أخبار عاجلة

ثورتنا بين العسكرة والسياسة وطريقة القيادة واختيار القادة – 5 من 5

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(عدنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر).

الحــــــــــــــــــــــل

       الآن وبعد 9 سنوات ونيف من الثورة، وبعد الذي حصل من فشل عسكري، وفشل سياسي، وفشل ثوري.. آن لنا أن نقف وقفة متأنية، ونراجع ما جرى، ونؤشر على الخطأ ونصححه، وعلى الخطيئة ونزيلها؛ هي وصاحبها.. هل نستطيع ذلك؟

       عندما يقال: في الثورة تساوى العسكري بالسياسي وصار ثوريا، وصار الثوري هو العسكري والسياسي بآن واحد.. هذا الكلام يطرب الكثيرين من الثوار، ويراه بعضهم فتوى بأن تظل الأمور بهذا الخلط، وتستمر عليه..

       في ثورتنا السياسي والعسكري والثوري، كلهم سلّم أوراقه للخارج، لمن خدعه وأوهمه أنه أخوه، وأنه معه، وأنه يدعمه لتنتصر الثورة، ويعمل لصالحه، وأنه قائد وزعيم، وأنه رجل سورية وزعيمها.. فضخم عنده الأنا، و تركه فريسة لأحلامه.. وسلمه قياده، وأسلمه قراره، مقابل الدعم الذي يقدمه له، فصار رهينة عنده، وألعوبة بيده، وجلس ينتظر منه الحل والمخرج والنهاية السعيدة.. ويسلمه مفاتيح البلد, ويعيده إلى سورية قائدا وفاتحا وبطلا..

      فلا حصل حل، ولا انتصر في ثورته وقتاله، ولا انسحب وعاد إلى قواعده، وإنما تاه وضاع وضيع، فأسقطه الداعم وأسقط ثورته، وقتل ثواره، وأسلمه لعدوه، وأوقعه في براثنه، ومازال يتحكم بمصيره.. ومازال هو يحلم وينتظر..

        يبحث الثائر والعسكري والسياسي عن الفكاك والخلاص والنجاة والمهرب والمفر ولا يستطيع، بعد أن أفلس, ووقع بين نارين.. وليس أمامه إلا القتل أو الموت أو الهلاك.. وكثير منهم عرف اللعبة واستسلم لها ورضي بها، مقابل ما يدفع له من مال، وما ينعم به من نعيم أغدقه عليه داعمه العدو اللدود.

      هناك ضباط قادة محترمون يصلحون لتولي القيادة العسكرية، وحرمهم منها أعداء الثورة، نعم هناك حالات شاذة، لكنها ليست قاعدة.. ولا يقاس عليها.. الصحيح أن العسكري لا يصلح للسياسة، والسياسي لا يصلح للعسكرة، والثوري بينهما، وله مهامه ومسؤوليات التي لا تقل عنهما إن لم تتفوق عليهما.. وهناك ضباط لا يفقهون شيئا، ولا يصلحون لشيء.. سُلِّموا القيادة العسكرية، فهلكوا، وأهلكوا..

      وهناك سياسيون متميزون أٌبعدوا عن الواجهة قصدا.. وسُلِّمت القيادة السياسية لمن ليس أهلا لها.. ولا يفقه شيئا في السياسة، ليظهروا ثورتنا بمظهر التي لا سياسيين فيها.. ولا من يفهم  بالسياسة ..

      أما موضوع الثورة وانتفاء الفوارق وأنا اسميها اختلاط المهام وتداخل الخنادق.. فهذه قد تكون ميزة في أحيان نادرة فريدة.. وقد تكون عيبا  ونقمة وسيئة بشكل عام.. وهي كذلك..  نعم أمدت الثورة الجبهات ببعض الثوار القادة العسكريين المتميزين، وبعض القادة السياسيين البارعين، ولكنها أيضا أضرت الثورة بأن تصدر المشهد، وتولى القيادة  من ليس أهلا لها؛ لا سياسيا ولا عسكريا ولا ثوريا، فأضعنا السياسة والعسكرة والثورة..

       والكلمة الفصل في موضوع الثوار: أن من أراد العسكرة وبرع بها فلتمنح له رتبة عسكرية، ويتفرغ للعسكرة.. ويخوض الدورات العسكرية, ويثقف نفسه بالثقافة العسكرية, والعلم العسكري.. ومن أراد السياسة ويرى أنه أهل لها فليترك العسكرة، وليتفرغ للسياسة.. على أن يبدأ بتعلم أبجدياتها، ويدرسها كعلم، ويخوض غمارها كمجرب ومتدرب.. ومن برع بالعمل الثوري ونجح في تثوير الجماهير وقيادتها، وهو المجال الحيوي الصحيح له، فليتفرغ له.. وهكذا يجب أن يكون العمل.. والخلط بينها خطأ  كبير،  ونتائجه الفشل الذريع.. وهذا ما نحن فيه.

        لابد من الفرز.. ولابد من التخصص، لننجح، وإلا فسنظل نتخبط ونخبط ببعضنا بعضا، ثم يخبطنا عدونا، ويقضي علينا.. لابد للثورة من جناح عسكري محترف.. وجناح سياسي متخصص.. وجناح ثوري مدني مجرب؛ يمسك الأرض، ويقود الجماهير، ويحمي الثورة..  هذه الأعمدة الثلاثة، مع من يساندها، هي التي يبنى عليها النصر، وتلتقي ثلاثتها على رأس سهم واحد؛ لدحر العدو، ورفع راية النصر فوقها.. بإذن الله.

        وختاما أقول: لا بد لنا أن نتعاون جميعا؛ ولا سيما من يحملون شرف الثورة، ويتصدون لقيادتها.. لابد لنا أن ندرك ونعتقد ونؤمن أنه لا يمكن للعسكري أن يقود سورية لوحده، ولا السياسي، ولا الثوري، ولا أي شخص منفردا مهما كانت إمكانياته وقدراته وطاقاته ومواهبه، وإنما بتعاون الجميع، وتضافر الجهود؛ العسكري والسياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي (الوجيه في قومه) والتربوي والأكاديمي والعالم والعامل والفلاح والرجل والمرأة، كل بما خصه الله به، وبرع فيه، بروح ثورية متوثبة مؤمنة بالخلاص والنصر، وأهمية المعركة، وعظمة المسؤولية, وخطورة المرحلة، وقدسية المهمة.. عند ذلك سننتصر.

     أما إذا بقينا نفكر بعقلية الزعيم الأوحد القادر على كل شيء.. السوبر مان.. وظللنا نطحن بعضنا، و نأكل بعضنا، فسيأكلنا عدونا واحدا واحدا.. وتضيع ثورتنا، ونضيع معها.. وسيلعننا الله والتاريخ والشعب والأمة.. وهذا ما لا نرضاه لأنفسنا, ولا لرفاقنا وزملائنا وإخواننا وأحبتنا.. لنجتمع، ونتحد، ونعمل بفريق واحد كامل متكامل، فيكون هذا الجمع المتجانس _ مع الإيمان بالله، والتوكل عليه، وإخلاص النية والعمل _ هو الزعيم الأوحد الجديد.. الذي يقود الثورة، ويهزم العدو، ويبني البلد، ويحيي الأمة بعد موتها..

       قال تعالى في كتابه العزيز: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ {57} قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ{58}يونس. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحضارة الإسلامية والسقوط الإنساني

مصعب الأحمد كاتب وباحث وشاعر سوري قرأت ما كتبه أحد الجزائرين في مدونة …