أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / فتح القسطنطينية – 7 من 11

فتح القسطنطينية – 7 من 11

أ.د. أحمد رشاد

أكاديمي مصري
عرض مقالات الكاتب

المشهد: السادس

الفاتح يسبق عصره في حرب الأنفاق

 وبعد ستة أسابيع من الحصار والقصف والقتال بالأساليب التقليدية عن طريق البحر والبر تكشفت مواقع اقتحام القسطنطينية ووضحت الرؤيا أمام السلطان محمد الثاني وهي بين تكفور سراي وباب أدرنه وعند باب القديس رومانوس في وادي ليكوس وبالقرب من الــباب العسكـري الثالث .   وبدأ يفكر في وسيلة قتالية جديدة ومحاولة لفتح القسطنطينية بطريقة غير تقليدية تعتمد على مفاجأة العدو كما كان يفاجئه من حين إلى آخر  بأساليب قتالية جديدة وبارعة والتي تؤكد إصراره على الفتح وإحراز النصر بإذن الله تعالى  مهما كان الثمن باهظا ، هذا الفن الجديد من فنون القتال والحصار وحرب الأعصاب  يبرز لنا شخصية الفاتح وهو البعد الابتكاري  الذى يؤكد أنه كان سابقا لعصره وهو حرب الأنفاق .

         بدأ المسلمون في تنفيذ خطة الفاتح في حفر الأنفاق فحفروا تحت الأرض في مناطق مختلفة في محاولة لدخول المدينة  . وفى نفس الوقت الذى يقوم به بعض الجنود بحفر الأنفاق كان آخرون قيومون بهجوم متتابع في البر والبحر والعمل على ترويع أهـل القسطنطينية .

ولنا هنا حق في أن نقول : إن السلطان محمد الفاتح سبق زمانه وعصره في هذه الفكرة المبتكرة ويبدو أنه استخدم فيها العلم الهندسي لما نعلمه من كيفية الحفر لمسافة طويلة ومرور الخندق من تحت الأسوار الضخمة والعريضة ثم من تحت الماء بين السور الأول والسور الثاني للقسطنطينية ثم العبور من تحت السور الثاني ثم الدخول في مواقع محددة في مدينة القسطنطينية ، فضلا على عمق هذه الأنفاق تحت الأرض حتى لا تسقط على العاملين فيها وكيفية الحفاظ على سقف النفق وكيفية مرور الهواء بداخلها للتنفس وأيضا الناحية الهندسة التي تحافظ على هذا النفق وتحديد الاتجاهات التي سيمر منها النفق حتى يصل إلى المكان المنشود وغيرها من أساليب بناء الأنفاق ، فهذا معجز في زمان السلطان محمد الفاتح ، وقد علمنا أنه كان يجل العلم والعلماء ولذلك استخدم المهندسين المختصين في هذا العمل البديع ، وإن كنا في زماننا هذا نعد الأنفاق التي صنعها إخواننا في فلسطين من أبطال حماس حفظهم الله وسدد خطاهم وكذلك الأنفاق التي استخدمها حزب الله في حربها ضد العدو الغاشم  من المعجزات أو الأعمال الهندسية التي ليس لها مثيل في التقنية والحفر والبناء .فما بالكـم من هذا العمل البديع منذ أكثر من خمسمائة سنة .

بدأ المسلمـون في جد ونشاط تنفيذ الأنفاق حتى وصلت إلى داخل مدينة القسطنطينية ، وفى ليلة 16 مايو 1453 م سمع سكانها ضربات شديدة تحت الأرض أخذت تعلو وتقترب من سطح الأرض كأنها تتلمس طريقا لخروج الجنود منها إلى المدينة ، فأسرع الإمبراطور بنفسه ومعه قواته ومستشاريه من المهندسين ناحية الصوت ، وكان فيهم مهندس نمساوي حاذق هو جان جرانت الذى أدرك ما يفعله العثمانيون. فقرر الإمبراطور الإعداد لمواجهة هذا الاختراق الجديد بحفر أنفاق مماثلة لمواجهة المهاجمين ، وبدأ الحفر في اتجاه حفر العثمانيين حتى وصلوا إلى نقطة معينة فكفوا عن الحفر وصعد العمال ، حتى إذا وصل العثمانيون إلى الأنفاق التي أعدت لهم ظنوا أنهم وصلوا إلى سراديب خاصة وسرية تؤدي إلى داخل المدينة ففرحوا بهذا ولكن الفرحة لم تستمر فلم تكن أعينهم تلمح السماء من خلال النفق ، إذ فاجأهم الروم فصبوا عليهم ألسنة النيران والنفط المحترق فاختنق الكثير واحترق قسم آخر وعاد الناجون منهم أدراجهم من حيث أتوا  .

         لم تفت هذه النتيجة المؤلمة في عضد السلطان الفاتح ولم تقلل من عزيمة الجنود الذين خرجوا من أجل الفتح أو الشهادة في سبيل الله  بل على العكس ضاعفت من العزيمة والإصرار،  فعاود الجيش العثماني الحفر مرة أخرى في مواضع مختلفة في الجزء القريب من بوابة Calyariam   ، وهو الجزء الممتد بين أكرى قبو  وشاطئ القرن الذهبي وكان مكانا ملائما لمثل هذا العمل ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن فشل الأنفاق السابقة وموت الكثير من الجنود لم يفت في عضد الجند المسلمين ولم يدب اليأس أو الخوف  في قلوبهم ، وظلوا كذلك حتى أواخر أيام الحصار مما أصاب أهل القسطنطينية الخوف والفزع الشديد حتى إنهم ساروا يتسمعون بين حين وحين إلى مواطئ أقدامهم حتى إنهم كانوا يتخيلون أن الأرض ستنشق ويخرج منها المسلمون لينقضوا عليهم ، وكثيرا ما كان يخيل لهم أن أصوات أقدامهم وهم يمشون إنما هي أصوات خفية لحفر يـــقوم به العثمانيون ، وكانوا يتلفتون يمنى ويسرى  ويشيرون هنا وهناك في فــزع ويقولون هذا تركى … هذا تركى ويجرون هربا من أشباح يحسبونها أنها تطاردهم ، وكانت الإشاعات تتناول بين العامة فيسمعونها وكأنها حقيقة رأوها بأعينهم ، هذا الفزع أطار النوم من عيونهم وأذهب وعيهم حتى لكأنهم سكارى وماهم بسكارى  ، فريق يجرى وفريق يتأمل السماء ومجموعة تتفحص الأرض ، والبعض ينظر في وجـــــوه البعض الآخر في ذهول ورعب  .

         لم يكن هذا الجهاد والإصرار والعزيمة على حفر الأنفاق المتعددة يسيراًَ وسهلا بل أودت بحياة كثير من الجند العثمانيين فمنهم من مات حرقا ومنهم اختناقا في باطن الأرض ، ووقع الكثير منهم في أسر الروم فقطعت رؤوسهم وقذف بها إلى معسر المسلمين  ، ولكن هذا كله لم يزد المسلمين إلا عنادا وإصرارا وكأن الخطر يغريهم إغراء بالمجازفة والشجاعة والإقدام   . مما أثار إعجاب أهل القسطنطينية على هذه البسالة والتصميم على فتح مدينتهم مهما كان الثمن . كما كتب ذلك بعض المؤرخين الصليبيين المعاصرين لهذه الأحداث مثل كباربار و البندقي وتتالدي الفلورنسي     .

تعليق واحد

  1. قواكم الله بالصحة والعافية 🌹 دكتور….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (4)

محمد الحاج باحث وأكاديمي سوري من العوامل التي سهلت نشوء البابوية وسيطرتها، إلى …