أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أسرار هيجان العالم ضد تركيا بسبب آيا صوفيا

أسرار هيجان العالم ضد تركيا بسبب آيا صوفيا

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

لا تكاد تخرج تركيا من دوامة انتقادات محمومة حَتَّىٰ تدخل في دوامة أُخرىٰ أشد من سابقتها. ولا يتوقف الأمر عَلىٰ الانتقادات التي في أصلها تقول عَلىٰ باطل محض ومزاعم كاذبة بل يتعدى الأمر ذٰلك إِلىٰ التشويه الصريح المقصود والافتراء العمد المحض.

إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا كانت سبباً لآخر موجات التَّهجُّم على تركيا. والحقيقة أنَّ العالم المسيحي ذاته غير معنيٍّ بآيا صوفيا إن كانت كنيسة أم لا، ولا إن كانت ستعود مسجداً أم لا… ولذلك كانت مفتاحاً لا سبباً فالتهجم عَلىٰ تركيا والطعن فيها وفي سلوكها وقراراتها وأفعالها لا علاقة له بإعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا بحال من الأحوال، وإنَّما اتخذوا الأمر ذريعة لشن الحروب عَلىٰ تركيا.

كيف كان ذٰلك ولماذا؟

هٰذا ما سأبينه فيما يلي من المقال.

منذ أيام وتحديداً في يوم الجمعة 10 تموز/ يوليو 2020م ألغت المحكمة الإدارية التركيَّة العليا المرسوم الحكومي الصادر عام 1934م القاضي بتحويل آيا صوفيا من مسجد إِلىٰ متحف. هٰذه نقطة أولى.

النقطة الثانية أنَّ هٰذا الحكم لم يكن مكايدة ولا معاندة وإنما جاء استناداً إلى وثائق تاريخية تؤكد شراء السلطان محمد الفاتح مبنى كنيسة أيا صوفيا من القساوسة قبل تحويله إِلىٰ مسجد.

النقطة الثالثة أنَّ السلطان محمد الفاتح لم يحول آيا صوفيا من كنيسة إِلىٰ مسجد عنوة، وهٰذا أصلاً حقٌّ متعارف عليه في تلك الأيام ناهيك عن شرعيته، ومع ذٰلك لم يفعل ذٰلك عنوة ولا قهراً وإنما بالتراضي بناء عَلىٰ معطيات تاريخية كثيرة منها أنَّ النصارى هجروا الكنيسة وكانت بحكم الخرابة أيام الفتح الإسلامي لها.

وعَلىٰ الفور وقع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مرسوم إعادة مسجد آيا صوفيا إِلىٰ وضعه الطبيعي وليس تحويل آيا صوفيا إِلىٰ مسجد كما يقولون إيهاماً وتضليلاً. وأعلن في بيان مستقل عودة افتتاح المسجد أمام المصلين في 24 تموز/ يوليو 2020م، وأضاف للإيضاح والبيان أنَّ تركيا مارست حقَّها السِّيادي في إعادة افتتاح المسجد وأنَّ تركيا سوف تعتبر أيَّ انتقاد لهذه الخطوة تجاوزاً عَلىٰ سيادتها. قال ذٰلك ليجعل العالم يفكر مليًّا قبل الانتقاد لأَنَّهُ يعرف ماذا فعل وتفعل تركيا، ولم تكن خطوة غير مدروسة ولم تكن خطوة سياسية بحال من الأحوال.

ومع ذٰلك فإنَّ العالم هاج وماج وأرغى وأزبد وشنَّ جملة حملات إساءة لتركيا والخلافة العثمانية وحَتَّىٰ دين الإسلام ذاته. حملة مسعورة تعجز عنها الكلاب الشاردة الجائعة وقد لمحت طيَّ السراب فريسة تسد الجوع ولٰكن بَيْنَها وبَيْنَ الوصول إليها حائل.

كثيرة هي الحملات السابقة عَلىٰ حملة آيا صوفيا في الطعن بتركيا والإساءة لها وتشويه صورته وصورة الرئيس طيب أردوغان. ولٰكنَّ هٰذه الحملة كانت أشد وقاحة وأشد جرأة لأنها في ظنهم انبنت عَلىٰ حقائق دامغة وشرعية قويَّة تأتت حسب أوهامهم من أنَّ المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة المسماة اليونسكو، التابعة لهيئة الأمم المتَّحدة، في ثمانينيات القرن المنصرم، قامت بإدراج آيا صوفيا بوصفها متحفاً عَلىٰ لائحة التراث العالمي. ركزوا عَلىٰ أَنَّهُ متحف لأغراض يريدونها. فظن الظَّانون أن ذٰلك يعني أنَّهَا ملكية عالمية وأنَّ ذٰلك لا يجيز إعادتها إِلىٰ مسجد، وأنَّ وأن…

سأعود إِلىٰ ذٰلك بعد قليل. ولٰكن إليكم دليل واحد أولي من أدلة كثيرة عَلىٰ هٰذا التفسير فبعد ساعات أو أقل من قرار المحكمة التركية العليا أعربت وزارة الخارجية الأميركية عن خيبة أملها إزاء القرار التركي. ومثلها كثير من الدول، ولٰكنَّ الطريف في الأمر هنا أنَّ مورغان أورتاغوس المتحدثة باسم الوزارة قالت: «إنَّ هٰذا المبنى يندرج تحت قائمة مواقع التراث العالمي الخاصة باليونسكو». أي ملك اليونسكو كما توهم الكثيرون الذين بنوا هيجانهم عَلىٰ أساسه.

ويؤكد ذٰلك بوضوح أيضاً نوتيس مارياس رئيس حزب اليونان- الطريق البديل، العضو في البرلمان الأوروبي، الذي قال في حديث لوكالة نوفوستي الروسية: «قرار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن آيا صوفيا ينتهك قرار اليونسكو الذي أعلن الكاتدرائية موقعا للتراث العالمي… آيا صوفيا ليست غنيمة أردوغان، إنَّهَا ملك للبشرية جمعاء».

العالم الغربي ركز انتقاداته عَلىٰ هٰذا الأساس وانطلاقاً من هٰذا الجانب لأَنَّهُم يدركون حقائق كثيرة خطيرة تجعلهم في حيطة من فتح النيران عَلىٰ أنفسهم فيما لو استخدموا تلك الذَّرائع.

المؤلم الفاجع أنَّ أسوأ الانتقادات وأشنعها بل وأكثرها جاءت من اليساريين العربي ومن أغبياء المسلمين وحمقاهم ومن قواد العالم العربي وخاصة السعودية والإمارات ومصر ناهيك عن غيرهم.

أطرف لانتقادات وأشدها كوميدية وهزلية وأكثرها تعبيرها عن جوهر الحقيقة هو انتقاد اليونسكو أي منظمة التربية والثقافة العربية التي أعلنت يوم صدور قرار المحكمة العليا التركية قائلة: «إنَّ لجنة التراث العالمي ستراجع موقف آيا صوفيا بعد أن أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان أن المبنى الأثري في إسطنبول سيفتتح كمسجد». وأضافت اليونسكو في بيانها: «تدعو يونسكو السلطات التركية لفتح حوار من دون تأخير لتجنب العودة للوراء فيما يتعلق بالقيمة العالمية لذٰلكَ الإرث الاستثنائي والذي سيخضع الحفاظ عليه لمراجعة من لجنة التراث العالمي في جلستها المقبلة».

دعك من كلِّ الانتقادات وقف لحظة هنا.

ماذا يعني كلام اليونسكو وخبراء التربية والثقافة العالميين؟!

يعني أنَّ البناء ذاتها إذا حمل صفة مسيحية أو غير إسلامية فهو ذو قيمة عالمية ومهمة، وإذا كان ذا صفة إسلامية فلا يجوز اعتباره ولا يجوز وضعه عَلىٰ قائمة التراث العالمي… يجب سحب الاعتراف منه. هٰذا اعتراف عالمي رسمي من أعلى سلطاته بأن العالم ومنظماته تحارب الإسلام ورموز الإسلام علناً جهاراً نهاراً وبالفم الملآن صراحة ووقاحة.

بعد هٰذا الاعتراف الصَّريح بأن المجتمع الدولي بمؤسَّساته الرَّسميَّة العالميَّة متضافر عَلىٰ الحرب عَلىٰ الإسلام والمسلمين ورموز الإسلام فهل تحتاج أن تقف عن تصريحات الدبلوماسيين من هٰذه الدولة أو تلك وهي تصريحات دبلوماسية تتضمن المجاملة واللباقة وتقوم عليهما؟

قبل قرار المحكمة التركية العليا بأكثر من أسبوعين وتحديداً في 6 تموز/ يوليو 2020م أعرب المتحدث الرسمي باسم الكرملين عن «أمل الكرملين في أن تأخذ السلطات التركية في الحسبان وضع آيا صوفيا كأحد مواقع التراث العالمي وكقبلة مقدسة لدى السياح الروس». عزف عَلىٰ الوتر ذاته من دون الاقتراب من أَنَّهُ كان كنيسة يوماً من الأيام وإن لم تخلو تصريحات الروس وغيرهم من هٰذه الفكرة عَلىٰ حياء وعدم تركيز لأسباب يدركونها هم.

ومثل الكرملين كان شأن اليونانيين الأشد إظهاراً لانتقاداتهم وتعبيراً عن الضمير الغربي الذي يترك لهم أمرر البعبعة فقد قال رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس إِنَّهُ «يندد بأشد العبارات قرار أنقرة تحويل متحف آيا صوفيا في إسطنبول إِلىٰ مسجد». تحويل وليس إعادتها إِلىٰ وضعها، وقال مدير مكتب ميتسوتاكيس، في بيان خاص: «هذا اختيار يسيء إِلىٰ كل ِّأولئك الذين يعترفون بهذا المعلم الأثري باعتباره موقع تراث عالميا». عوف أيضاً عَلىٰ وتر التراث العالمي الذي بتنا نفهم ماذا يعني، وتابع بأنَّ ذٰلك «بالطبع لن يؤثر فقط عَلىٰ العلاقات بَيْنَ تركيا واليونان، وإنما أيضا عَلىٰ علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي»، وكأن العلاقات التركية اليونانية كانت سمناً عَلىٰ عسل ولمتكن اليونان في كل شاردة وواردة طعانة في تركيا وفي ذٰلك حكايات كثيرة ليس هٰذا مكانها، وكذلك شأن الاتحاد الأوروبي الذي يحتاج موقفه العدائي لتركيا إِلىٰ كتب لا مقالات، من قبل آيا صوفيا بكثير.

لا أطيل في الانتقادات الغربية والهجمة الغربية الشرسة المحمومة ضد تركيا بهذا الشأن إلا أنَّ خلاصتها ومحورها كانت بناء عَلىٰ ما سبق، ولٰكنَّ المؤلم كما قلت أنَّ النقد الأشد والوقاحة الأكبر كانت من العلمانيين العرب وأدعياء الإسلام العرب والحمقى والأغبياء من المسلمين وخاصة العرب منهم وأيضاً من الأنظمة العربية الحاكمة وخاصة السعودية والإمارات ومصر ناهيك عن غيرهم ولٰكنَّ هٰذا الثلاثي هو رأس الحربة في الحرب عَلىٰ الإسلام والمسلمين ورموز الإسلام.

حملة هٰذا الفريق العربي من حكام وأبواق الحكام وبلهاء المسلمين والعلمانيين كانت مسعورة أكثر من الغرب وأشد، الغرب حاول ألا يظهر البعد الديني لكون المسجد كان كنيسة من قبل، وغير ذٰلك من معطيات متصلة به، وركز عَلىٰ بدعة أنها من التراث العالمي بقرار اليونسكو، أما فريق بلهاء المسلمين والمحسوبين عَلىٰ الإسلام فانسعروا أكثر من الكلاب المسعورة عَلىٰ تركيا فطعنوا في الخلافة العثمانية وطعنوا في الأتراك بل طعنوا في الإسلام ذاته وأفتوا بما ليس من الإسلام في شيء… كل ذٰلك لمهاجمة أردوغان وتركيا وتشويه صورتها واتهامها وتحريض الناس عليها، ولا أعدد ماذا فعلوا لأنَّ ذٰلك فوق الحصر فعلاً لا مبالغة. مفتي الأزهر أنكر حديث رسول الله في فتح القسطنطينية ووصف فتح القسطنطينية بأنَّهُ غزو واحتلالٌ غاشم!!! وقاحة فاقت الحدود…

الإعلام المصري السِّيساوي بطبيعة الحال قلَّل الأدب عَلىٰ تركيا وعَلىٰ العثمانيين وعَلىٰ أردوغان وحَتَّىٰ عَلىٰ الإسلام بوقاحة عجيبة.

لم يكن إعلام السعودية الإمارات، وهما قرنا الشيطان، وأبواق النظامين الحاكمين فيهما أقل وقاحة وسفاهة من الإعلام المصري في كل ما سبق.

لا أطيل في عرض هٰذه الانتقادات والطعون والإساءات وأنواعها وأصحابها فلا أهدف إِلىٰ ذك أصلاً هنا، ويعرفها كل أحياء اليوم من المتابعين، ويمكن العثور عليها بسهولة في مواقع الإنترنت ومقالات كثيرة وقفت عند هٰذا الشأن. ولٰكن لا بُدَّ من إلقاء ضوء عَلىٰ محاورها الأساسية للخلوص منها إِلىٰ سبب هٰذه الحملة المحمومة المسعورة ضدَّ تركيا.

أولاً: من ناحية فتاوى شيوخ السلاطين العرب خاصة وخاصة مصر والسعودية والإمارات هي فتاوى انتقائية عدوانية ضد الإسلام والمسلمين وتركيا لا أساس شرعي لها عَلىٰ الإطلاق، هدفها تحريض المسلمين عَلىٰ تركيا واعتبار سلوكها غير شرعي وهٰذا محض خطأ وافتراء عَلىٰ الإسلام قبل أن يكون عَلىٰ تركيا، وقد كتب الكثيرون في تحليل ذٰلك وتفصيله ويمكن للراغب الرجوع إِلىٰ هٰذه المقالات التي دحضت مزاعم شيوخ السلاطين. ومع ذٰلك لا بأس من عرض حكم الشرع الإسلامي في ذٰلك باختصار:

ـ البلاد التي تفتح عنوة يجوز تحويل معابدها إِلىٰ مساجد، ولا يجب ذٰلك. يجوز ولا يجب، يعني الأمر عائد إِلىٰ الفاتحين إن شاؤوا حولوا وإن شاؤوا أبقوا.

ـ البلاد التي تفتح بالتراضي أي من دون حرب يكون ذٰلك بالضرورة بموجب اتفاقيات؛ الاتفاقيات التي تحدد السماح أو عدم السماح بتحويل المعابد إِلىٰ مساجد. ففتح بلد بالتراضي مع أهله لا يمنع تحويل معابدها أو بعضها إلى مساجد.

ـ الحالة الوحيدة التي لا يجوز فيها تحويل الكنائس والكُنُس إِلىٰ مساجد في البلاد التي يتم فتحها هي أنَّ الفاتحين يعطون عهداً بعدم تحويلها إِلىٰ مساجد.

هٰذه أحكام الشرع الإسلامي وهو الشرع الوحيد الذي يلتزم ويتقيد بهذه الأخلاقيات، وشرائع الأمم في ذٰلك هي شرعة الغالب الذي يفعل ما يريد وما أكثر ما خانوا عهودهم ووعودهم.

ثانياً: من ناحية كونها محتسبة عَلىٰ التراث العالمي بقرار اليونسكو في الثمانينيات بيَّنت قبل قليلة انَّ ذٰلك كذبة وخدعة وضلالة في الوقت ذاته، وكيف أنَّ هٰذا القرار والتعليق عَلىٰ إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا من قبل اليونسكو يدل عَلىٰ مَدَىٰ وقاحة وقذارة مؤسسات المجتمع الدولي في وضوح حربها عَلىٰ الإسلام ورموز الإسلام.

ثالثاً: من ناحية الملكيَّة، مهما كان شأن الفتاوى ومهما كانت طبيعتها فإنَّ الثابت تاريخيًّا بالوثائق الدامغة أن الكنيسة كانت مهجورةً ويرفض أهلها الدخول إليها لأسباب دينية مسيحية خالصة، وفوق ذٰلك وعَلىٰ افتراض عدم صحة ما سبق فإنَّ السلطان محمد الفاتح قد اشتراها من أهلها مع تفويض تحويلها إِلىٰ مسجد، وحَتَّىٰ لو لم يفوضوه في ذٰلك فقد اشتراها وصارت ملكاً له وهو حر التصرف فيها. وما كان للمحكمة التُّركيَّة العليا أن تتخذ قرارها من دون استنادها إِلىٰ وثائق دامغة منها وثيقة الملكية وغيرها موجود بالتأكيد. وفي هٰذا الموضوع تفاصيل كثيرة كلها ولا أقول أكثرها تصب في صالح محمد الفاتح وتركيا وتحويلها إِلىٰ مسجد.

رابعاً: من ناحية تحويل الكنائس إِلىٰ مساجد. وقفت قبل قليل، في البند الأول الآن، عند إشارة إِلىٰ الناحية الشرعية الإسلامية والآن أتناول الأمر من ناحية موقف النصارى أنفسهم من تحويل الكنائس إِلىٰ مساجد.

دعك من الماضي وسأعود إليه في البند التالي، لنقف عند ما شهدنا ونشهده في أيامنا هٰذه فقط. منذ نحو عشرين سنة إِلىٰ الآن تم تحويل أكثر من 1300 كنيسة إِلىٰ مسجد في قلب أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية ولم يعترض مسيحي واحد ولا حاكم واحد عَلىٰ ذٰلك. بل ضف إِلىٰ معلوماتك في هٰذا الشأن أن العشرات من هٰذه الكنائس تم تحويلها إِلىٰ مساجد بناء عَلىٰ رغبة أهلها المسيحيين أنفسهم وبعضها بناء عَلىٰ طلب شخصي من كبير كهنة المنطقة التي تتبع لها الكنيسة… يشتريها المسلمون ويحولنها إلى مسجد ويرفعون المآذن فوقها عَلىٰ مرأى من الجميع وترخيص رسمي من الدولة. ومنها القديم وكلها ليس حديثاً.

فكيف نفسر هٰذا التناقض مع آيا صوفيا وهي مسجد منذ خمسمئة سنة؟

سنعود إِلىٰ ذٰلك بعد قليل. ولٰكن ما لا بُدَّ منه هنا هو مخاطبة السُّفهاء والمنافقين والبلاهاء المحسوبين عَلىٰ الإسلام ومعهم اليساريين العرب والقول لهم: إذا كان نصارى الغرب يبيعون كنائسهم إِلىٰ المسلمين ويساعدونهم في تحويلها إِلىٰ مساجد فلماذا تريدون مسيحيين أكثر من المسيحيين؟ لماذا تكون ببلاهة ملكيين أكثر من الملك؟

خامساً: وهٰذا أخطر ما في الأمر، وفيه سر تركيز العالم الغربي عَلىٰ أن آيا صوفيا من التراث العالمي من دون المرور بكونه كان كنيسة من قبل.

الحقيقة أنَّ السبب الأول ورُبَّما الأساسي هو وثائق ملكية آيا صوفيا التي تقطع دابر أي جدل قانوني في ذٰلك والتي يعرفها الغرب معرفة تامة، ولٰكنَّ السبب الأخطر من ذٰلك هو التاريخ الغربي الحافل بتحويل المساجد إِلىٰ خمارات وملاهٍ وكنائس وخاصة في فلسطين والأندلس وغيرها بالتأكيد حَتَّىٰ في البلاد المسلمة تحت السيطرة الشيوعية. أكثر من ألف مسجد تم تحويلها إِلىٰ كنائس ونواد ليلية وخمارات ومرابط خيل.. أكثرها تم تحويله عنوان من دون شراء، بل كثير منها تم تحويلها عَلىٰ رغم العهود التي قطعها الغزاة النصارة واليهود بعدم الاعتداء عليها، بل منها مسجد قرطبة الذي تعهد بابا الفاتيكان ذاته بحمايته بوصفه مسجداً وعدم تحويله إِلىٰ كنيسة قد تم تحويله إِلىٰ كنيسة.

وفي المقابل تماماً لننظر عبر التاريخ كله كم كنيسة حوَّلها المسلمون إِلىٰ مسجد؟

إِنَّهَا معدودة عَلىٰ أصابع اليد وبكلِّ تأكيد لا تزيد. ولا يذكر التاريخ أنَّ المسلمين حولوا كنيسة واحدةً عنوةً إِلىٰ مسجدٍ… كلها بالتَّراضي أو الشِّراء ولا أدري إن كان هناك استثناء بَيْنَ هٰذه الكنائس التي تعد عَلىٰ أصابع اليد أو اليدين بالأكثر. وأستثني ما حدث في أوروبا وأمريكا في السَّنوات العشرين الأخيرة مما أشرت إليه قبل قليل.

والسؤال الآن بغض النظر عن تركيا وآيا صوفيا:

لماذا هٰذا العهر العالمي في اعتبار تحويل كنيسة إِلىٰ مسجد جريمة عابرة للحدود بَيْنَما تحويل مئات المساجد إِلىٰ خمارات وملاه ومرابط خيل سلوكاً لا يستحق التعليق إن لم يكن سلوكاً مهماً وواجباً كما يعتقدون؟!

أليس هٰذا منتهى السفاهة والقذارة والعهر والحقارة؟

وأسأل الرعاع والإشنيات المحسوبة عَلىٰ الإسلام من علمانيين وبلاهاء وتافهين الذي يرون بعين عوراء: ما قولكم في ذٰلك؟ لماذا لا يعلو صوتكم عَلىٰ هٰذه السلوكات الغربية ضد المساجد قديما وفي يومنا المعاصر هٰذا؟

عَلىٰ أي حال، لا أطيل في مناقشة ذٰلك وأكتفي بهذ1ه الإلماحات. وأنتقل إِلىٰ السؤال الرئيس ومحور الكلام:

ـ لماذا كل هٰذه الجلبة والهيجان المسعور ضد تركيا لأنها أعادت افتتاح مسجد آيا صوفيا؟

من خلال ما سبق نصل إِلىٰ حكم يقيني قاطع لا يقبل الشكَّ بأنه لا يوجد سبب من الأسباب المعلنة يبرر أو يسوِّغ هٰذه الهجمة عَلىٰ تركيا لأنَّهَا قامت بإعادة افتتاح مسجد عمره خمسمئة سنة مسجداً وهو عمل عادي جدًّا لا جديد فيه ولا خرق لقانون ولا اعتداء عَلىٰ حق أحد ولا خروج عن مألوف.

إذا ما السر وراء الهجمة والحرب المسعورة المحمومة؟

إن من ينظر إِلىٰ هٰذه الحملة ويربطها بإعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا لا يدرك من الحقيقة شيئاً، ويأخذ من القول جزءاً ما يعجبه، وينتزع الحدث من سياقه.

لِنُعِدْ تركيب المشهد من جديد: ماذا لو لم يكن هناك قرار إعادة افتتاح مسجد آيا صوفيا؟ هل كانت دول أوروبا وعَلىٰ رأسها فرنسا واليونان وألمانيا وغيرها تتعامل مع تركيا باحترام ولا تشن عليها حملات الحرب والتَّشويه والطَّعن والإساءة؟ وكذلك شأن أمريكا.

ولنسأل سؤالاً آخر: منذ خمسة عشر سنة إِلىٰ الآن؛ ما الذي فعلته تركيا ولم تحدث هٰذه الضجة والصخب والهيجان والطعن في سياستها وقرارها وفعلها والرئيس أردوغان شخصيًّا؟

ولنسأل من جديد سؤالاً آخر: منذ عشر سنوات عَلىٰ الأقل إِلىٰ ما قبل افتتاح مسجد آيا صوفيا، ما الذي فعلته تركيا لألمانيا وفرنسا واليونان وغيرها حَتَّىٰ جميعهم يدعمون المعارضة التركية ضد أردوغان ويدعمون حزب البي كي كي ضد أردوغان وهم أنفسهم الذي اعتبروه منظمة إرهابيَّة؟

ما الذي فعلته تركيا لهٰذه الدول وغيرها حَتَّىٰ لم تتوقف منذ أكثر من عشر سنوات حملات تشويه أردوغان السياسة التركية؟

من الذي دعم الانقلاب ضد أردوغان؟

من الذي شنَّ حرب العملات عَلىٰ الليرة التركية حَتَّىٰ أوصلها إِلىٰ ما هي عليه الآن من انهيار انعكس عَلىٰ الشعب التركي انعكاساً فظيعاً؟

هل كانت آيا صوفيا عَلىٰ الطاولة؟

نعم لقد كانت عَلىٰ الطاولة ولٰكن عَلىٰ طاولة الغرب الذي يمهد لإجراءات دولية تعيد مسجد آيا صوفيا كنيسة، واليونان بوصفها الناطق بلسان الغرب في العداء لتركيا هي التي كانت تنظم هٰذه الحملات والمطالبات لإعادة آيا صوفيا كنيسة ومن ورائها روسيا والدول الأوروبية.

الحرب عَلىٰ تركيا لا علاقة لها بآيا صوفيا بحال من الأحوال فالحرب عَلىٰ تركيا بدأت بعد سنتين من استلام حزب العدالة والتنمية السلطة في تركيا، عندما تبين لهم أَنَّهُ سيصعب الانقلاب عليه كما كانوا يفعلون في السابق مع أي حكومة فيها نفس إسلامي بدءاً من عدنان مندريس إِلىٰ أربكان. بل بعد سنتين فقط من استلام أردوغان وحزبه السُّلطة كانت محاولة الانقلاب الأولى، ومنذ ذٰلك الحين لم يتوقف الهجوم الغربي والخليجي؛ السعودي الإماراتي خاصَّة عَلىٰ تركيا.

كل أعداء الإسلام تضافروا عَلىٰ محاصرة تركيا لأنَّ السلطة الحاكمة فيها ذات نفس إسلامي، والغرب وأشد منهم حكام الخليج خاصة لا يطيقون أي نفس إسلامي في أي دولة مسلمة، ولا يقبلون به.

آيا صوفيا لا علاقة لها بالهجوم المحموم المسعور عَلىٰ تركيا، فلو لم تكن آيا صوفيا لاختلقوا غيرها، ولنا فيما سبق شواهد وأمثلة تند عن الحصر… تحدَّثت وتحدث الكثيرون في كثير منها.

وفي الختام المستجد بعد كتابة المقال وتأخر نشره: قال تَعَالىٰ في الآيتين 32 و 33 من سورة التوبة: «يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ».

فإنَّهم ما إن تشتعل نيران أحقادهم وتستعر وتكاد تكون سبب مشكلة لتركيا حَتَّىٰ يشغلهم الله بما لم يكن في البال، ليعودوا من جديد في ثوب ذريعة جديدة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هل الشمال السوري المُحَرَر.. مُحَرَر؟

د. موفق السباعي مفكر ومحلل سياسي إن كل من لدية مثقال حبة من …