدَهَا ، وَرِعَاثَهَا ، ما تَمْتَنِعُ مِنْهُ إِلاَّ بِالاسْتِرْجَاعِ وَالاسْتِرْحَامِ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَافِرِينَ ، مَا نَالَ رَجُلاً مِنْهُمْ كَلْمٌ ، وَلاَ أُرِيقَ لَهُمْ دَمٌ .

فَلَوْ أَنَّ امْرَأً مُسْلِماً مَاتَ مِن بَعْدِ هَذا أَسَفاً مَا كَانَ بِهِ مَلُوماً ، بَلْ كَانَ بِهِ عِنْدِي جَدِيراً} .

في كل غارة واعتداء على أرضنا نسمع من مسؤولين أننا سنرد في الوقت المناسب والمكان المناسب ولم نر هذا الرد حتى الآن وأضحت بلادنا مستباحة أرضاً وجواً ، وهنا أتساءل كما يتساءل غيري من المواطنين أليس لدينا دفاع جوي يمارس فيه جيشنا الدفاع عن بلدنا وناسنا ومقدساتنا ؟

 أم هل تحولت وظيفة قوى السلطة لتمارس قمعاً في الداخل بينما تبدي عجزاً وتقاعساً عن الدفاع عن الأرض والعرض ؟! .

أسئلة أطرحها صريحة على كل مسؤول بانتظار الجواب العملي . 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل تبنى الدولة اللبنانية على فساد القضاء

الدكتور طارق شندب محام وأستاذ القانون الدولي يبدو أن ما قاله وزير الداخلية …