أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / هل العولمة وليدة الحداثة!؟.. التموضع الزماني والتاريخي لظاهرة العولمة

هل العولمة وليدة الحداثة!؟.. التموضع الزماني والتاريخي لظاهرة العولمة

عمر الدغيم

كاتب ومدون سوري
عرض مقالات الكاتب

تعرف العولمة بأنها جعل الشيء عالمياً أو دولي الانتشار في مداه أو تطبيقه. أي بمعنى آخر هي عملية تدويل لشيء أو أمر ما، بحيث يصبح آثره في كل مكان وعلى نطاق عالمي غير محدود بالحدود السياسية أو الجغرافية. وقد لعبت العوامل الاقتصادية الدور الأكبر في تكوين ظاهرة العولمة عبر التاريخ، وذلك لضرورة وحتمية تفاعل المجتمعات مع بعضها البعض واحتياجها لما عند الآخر في الجانب الاقتصادي، ثم ومع الزمن تعدت هذه الظاهرة الجانب الاقتصادي لتصل إلى الاجتماعي والثقافي.

أرجع بعض المفكرين ظهور العولمة إلى العصور القديمة، وقالوا بأن معالمها بدأت مع نشوء العلاقات التجارية بين السومريين والهند، وعليه فقد قسموا العولمة إلى عولمة قديمة وحديثة، وغالباً ما يعنى بالعولمة القديمة بأنها الممتدة من أزمنة الحضارات الأولى وحتى القرن السادس عشر، ولكن إذا سألنا هل للعولمة قديماً وجود بالفعل، وأيهما أشد تأثيراً وأكثر وضوحاً العولمة القديمة أم الحديثة؟ .. إن اختيارنا بلا شك سيقع على العولمة الحديثة، إذ يشترط لنشوء ظاهرة العولمة بين الأمم والشعوب وجود التفاعل بينها، وإن الشرط اللازم لحدوث التفاعل هو الاتصال والتواصل المتبادل. وعليه فإن التواصل هو مفتاح البوابة المؤدية للعولمة. ولما كانت وسائل الاتصال والتواصل قديماً ضعيفة وبطيئة تستهلك الوقت والجهد معاً، فإنها لم تسمح بتشكل تأثير معين لمجتمع على مجتمع آخر، وحتى إن سمحت بذلك فإن هذا التأثير والتفاعل يكون نسبياً ويأخذ زمناً طويلاً حتى تتضح معالمه وتظهر بوادره. وقد ساعد هذا الأمر في أن تبقى المجتمعات والأمم قديماً منغلقة على نفسها ومحصنة فكرياً وثقافياً. أما مع التطور التكنولوجي الهائل في وسائل الاتصال والتواصل  على مستوى الأفراد والشعوب في العصر الحديث والمعاصر، فإنه أمكن أن تكون العلاقات دائمة ومباشرة، بحيث أصبح لكل فعل في بقعة معينة من هذا العالم رد فعل في جميع أنحائه المتبقية خلال دقائق وبشكل متزامن معه أياً  كان هذا الفعل من الحوادث والأحداث في جميع الجوانب والمجالات. وبالتالي من الطبيعي القول  بأن العولمة كظاهرة هي ظاهرة حديثة بكل ما تعني الكلمة من معنى. وإن من نتائج العولمة المضمنة في تعريفها ومفهومها الحالي، هو جعل العالم الواسع الكبير المتعدد الثقافات والأديان واللغات كقرية صغيرة، وإن العالم لم يتح له أن يكون بهذا الوصف كقرية صغيرة إلا في العصر الحديث وذلك بفضل التطور في وسائل النقل ووسائل الاتصال السلكية واللاسلكية وغيرها.

وأيضاً فإن مفهوم وتعريف العولمة لا يقتصر على حصره في إنشاء علاقات مجردة بين الدول والشعوب على نطاق عالمي، ولكن يقتضي أن يكون هناك تأثير لطرف على آخر أو تبادل لهذا التأثير أياً كان نوعه، وأكثر ما يكون في الأفكار والآداب والعادات والتقاليد, فلكي نستطيع القول بوجود نوع من العولمة ينبغي ملاحظة نمط سائد من الثقافة الحاكمة لعادات المجتمعات عالمياً  أو أن نحس بوجود هيمنة لمنظومة من القيم والمبادئ الخاصة بأمة معينة على الأمم الأخرى، وانطلاقاً من هذا الفهم نستطيع أن نقول بحداثة العولمة من حيث الطبيعة والنشأة، لأنه لو كان مجرد إقامة علاقات على مستوى عالمي هو عبارة عن نوع من العولمة فهذا يعني أنه لا وجود للعولمة لأنه وببساطة فإن العلاقات بين المجتمعات البشرية قديمة قدم التاريخ، وهي من طبيعة البشر، فالإنسان كائن اجتماعي بطبعه، والمجتمعات لا تستطيع أن تعيش معزولة بقصد أو بدون قصد عن المجتمعات والأمم الأخرى حتى لو أرادت ذلك. فلو كانت العولمة هي ذاتها العلاقة والارتباط لانتفت الحاجة إلى تعريفها، لأنه من غير الممكن ملاحظتها أصلاً.

كما أن  كلمة العولمة مشتقة من كلمة العالم ومرادفة للعالمية، وحتى ما يقابلها في اللغة الإنكليزية فهو بنفس المعنى ويعطي التصور ذاته، وهو كلمة Globalization والمشتقة من Global أي عالمي أو شامل أو كروي في إشارة إلى الكرة الأرضية كلها، ومن هنا فإنه لا وجود لعولمة مالم تكن عالمية في وجودها وانتشارها. ولم تتحقق الشروط والظروف والإمكانات التي تعطي فرصة تشكل العولمة بأي مظهر قبل العصور الحديثة. فأكبر الإمبراطوريات والدول في العصور القديمة والوسطى لم تصل إلى مستوى القوة والتأثير الذي تتمكن من خلاله من السيطرة على جميع أنحاء العالم، عدا عن أن نوع السيطرة هذا كان في الغالب سياسياً  أي لم يكن من النوع الذي يسمح بالـتأثير في الثقافات. ومثاله الإمبراطورية الرومانية التي تعتبر الأعظم في التاريخ القديم، فإن الكثير من الشعوب التي خضعت لهيمنتها العسكرية وتحت سلطتها، تمكنت من الحفاظ على ثقافاتها وتقاليدها، وحتى وإن تأثرت فبصورة بسيطة وجزئية. بل إنه وفي بعض الحالات تأثرت الأمم الإمبراطورية بثقافة الأمم الخاضعة لها بدلاً من أن تؤثر فيها. ومثاله الإمبراطورية المغولية فقد انصهرت الأمم المغولية بعد تفكك الإمبراطورية في المجتمعات المحلية التي حكمتها  واندمجت فيها اندماجاً تاماً حتى لم يبق دليل على مغوليتهم إلا الدم والتاريخ، فتعددت الثقافات وأنماط العيش بدلاً من أن تتوحد.

ولما كان الاتصال والتواصل هو بوابة العولمة كما ذكرنا، ولما كان العامل الاقتصادي هو الدافع الأول لمثل هذا التواصل وبالتالي فهو المحرك الأول لعملية العولمة، فإننا نستطيع أن نقول بأن العولمة حديثة النشوء، بل إن العصر الحديث هو عصر العولمة بامتياز، فمع الكشوف الجغرافية والنهضة الفكرية والعلمية والثورة الصناعية والذي أدى إلى نشوء الرأسمالية الاقتصادية، تكون الوسط المناسب لنشوء العولمة وتوفرت جميع الشروط لتطورها وانتشارها. ولأن جميع ما ذكرنا كان مهده الغرب الأوروبي، فقد أصبح احتكار العولمة من نصيبه وعولمة العولمة بفعله وإرادته. فمن خلال هيمنته الاقتصادية والعلمية والعسكرية على العالم، تمكن من نشر ثقافته ومفاهيمه عالمياً. وقد ساعدته الإمبراطوريات الاستعمارية التي أسسها والحملات التبشيرية التي أرسلها إلى شتى بقاع الأرض في تعويم وتعميم منظومة القيم الغربية في جميع أرجاء المعمورة. ولأن الشعوب والأمم الضعيفة مولعة بتقليد الأمم القوية، وبما أن منظومة القيم التي تشكلت في عصر الإصلاح والنهضة الأوروبي هي السبب في قوتهم ونهضتهم، فقد تقبلت الشعوب والمجتمعات جميعها بالاختيار أو بالاضطرار الثقافة الغربية الغريبة عليهم. فأصبحت الثقافة الغربية هي السائدة عالمياً، بل أصبحت هي معيار الحداثة والتحضر، فبمقدار ما تكون غربياً تكون حداثياً والعكس صحيح.

وهكذا ومع اتساع عملية التغريب وتعدد أشكالها، ظهرت العولمة ولأول مرة في التاريخ بمعناها ومفهومها الحقيقي، فالعولمة هي وليدة الحداثة ومنتجها. وما قبل الحداثة لم تكن هناك من عولمة بمعناها وشكلها المعاصر الذي نشاهده ونرقبه ونحس به يومياً في جميع مجالات الحياة، والذي نلحظ من خلاله سيطرة الغرب وهيمنته على العالم على كافة الصعد. فالغرب هو المؤثر والعالم متأثر، وهو صاحب الفعل وللعالم ردة الفعل، له التجديد والابداع وعلى العالم التقليد والاتباع. وما من علامة على وجود العولمة الغربية أكبر من وجود لغة تقبل كلغة عالمية مشتركة ولأول مرة تاريخياً وهي اللغة الإنكليزية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أنباء عن انتحار أحد حملة الشهادات الجامعية العاطلين في وضعية إعاقة!

المغرب – عبد العالي كويش تفاجأ قبل أيام أعضاء مجموعة على تطبيق واتساب خاصة بتنسيقية …