أخبار عاجلة

أبعاد الإستراتيجيّة الرّوسيّة في ليبيا

يوسف الحمود

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

شكّلت مرحلة الانقطاع الرّوسيّ عن السّاحة الدّوليّة منذ عام 1991 حالة من الانكماش والفتور الدّوليّ لمدّة عقد من الزّمن، ولكن ما لبث أن نشط دور الدبّ الرّوسيّ بعد سلسلة من الإجراءات البوتينيّة في الاقتصاد والعسكرة وإعادة تشكيل بنية الدّولة الجديدة من الدّاخل، واستطاع بوتين من خلال ذلك إعادة الفاعليّة لمفهوم الدّولة القويّة والدّولة المتطلّعة لأداء الدّور التّاريخيّ من جديد واللّعب في الفضاء الدّوليّ من خلال مناطق الفراغ بقوّة وحزم وخاصّة بعد جسّ نبض المجتمع الدّوليّ وخاصّة حلف الناتو في غزو جورجيا عام 2008 وظهور العجز الأطلسيّ إلاّ من خلال الإدانات المشتركة لهذا لحلف، وهنا بدأ الدّور الرّوسيّ بالحضور مجدّداً كلاعبّ إقليميّ ودوليّ بآن واحد، وفرض لعبة التّكافؤ من جديد على القوى الدّوليّة وأكثر ما ثبت ذلك في أزمة أوكرانيا في عام 2014 ممّا جعل الغرب يفرض عقوبات اقتصاديّة على روسيا مع تخفيض الاتّصالات والعلاقات إلى أدنى مستوى، وهنا بدأ نظام القطبيّة الأحاديّة بالتّراجع ” Unipolar ” وبدأ التّوسّع الرّوسيّ في التّمدّد إلى مناطق نفوذ جديدة وذات خصوصيّة و تأثير جيوسياسيّ كبير في حقول الصّراع الدّوليّة.

وأبرز هذه الموضوعيّن التّدخّل العسكريّ الكارثيّ في سوريا دعماً لنظام الأسد واستحواذاً على كلّ الامتيازات العسكريّة والاقتصاديّة إضافةً إلى الموقع الجيوإستراتيجيّ في منطقة الشّرق الأوسط وفي المياه الدّافئة للبحر المتوسط، ومن ثمّ حرّض هذا الفعل على تدخّل جديد في ليبيا ابتداء من 2018 عندما أرسلت روسيا قوّات مرتزقة فاغنر لدعم الجنرال حفتر، ثمّ عزّزت هذا الوجود في إرسال الطّائرات في هذا العام لدعم حفتر مقابل الدّعم التّركيّ الّذي عدّل موازين القوى لصالح حكومة الوفاق، فماذا تريد روسيا من ليبيا وما هي أبعاد النّفوذ الإستراتيجيّ الرّوسيّ في هذا البلد العربيّ النّفطيّ ؟.

يُعتبر المشكل الليبيّ من أدقّ وأعمقّ القضايا الجيوسياسيّة والجيوبوليتيكيّة والعسكريّة في منطقة الشّرق الأوسط بعد الملفّ السّوريّ وتداعياته الإقليميّة والدّوليّة على منطقة الشّرق الأوسط، إلاّ أنّ الملفّ اللّيبيّ الآن أشدّ سخونةً وأعمق صراعاً بين القوى الإقليميّة والدّوليّة المتنازعة والمتداخّلة فيه، من خلال ما تمتلكه ليبيا من طاقات وموارد اقتصاديّة من نفط وغاز، وهذا ما كرّره المبعوث السّابق إلى ليبيا “غسّان سلامة” بأنّ الصّراع على ليبيا هو صراع على الموارد، إذ تُعتبر موارد ليبيا من النّفط من أهمّ المورد العالميّة الّتي قدّرها الكاتب اللّيبي جمعة القماطيّ  بأنّها حوالي ( 48 ) مليار برميل، وهي الأكبر على الصّعيد الإفريقيّ والتّاسعة على الصّعيد العالميّ، وتقدّر احتياطات النّفط الصّخري ب ( 26 ) مليار برميل، وتشكّل صادرات النّفط والغاز 90 % من الدّخل اللّيبيّ، إضافة إلى الغاز الّذي يقدّر بأكثر من ( 55 ) تريليون قدم مكعب. لهذا السبب الحيويّ والمحوريّ يحتدم الصّراع في ليبيا بين الفرقاء والخصوم الكبار ممّا حرّض الرّوس على الحضور العسكريّ واللّعب بقوّة في الورقة اللّيبيّة وخاصّة في وجود حالة من التّرهل والفراغ في الإستراتيجيّة الأمريكيّة وعدم التّدخّل في الملفّ الليبيّ ممّا ترك مساحةً فارغةً هائلةً للنّفوذ الرّوسيّ، وهو الّذي تضرّر وامتعض من تدخّل حلف الناتو في عام  2011 الّذي قام بضرب قوّات القذّافي لتتمكّن الثورة اللّيبيّة من البقاء والمقاومة، ولذلك وجدت روسيا في الجنرال حفتر حليفاً جديداً للحضور الرّوسيّ مجدّدا في ليبيا بعد فترة الانقطاع إبّان انهيار الاّتحاد السّوفياتي، والانقضاض بقوّة مجدّداً على الحقل اللّيبي لتزداد أوراقها الإقليميّة والدّوليّة قوّةً ونفوذاً من خلال مقايضة الغرب على الملفات السّاخنة الأخرى كسوريا وأوكرانيا، والضّغط على المجموعة الأوروأطلسيّة من خلال عدّة أوراق هامّة في ليبيا، تتشكّل من خلال الأولويّات التّالية: الضّغط على حلف النّاتو وأوربا من خلال التمركّز في المياه الدّافئة في البحر المتوسّط ممّا يشكّل خطراً مباشراً على الحلف بسبب القواعد العسكريّة الرّوسيّة الّتي تعتبر تهديداً مباشراً لهم، وهذا ما صرّح به الأمين العام لحلف الأطلسيّ بأنّ الوجود الرّوسيّ على السّواحل اللّيبيّة خطر إستراتيجيّ على الحلف، كما أنّه يبسط نفوذه بقوّة على مساحة شاسعة بين نقطتين حيويّتين في المتوسط بين سوريا وليبيا إحداهما في شرق المتوسط والأخرى تقع جنوب المتوسط، ممّا يجعل التّهديد للغرب الأوربيّ ولحلف الناتو أمراً واقعاً وحسّاساً للغاية، وهذا يزيد بدوره الأوراق الرّابحة والفاعلة في الصّراع الدّوليّ الروسيّ مع الغرب الأوربيّ والأمريكيّ، ومن هنا يريد الرّوس إقامة قاعدةّ عسكريّة كبيرة على حوض المتوسط في ليبيا إضافةً إلى قاعدة للطّيران الرّوسيّ ممّا يكبّل الجغرافية الليبيّة بقوة حضور عسكريّة وإستراتيجيّة كبيرة ستكون خطراً على الجميع في حوض المتوسّط وخاصّة على أوربا، كما لا يجوز إغفال البُعد الاقتصاديّ الممثّل في السّيطرة على جزء من القطّاع النّفطيّ الليبيّ للتّحكّم بمسارات أسعار بيع وإنتاج النّفط والغاز إلى أوربا وبهذا يصبح الرّوس أكبر من يمتلك لعبة ضبط التّحكّم بالنّفط وأسعاره عالميّاً وخاصّة الغاز إذا كسبوا هذه الورقة الجديدة لرفع أسعار وعائدات الغاز عالمياً لصالح الاقتصاد الرّوسيّ، وخاصّة بعد الاكتشافات الأخيرة لكميّات الغاز الكبيرة في الحقول اللّيبيّة في المتوسّط، كما لا يمكن إهمال تصدير السّلاح الرّوسيّ وعائداته على الاقتصاد الرّوسيّ إذ تُعتبر ليبيا في مناطق نفوذ حفتر ثالث دولة في إفريقيا بعد مصر والجزائر في استيراد السّلاح الرّوسيّ، ممّا جعل المسرح الليبيّ هامّاً وإستراتيجيّاً للعقل الاستحواذيّ الاقتصاديّ الرّوسيّ الّذي يطمع أيضاً وبقوّة من خلال هذا النّفوذ والوجود الجيوسياسيّ المباشر في ليبيا أن يكون له فيها دور اقتصاديّ هامّ ورئيسيّ في إعادة الإعمار والبناء في الحقول المدنيّة والنّفطيّة والعسكريّة، ولكن السّؤال هل تتفعّل وتتغيّر المعطيات الأمريكيّة الّتي بدأت تتّضح بميلها للأتراك ومحاولة محاصرة الرّوس مرّةً أخرى، أم يبقى الدّور الأمريكيّ ضعيفاً رخواً خاصّة مع وجود تباين أمريكيّ فرنسيّ في الملفّ الليبيّ؟ وهذا يجعل من التّغلغل الرّوسيّ أمراً واقعاً وطويل المدى في المستقبل المنظور؟ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

السوريون.. واضطراب ما بعد الصدمة!

زهير سالم مدير مركز الشرق العربي يعيش كثير من السوريين وأنا واحد …