أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / نجوم خلف الأسلاك الشائكة

نجوم خلف الأسلاك الشائكة

محمود الجاف

كاتب وصحفي عراقي
عرض مقالات الكاتب

اختلف الناس في فهم وتفسير معنى الرجولة . فمنهم من قال : إنها القوة والشجاعة والحزم والكرم . وآخرين قالوا : هي الصدق في العهود وقوةٌ في القول واستعلاء على المُغريات ورأيٌ سديد وتضامن . أما في ميزان الإسلام فهي الأعمال الفاضلة، والأخلاق الحسنة والإيمان .
كلها تظهر عند الحاجة إلى رجال لايخافون في الله لومة لائم . وهي ليست بالأعمار المتقدمة، فكم من شيخ كبير سلوكه يُشبه طفلًا صغيراً ذا لحية وشارب . حاصر خالد بن الوليد الحيرة، فطلب من أبي بكر مدداً فأرسل له القعقاع بن عمرو التميمي وقال : لا يُهزم جيش فيه مثله . وإن لصوته في الجيش خيرٌ من ألف مقاتل! …

عندما هبطت بي الطائرة ( بلاك هوك Black Hawk )‏ في سجن أبو غريب في ( 2003 . 09 . 26 ) وجدت رجالًا من نوع خاص . صبراً وخُلُقاً وشهامة . كانت من أصعب الأيام التي مرت في حياتي، وأكثرها إيلاماً، فقد عاصرت الحرب مع إيران إلا أنني لم أر الذل، والمصير المجهول والإرهاب الذي رأيناه، فقد كانت أول مرة في حياتي أرى فيها الزمن يتوقف، بل أحيانًا يعود إلى الخلف، والأحلام تموت، والليالي تبدو دوراً، يطول فيها الانتظار حتى تنقضي تلك الذكريات المريرة التي حفرت في أرواحنا آثاراً لا تنسى … وجدت كواكباً خلف الأسلاك الشائكة . دموعهم وعذابهم ودماؤهم حولت تُرابه إلى أفضل أنواع الحسناء، وكشفت صورة الديمقراطية الحقيقية .
الخدعة التي دمروا، وَقَتَلوا مِن خِلالِها الشعوب، وَصادَروا حُرياتِهم . وجدناها عجوز شمطاء كذابة مُنحرفة تَقطُر الدماء مِن أنيابه، ويَجري خَلفَها الكَثير مِن الجِراء الصفوية القَذِرَة التي تَنثُرُ المَوتَ وَالعَذاب حَيثُما حَلَت . احتجزونا بين أربعة جدران كونكريتية على التراب صيفًا وشتاء حفاة شبه عُراة ومنعوا عنا حتى ورق الكارتون الذي كنا نود أن نضعه تحت أجسادنا ليحمينا من البرد القارص .
يأتينا الماء في جلكانات ويوزع لكل منا أربع أو خمس قناني يتم تبريدها صيفًا من خلال لفها بقطعة قماش، أو الجوارب، وتترك في العراء، وعندما يريد أحدنا أن يغتسل عليه الانتظار مدة قد تطول شهراً، أو يجمع من الخيرين أو ينتظر سقوط الأمطار . وتحدث لي بعض الإخوة عن ما يسمى ( الخوطة )، وهي جمع فضلاتهم ثم سكب النفط، أو الكاز عليها، وخططها، ثم حرقها في تكريت؛ لأني لم أنها، فقد نقلت مباشرة دون المرور بها …

تعمدوا إعطاء المُعتقلين طعامًا أصابهُم بالإسهال الشديد، ولايوجد سوى مرافق عدد اثنين فقط لنحو 200 شخص، ولكم أن تتخيلوا ماجرى .
ما أقوله ليس من قصص ألف ليلة، وليلة بل حقائق مازال الكثير من شخوصها أحياء، ولهذا كل حين كان يسقط أحدنا ميتًا من الحزن، والتفكير، ومنهم اللواء الركن عجيمي برع أحمد الخطاب رحمه الله .
كان الأبطال يتسللون ليلاً من تحت الأسلاك الشائكة، ويأتونا بأكياس الطعام المكدس قرب خيمة الحراس؛ ليطعموا الجياع . وتخيلوا أن شابّاً يُدعى عادل زبار الجميلي في مُعتقل لايسمح لنا فيه بالاتصال بأحد، والأنوار الكاشفة موجهة علينا، ويُراقبنا الجنود من كل الاتجاهات ليلاً ونهاراً، ويُمنع إشعال النار فلا نأكل إلا الطعام البارد طيلة مدة بقائنا في مايسمى ( الثقيلة )، ومع هذا يصنع القهوة بطريقة تجعلك تتساءل من هؤلاء وكيف تربوا، وأي أمهات أنجبتني، وأي ظهر كريم أنبتهم .
كان يخلطها مع الماء في قنينة صغيرة، ويضعها تحت أشعة الشمس حتى تجهز ثم يسقينا والفنجان هو الغطاء .
وكان عادل مع خالد علي عباس وحامد نايف وعمر إسماعيل يكتبون على المناديل الورقية ( الكلينكس ) الرسائل، ويلفونها على حصى، ويُغلفونها بالنايلون ويقذفها حامد إلى الخفيفة، وهي مسافة بعيدة جدًا، وبدورهم يجيبون على ما نريد ويعيدونها بالطريقة نفسها، معتقلين في سجن داخل سجن، وتمكنوا من إرسال، واستلام الرسائل فمن أي معدن خلق هذا الشعب …

كان بعض الإمعات يدخلون لتنظيف المرافق الصحية من الذين طالت ألسنتهم، وكنا نطلب منهم الاتصال بذوينا، ولكنهم لا يلتفتون إلينا لأنهم سعداء بالدولارات التي أنكروها الآن . كثير منا كان يريد أن يعرف هل اعتقلوا عائلته أم لا ؟ لأنهم أخبروا البعض منّا أنهم قد جاءوا بهم، وأنا منهم، وهذا الأمر دمر أصابنا، ولولا فضل الله لكاد القلق، والألم أن يفتك بنا .
ثم بدأ يدخل إلينا صباح مع عجلته التي ينقل فيها الطعام، وهو من الفلوجة أيضًا، ولكنهم حاصروه يوما وبدأوا تفتيشه بشكل مفاجئ، والحمد لله لم يكتشفوا شيئًا لكنهُ منع من العودة مرة أخرى، فقد اتهم بنقل الرسائل أيضًا، وبعد أيام دخلت سيارات مع شفل لفرش الحصى أمام نقطة الحراسة لأن الأرض كانت موحلة جدًا، ومعهم رجل يُدير العمل، ولكنه بدأ يسأل عن الأسماء، وأرقام الهواتف، وتبين أنهم دخلوا بهذه الحجة، وهم من الفلوجة أيضًا، هذه المدينة التي حفرت اسمها في ذاكرتنا بحُروف من نور …

كان عدد الكمبات 5 أحدها للمرضى وأنا في Vigeland . . B الذي يضم بين ثناياه عربيا، وأكرادًا، سنة، وشيعة، وتركيا، ونصارى من خيار القوم، ومنهم الفريق الركن علي اللهيبي الذي كان يجاهد من أجل أن يحصل لنا على ملابس، أو طعام، والفريق الركن نوري داوود المشعل رحمه الله، والحاج رشيد الدليمي، والدكتور عمر عبد الستار، والصيدلاني محمد علو، والأستاذ عبد الأحد النصراني ( أبو وسام )، والشيخ صدام من السعدية، والسيد طه النعيمي، واللواء الركن هيثم، والعقيد رياض برع، والملازم واثق غالب غايب، وسالم عبد المحسن رحمه الله الذي تمت تصفيته بعد إطلاق سراحه؛ لأنه كان ضابط مخابرات، وغياث بركة، وشقيقه غزلان، والهبارية جماعة الشيخ متعب الهلال، وإدريس قبع من الموصل، والرائد رفعت حامد ( أبو نور ) ومُعتصم السامرائي، وعبد الله الأردني، ومكين السوري، وأربعة سعوديين، وجمعة من اسبوعين، والحاج مثنى من الرحمانية، والأستاذ حامد الجواري، والشيخ جمال من الفلوجة، والشيخ أيوب يوسف والأخ عماد الجنابي، والأخ فائز الذي قطع من لحم جسده بواسطة الكتر في البغدادي، وكان مشلولًا تقريبًا، وكنا نسمع أحيانًا صراخ النساء، وفي طريقي إلى التحقيق يومًا رأيت إحداهُنَّ، وقد مُزق ثوبها من الأمام فخاطته بسلك لتستر عورتها . وآخرين جيء بهم عراة، وصور أخرى كثيرة، فقد كانوا يتعمدون إهانتنا خُصوصًا أثناء التفتيش .

بعد سبعة شهور، ونصف نودي على الرقم ( 151092 ) الوسام الذي منحني الله إياه كرمًا منهُ، ومِنَّةً، ومعي الأخ الحبيب الفريق الركن أبو وضاح رحمه الله، والأخ طه، ثم جيء بالشيخ غازي الحنش رحمه الله، وبعض الإخوة الآخرين .
أخذوا الشيخ غازي، وقيدوه بقسوة، ووضعوا الكيس على رأسه، فأقلقنا هذا الأمر، واعتقدنا أننا سنرحل إلى مكان آخر أكثر بُؤسًا، ولكن تم نقلنا إلى الخفيفة، وتبين أنه كان مجرد استعراضًا حقيرًا فعلوه كثيرًا مع غيرنا على أمل إصابتنا بالجلطة الدماغية أو القلبية … المكان الجديد أكثر راحة، ويمكنك أن تغتسل، وقت ما تشاء، وتأكل الطعام الحار وتمكنت من رؤية أحد أشقائي بعد 8 شهور، وعرفت أن أهلي في مكان آمن منذ اعتقاله، ولكنهم طردوه بسرعة، وأعادوني لكنني حصلت على ما أريد، فقد عرفت مصير عائلتي … في الخفيفة وجدت الأخ ظافر الشيخ حسين محاي النعيمي، والأخ قاسم الجيسي من الإسحاقي والاخ صدام والاستاذ صالح، والأخ أبو رشا من مدينة بهرز، والشيخ أحمد ابن الشيخ عبد الله الجنابي، والأخ عبد الحكيم زبار شقيق عادل، والأخ الحبيب البطل الذي أذاق المُحتل الأمرَّين جيهان رشيد الدليمي رحمه الله الذي تمت تصفيته بعد خروجه من قبل عملائهم الذين يدعون المُقاومة الآن، هذا الرجل الذي ترك فقدانه في قلبي جرحًا غائرًا لا يندمل أبداً . جهز لي فراشًا مع وسادة وضعت عليها رأسي أول مرة بعد تلك المعاناة؛ لأننا كنا نغفوا على حفنة من التراب، وكان يتوسل بي كي أتناول الطعام؛ لأني كنت نحيفًا جدًا، فقد كنا هناك جثثاً تمشي على الأرض .

في يوم الجمعة، وبعد عام كامل تم نقلنا إلى بغداد بحماية الأمريكان في باصات كبيرة؛ لإطلاق سراحه، ولكنهم توقفوا في الطريق، وطلبوا مني النزول في الشارع وحدي في خطوة سخيفة لم أفهمها، فتوقف لي أحد الأخوة الذي تبين أنه كان يتبعنا في سيارته، واحتضنني وسلم علي وأراد أن يأخذني إلى بيتهم؛ لااأغتسل، وأتناول الطعام، وأغير ملابسي، ثم أذهب إلى عائلتي، فشكرته، وطلبت منه إيصالي إلى كراج العلوي، ومن هناك استأجرت التكسي إلى مدينتي الحبيبة بعقوبة …

أبو غريب كان شاهداً على شجاعة، وصبر هذا الشعب العظيم، وتجاهل، وجُبُن، وكذب دعاة الحرية، وحقوق الإنسان، وشاهداً على من قاوم، ومن تخاذل، ومن الذي من خلال جهله بالدين، وسلوكه الخاطئ، وعنجهيته الفارغة ضيع تلك الانتصارات الرائعة وخدم المحتل ونظام الملالي … العراقيون ورغم كل المؤامرات التي حيكت عليهم قدموا كل ما استطاعوا، فلا تتهموا، أو تنكلوا بأحد؛ لأن سماء العراق الآن تغطيها غيوم الاحتلال، ولهذا لا يمكن التمييز بين الأقمار، والنجوم، فانتظروا حتى تشرق شمس التغيير، وعندها ستفهمون كل شيء … وأخيرًا في التحقيق كنت أريد أن أنقذ نفسي، فأردد دومًا أننا أكراد، ونحن معكم، ولكن المحقق مصر على أن المعلومات التي يملكها عني صحيحة، وأخيرًا نظر في عيني مباشرة، وقال لي بشكلً مُفاجئ: هل كلامك هذا يعني أنك لست عراقيًا ؟

أحزنني أن أقول لا … حتى لو بقيت سجينًا طوال حياتي . عينايا كانتا قد التقتا برهة، و أنا أفكر؛ ثم ابتسمت وقلت له: أنا عراقي ونُص .

وأعتقد أن هذه كانت هي جريمتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أرمينيا تعلن حالة الحرب – إيران والإمارات يدعمان أرمينيا

أحمد الحسين أعلنت وزارة الدفاع الأذرية أن الجيش قرر إطلاق هجوم معاكس على طول خط …