أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (50)

إضاءات سياسية (50)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

المواطن بين المطرقة والسندان

12/05/2008

في عام 1960 كنت قاضياً في درعا وأشغل داراً مستأجرة بأجرة شهرية مقدارها ستين ليرة سورية ، وأقضي ليلتي الجمعة والسبت في دمشق حيث كان يقيم والداي رحمهما الله .

كنت أتقاضى دخلاً شهرياً يقدر بأربعمائة ليرة سورية  تكفي لإعالتي وزوجتي وولدي في درعا ووالدي في دمشق ، ويعادل دخلي الشهري في لغة المعيشة ثمن “110 كيلو غرام من اللحم” .

أمضيت في ليبيا معاراً في القضاء الليبي بين عامي “1965 و 1968” وحين عدت من هناك كان ثمن صفيحة “البنـزين” ثمان ليرات سورية ، بينما أسعار المواد الاستهلاكية في متناول الجميع ، وغالبية المجتمع من الطبقة الوسطى .

في السبعينات بدأ الفساد ينتشر ، وأضحت العقود الكبيرة التي تبرم مع الدولة خاضعة لنسبة معروفة “عمولة” من 5-10% من القيمة تدفع لمتنفذين في السلطة ، وبتنا نسمع ألقاباً مثل “مستر تن برسنت” .. وما إلى ذلك ، وأذكر أن السلطة عرضت استدراج عقود من أجل إنشاء معمل -خط كامل- للأحذية ، فحضر مندوب إحدى الشركات الألمانية من السودان وبعد أيام ثلاثة سئل عن رأيه في العمل فقال “السمعة للسودان” بمعنى الفساد والفعل “لسورية” ، وغادر دون أن يبرم أي عقد .

في اجتماع لمجلس الوزراء أثار بعضهم مسألة العمولات فكان الرد “أن هذه الأموال عبارة عن مساعدات تأتي من الخارج” فإذا ذهب قسم منها للجيوب وصرف الباقي على البلد فلا بأس ، ولا داعي لتكبير المسألة ، وهكذا بدا التأسيس للفساد .

منذ أيام عمدت السلطة لإصدار قسائم لتوزيع مادة “المازوت” على المواطنين بصورة تصيب كل أسرة ألف لتر من هذه المادة استناداً إلى دفتر العائلة ، دخلت إلى البلدية وسألت عن الأساس في التوزيع فقيل لي بأنه دفتر العائلة ، ولا يمنح سوى ألف لتر مهما كان عدد الأسرة أو حجم الدار المراد تدفئتها ، فتعجبت أن يكون التوزيع على هذا الشكل في حين قلت بأن الواحد منا يستطيع بدفتر العائلة أن يدخل إلى عشرين مركز انتخابي ويمارس فيها الانتخاب ، فأين هي المقارنة ؟ .

لم يمض سوى أيام حتى أضحت قسائم “المازوت” تباع في الأسواق بين عشرة آلاف وخمس عشرة ألف ليرة سورية للدفتر الواحد .

ثمة من أجرى دراسة على موضوع القسائم المشار إليها والتي أرسلتها شخصياً إلى السيد وزير الداخلية والنائبين محمد حبش وجورج جبور ، آملاً بحث هذا الموضوع ومعالجته في ضوء ذلك إلا أني لم ألمس أي حراك حتى الآن ، من غريب المفارقات أن السيد رئيس مجلس الوزراء أطل علينا من التلفاز ليجري مقارنة بين أسعار المحروقات في سورية وأسعارها في بعض دول الجوار ، إلا أنه لم يخطر على باله أن يجري مقارنة بين دخول المواطنين في سورية وبين دخول مواطني الدول المجاورة ، ذلك أن مجرد كون سعر المحروقات لدينا أقل من سعرها في الجوار لا يعني أننا في بحبوحة من العيش ، إذ المفروض كما يعلم السيد رئيس الوزراء مقارنة الأسعار بالدخول وهو ما لم يرد في كلامه حفظه الله .

منذ أيام صدر تشريع “منحة” بزيادة رواتب العاملين في الدولة بمقدار خمس وعشرين بالمائة من أساس الراتب ، في حين أن أسعار المواد الاستهلاكية والمواصلات تضاعفت نتيجة فلتان التضخم المالي .

إذا كان دخلي عام 1960 يعادل كما قدمت ثمن “110” كيلو غرام من اللحم ، بينما تعادل الآن قيمة هذه الكمية ستين ألف ليرة سورية ، بمعنى أن الموظف الذي يشغل مقابل وظيفتي في عام 1960 ينبغي أن يتقاضى راتباً يعادل ستين ألف ليرة سورية ، فأين تآكل هذا الراتب ؟

تضحك السلطة على المواطن بمنح العاملين خمس وعشرين بالمائة من أساس الراتب ، في حين أن الراتب نفسه قد تآكل ولم يعد للعملة السورية قيمة حقيقية ومع ذلك فإن هذه الزيادة هي “من بركات المنحة” .

أريد أن أسأل هنا مجلس الوزراء جميعاً ومجلس الشعب والجبهة الوطنية التقدمية وحزب البعث الذي يقود الدولة والمجتمع وكبار المسؤولين وخاصة مسؤولي الأجهزة الأمنية ومن يسيطرون على اقتصاد البلد من هؤلاء ، هل تكفيهم رواتبهم ؟ .

كيف يمكن لامرئ لديه أسرة من بضعة أولاد وزوجة أن يكتفي بأقل من خمسين ألف ليرة سورية شهرياً ؟

صحيح أن تحت كل مسؤول طرش من السيارات الفارهة والخدم من المجندين وسيل المحروقات المجانية ، إلا أنني أتساءل مع كل هذا كيف يمكن للمرء أن يعيش بمستوى الرواتب الحالية بما فيها الزيادة “المنحة”  ؟! أم أن هناك رفد آخر من الأموال تدخل الجيوب بدون حساب ! .

حين كنت في نقابة المحامين أواخر السبعينات زرت بصحبة الزميل رئيس الفرع الأستاذ إحسان مارديني مدير مالية دمشق ، وناقشنا مسألة الضرائب المفروضة على المحامين ، وحينها شرحت انعدام العدالة الضريبية في النقاط التالية :

1- لأن الحد الأدنى المعفى من الضريبة غير واقعي ، وليس صحيحاً إذ كان هذا الحد الأدنى مائة ليرة سورية واليوم أصبح خمسة آلاف .

2- لأن المواطن يقع تحت ضغط ازدواجية الضريبة بمعنى أنه يتحمل كافة الضرائب التي يسددها التاجر عن مستورداته والتي يدخلها في حساب التكلفة ، ويضيف أرباحه بعد ذلك ، وبالتالي فالمواطن يدفع ضريبة عما زاد عن الحد الأدنى المعفى من دخله ويدفع كذلك بصورة غير مباشرة الضرائب التي يدفعها التاجر .

3- لأن الإنفاق الحكومي لا يستند إلى أساس سليم فهو إنفاق يقع في خانة التبذير ونهب المال العام ، والانفلات من الرقابة ، وبالتالي لا يجوز أن تنعكس هذه الحالة على المواطنين بحيث تسحقهم الضريبة وتقتطع من لقمة عيشهم ، وتدفعهم إلى حافة الفقر .

لو أن السلطة استغنت عن الإنفاق غير المبرر والمتغول في أموال الشعب ، إذاً لما كان من حاجة لرفع أسعار المحروقات وجلد المواطنين في ضروريات حياتهم وحرمانهم من الحياة الكريمة ، أو لشعر المواطن بالمساواة تجمعه مع المسؤولين في الدولة .

حين كنا صغاراً في المدارس ، كان المدرسون يتسابقون لتعليمنا ، ويتبرعون بوقتهم وجهدهم من أجل ذلك ، أما الآن فقد أضحى التعليم أفضل استثمار تجاري ، فعزف الأساتذة عن بذل الجهد من أجل التعليم بصورة دفعت الآباء لاستئجار معلمين لساعات خاصة مأجورة من أجل تعليم أبنائهم ، وانتشرت المدارس والجامعات الخاصة وأضحت تكلفة التعليم عالية لا يحتملها إلا الخواص من الناس أو الفاسدون الذين يجنون المال الحرام ليدفعوه أقساطاً لأولادهم في هذه المدارس والجامعات ، وأضحى المواطن مسحوقاً يركض من أجل تحصيل قوت عياله ، بينما الدوائر المالية غالباً ما تصطاد أصحاب الدخول المعروفة ، من موظفين وعمال الذين لا يجوز أن يحمّلوا أية ضريبة تأسيساً على ما سبق ، ذلك أن دخل الموظف أو العامل لا يكفيه لسداد نفقات الحياة ، وبالتالي لا يجوز أن يكلف بأية ضريبة ، لأنه سوف يقتطع هذه الضريبة من قوت عياله ، بينما تفلت من الضريبة المافيات والحيتان الكبيرة المدعومة سلطوياً ، ومع أنها تتمتع بكافة وسائل الرفاه ومجانية المحروقات والسيارات الفارهة فإنها لا تدفع سوى النذر اليسير من دخلها ، ولقد تعلمنا حين كنا في كلية الحقوق صفات وزير المالية “أن يكون فظاً غليظ القلب صداعاً” ، وفي هذا المفهوم اخترع أحد وزراء المالية نظرية المشاركة في المال العام واستحدث نسبة من التحصيل الضريبي تذهب إلى جيوب موظفي المالية ، وبالتالي أصبح هؤلاء شركاء للدولة في تحصيل الضرائب تماماً “كما أيام العثمانيين” وتحول موظف المالية إلى جلاد بملاحقة المكلفين الصغار ، ولو بحثنا عن هذا الوزير لوجدنا أنه قد أصبح “مليارديراً” وضليعاً في الاستثمار التعليمي كما قدمنا سابقاً .

كل ذلك يتم على حساب الشعب المسحوق بينما يجد المواطن العادي نفسه بين مطرقة المالية التي لا ترحم وسندان الحياة الذي يتطلب منه كل شيء ، بينما هو يتلوى لا يعرف كيف يجد لنفسه مخرجاً من هذه المعادلة الصعبة ، وأنني لأتصور المواطن تحت مكبس ضخم ينهال عليه دون أن يعرف كيف يستطيع الانفلات منه . 

خطاب مفتوح إلى رئيس الجمهورية

عفواً السيد الرئيس

28/07/2008

منذ أيام تابعت على قناة الجزيرة ، في برنامج “لقاء خاص” ، الحوار الذي جرى بين الصحفي السيد محمد كريشان والسيد رئيس الجمهورية د. بشار الأسد ، وبرغم أن الرئيس أحاط بالإجابة على جميع الأسئلة ، إلا أن المحاور السيد محمد كريشان تعرض لموضوعين هامين هما : 

  • مسألة حقوق الإنسان في سورية .
  • موضوع السجناء المعتقلين .

وأقدم فيما يلي بعض الأفكار كي أوضح ما وقع من لبس في الإجابة على هذين الموضوعين :

في أواخر أيام الحرب العالمية الثانية ، 25 نيسان/أبريل 1945 عقد ممثلو خمسين دولة مؤتمراً في سان فرانسيسكو وهي الدول الست والأربعون التي وقعت تصريح الأمم المتحدة ، ومن انضم إليهم بعد ذلك ، وبتاريخ 16 حزيران/يونيو من ذات العام وقعت الدول ميثاق الأمم المتحدة وبدأت هذه الهيئة الدولية بإحدى وخمسين دولة هي الدول الأعضاء في مؤتمر سان فرانسيسكو مضافاً إليها الدول التي انضمت للميثاق فيما بعد ومنها بولندا .

وقد تضمن الميثاق النص على مبدأ احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في مقدمته والعديد من مواده (1-13-55-56-62-68-76) وابتداء من صدور هذا الميثاق لم تعد حقوق الإنسان من المسائل التي تدخل في الاختصاص الداخلي للدول ، بل أصبحت شأناً عالمياً يدخل في صميم القانون الدولي .

ثم صادقت سورية على العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ، كما صادقت مؤخراً على ميثاق حقوق الإنسان العربي بالقانون رقم (50) لعام 2006 .

ومعلوم أن المعاهدات الدولية واجبة التطبيق وهي تعلو القوانين المحلية ، إلا أنني أبين هنا بأن قضاءنا ، وخاصة الاستثنائي منه لا يكترث لتطبيق هذه المعاهدات ، وهو يتجاوز الكثير من القوانين بحجة حالة الطوارئ المعلنة في سورية منذ الانقلاب العسكري الذي اغتصب السلطة عام 1963 وحتى اليوم ، فضلاً عن القوانين الشاذة المخالفة للدستور والمعاهدات الدولية ، وبالتالي فقد جانب السيد الرئيس الصواب حين أجاب محاوره بأن مسألة حقوق الإنسان مسألة داخلية ، تدخل فيما يسمى التطوير والتحديث .

إنني أعتقد يا سيادة الرئيس إنك تعتمد على التقارير الأمنية التي تردك حول المعتقلات والمعتقلين إلا أنني كذلك وجدت بأنك جانبت الصواب حين أجبت محاورك بأن المعتقلين السياسيين أو معتقلي الرأي هم بالعشرات فقط ، وللحقيقة والتاريخ أود هنا أن أوضح نقاطاً عديدة :

¦ أن دُور التوقيف التي تدار من قبل الأجهزة الأمنية المختلفة والمتنوعة والمتعددة : أمن عسكري – أمن دولة – أمن سياسي.. الخ تغص بالمعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي .

¦ أن دور التوقيف هذه لا تخضع لرقابة قانونية من أية جهة من الجهات .

صحيح أن بعض نصوص قانون العقوبات قاسية ، وفضفاضة ، وغير محددة في بعض النواحي ، وهي تحتاج لإعادة النظر بعد الزمن الطويل الذي تراكم على هذا القانون إلا أننا في المقابل نحتاج إلى أن نلغي القضاء الاستثنائي برمته ، وفي أضعف الأحوال إخضاعه لرقابة قضائية عليا ، كما نحتاج لإلغاء جميع القوانين والنصوص التي تتعارض مع الدستور ، ومع قانون العقوبات العام ، ومع المعاهدات الدولية وحقوق الإنسان ، وبالتلازم نحتاج لأن نجري تعديلاً جوهرياً في قانون المحكمة الدستورية بحيث تعطى الصلاحية الكاملة لمناقشة دستورية القوانين حتى لو تم عرضها من قبل منظمات غير حكومية ، ذلك أن السلطة التنفيذية منذ إنشاء المحكمة الدستورية ، تتعمد عدم عرض القوانين على المحكمة الدستورية حتى تتمتع بصلاحيات غير محدودة لا تكبل يديها بنصوص محكمة .

إنني أريد أن أضيف بأن انعدام الشفافية في تعاطي السلطة التنفيذية مع الشأن العام يفقد المواطن ثقته بالسلطة من جهة ، ويؤدي من جهة أخرى لاعتياد العمل السري أساساً في التعاطي الحكومي ، ويلغي إمكان رقابة الشعب على عمل الإدارة ، وهذا الموضوع يتنافى مع الحكم الصالح المنفتح على المواطنين .

لقد تأمل الناس خيراً في خطاب القسم الأول ، وتوقعوا أن يجري إصلاح فعلي وخاصة في إطار القضاء ، هذا الجهاز الذي هو الحصن والضامن الوحيد لحقوق المواطنين ، وأن في دعمه واستقلاله ونزاهته ، وهي العوامل الأساسية التي تحفظ للمواطنين حقوقهم لمواجهة بعضهم ، ولمواجهة انحراف السلطة وظلمها ، ما يؤدي لاستقرار الحالة النفسية للشعب .

لقد تعلمنا في الفقه الإسلامي ما يسمى “فقه الأولويات” وفي رأيي أن أولوية الإصلاح تكمن في إصلاح القضاء بحيث يكون لدينا قضاء يفرض سيادة القانون على سائر المواطنين حاكمين قبل المحكومين ، ولا معنى لأي إصلاح آخر قبل ذلك ، ولأن العدل أساس الملك ، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية : (اللَّهُ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الْعَادِلَةَ وَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً وَلاَ يَنْصُرُ الدَّوْلَةَ الظَّالِمَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُؤْمِنَةً) الفتاوى 28/63 .

) … إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ … ( [هود : 88]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حكم الشرع في الاعتداء جنسيًا على معتقل

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. وردني سؤال من سائل …