أخبار عاجلة

إضاءات سياسية (44)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

أحداث الثمانينات وحق المتضررين بالتعويض

دمشق 10/02/2007

لعل من أسوأ الحقب التي مرت بسوريا بعد الاستقلال هي الفترة التي امتدت من نهاية السبعينات حتى أواخر الثمانينات فقد امتلأت السجون بالمعتقلين على الشبهة ، وصدر القانون (49) لعام 1980 الذي شرعن حصد الأرواح ، ثم صدر المرسوم (32) لعام 1980 فبسط صلاحيات المحاكم الميدانية لمحاكمة المدنيين بعيداً عن مفهوم العدالة .

في ظل هذا الواقع جرت محاكمات أمام المحكمة الميدانية العسكرية التي لا يتوفر فيها الحد الأدنى لمعايير المحاكمات العادلة . 

لا يوجد في هذه المحكمة قاضي تحقيق أو قاضي إحالة ، كما لا يسمح للمحالين إليها بتعيين محاميين للدفاع عنهم ، ثم إنها تعتمد التحقيقات الأولية لدى أجهزة الأمن التي تمارس التعذيب ضد المعتقلين بلا حدود ، ولا تستغرق المحاكمات أكثر من دقائق معدودات ، ويكره المحال إليها للاعتراف بما أسند إليه ، والمحاكمات تجري ضمن السجون ودور التوقيف الخارجة عن الرقابة القضائية ، وبالتالي فالأحكام التي تصدر عن هذه المحاكم لا يمكن تسميتها أحكاماً قانونية قضائية وإنما هي سياسية بامتياز .

فإذا أضفنا إلى كل ذلك الصلاحيات الواسعة التي أعطاها المرسوم (14) لعام 1980 لأجهزة الأمن بممارسة العنف ضد المعتقلين ، عرفنا كيف جرت الأمور في هذا المسلسل الدامي . 

سبق وأن كتبت وحاضرت حول الأحكام العرفية المعلنة منذ آذار/مارس عام 1963 خلصت فيها إلى نتيجة أن حالة الطوارئ المعلنة لم يعد لها وجود لسببين :

أولهما : أنها أعلنت خلافاً لقانون الطوارئ الذي يوجب اتخاذ مرسوم الإعلان من قبل مجلس الوزراء المنعقد برئاسة رئيس الجمهورية ، كما ينبغي عرضها على مجلس النواب في أول اجتماع له ، إلا أن أياً من هذه النقاط لم يستوف في أمر إعلان حالة الطوارئ .

وثانيهما : أن القصد من إعلان حالة الطوارئ كان لتمكين الذين استولوا على السلطة من بسط سيطرتهم ، فبعد أن استتب لهم الأمر والأمن لم تعد هنالك حاجة لاستمرار حالة الطوارئ .

وإذا أردنا أن نناقش قانونية الأحكام التي صدرت على المواطنين المعتقلين في تلك الفترة لوجدناها أحكاماً معدومة لأسباب :

إن اختصاص المحاكم الميدانية العسكرية ينحصر في العسكريين وفي زمن الحرب أو خلال العمليات الحربية ، ومن المفروض أن يصدر مرسوم بإعلان زمن الحرب ، بدئها وانتهائها  إلا أن مرسوماً كهذا لم يصدر وبالتالي فالمحاكم الميدانية تعتبر غير فعالة استناداً لما تقدم .

ولئن بسط المرسوم (32) لعام 1980 صلاحيات المحاكم الميدانية لمحاكمة الناس عند حدوث اضطرابات داخلية فإن هذه المحاكم تظل غير فاعلة قبل صدور المرسوم المشار إليه آنفاً بإعلان حالة الحرب وقيام الاضطرابات الداخلية .

وبالتالي فإن الأحكام التي صدرت عن المحاكم الميدانية هي أحكام معدومة ولا يترتب عليها أي أثر قانوني ، ثم أن هذه المحاكم التي حاكمت من سيق إليها من معتقلين بزعم انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين ، اعتمدت على القانون (49) لعام 1980 ولو عدنا لهذا القانون لوجدناه :

– يتناقض مع الدستور ومع قانون العقوبات اللذين نصا بعدم جواز محاكمة أفعال غير معاقب عليها قبل صدور القانون العقابي ، إضافة إلى أن هذا القانون يتناقض مع العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه سوريا ، وبالتالي فإن القانون (49) المشار إليه آنفاً غير دستوري ولا قانوني ، وينبغي على القضاء في هذه الحالة إهمال تطبيقه وذلك بطريق الدفع . والقضاة الذين يطبقونه يكونون عرضة للمساءلة القانونية .

مما تقدم من عرض موجز نجد كل من سيق إلى السجون في الفترة التي تلت 1979 وحتى الآن بزعم الانتماء للإخوان المسلمين ، وحكم عليه إعداماً أم سجناً يترتب له مقابل هذا العمل تعويض ، وتملك أسرة المعدوم المطالبة بالتعويض ، وكذلك يملك المفرج عنهم المطالبة بهذا التعويض .

وأرى كذلك أن على القضاء مسؤولية كبيرة في البحث عن العدالة والتصدي للانحراف ، خصوصاً إذا علمنا أن أحكام الإعدام لم يصادق عليها رئيس الجمهورية كما هو النص .

إن على السلطة أن تتنبه إلى هذه المشكلة وتعمد لرفع الظلم عن المتضررين من اعتقال وإعدام خارج القانون حتى نستطيع لأم الجراح .

هل إذلال المواطن مطلوب ؟

دمشق 19/02/2007

للجواب على هذا السؤال نضع أمام القارئ كلاماً ثم نسأل أنفسنا ، كيف يمكن أن يمارس الإذلال .

في المنطقة المحيطة بسكن الرئيس الراحل حافظ الأسد والذي تقطنه الآن أسرته والواقعة بين الطريق إلى نهاية المهاجرين (خورشيد) مروراً بالمرابط ثم إلى شارع المالكي فالأحياء الواقعة بين المالكي وشارع نهرو من جانب مدرسة الدروبي تخضع هذه المنطقة إلى رقابة أمنية خاصة بغرض حماية أمن الأسرة ، وهذا أمر مفهوم .

معلوم أن جميع المالكين للعقارات الواقعة في هذه المنطقة لا يملكون الحقوق التالية التي من المفروض أن يتمتعوا بها كمالكين يعطيهم القانون هذه الحقوق :

1- لا يمكن لأي ساكن أن يحضر عاملاً لإصلاح خلل كهربائي أو في الأنابيب الصحية أم عامل دهان لتجديد الدار .

2- لا يمكن لأي مالك أن يؤجر داره للغير إلا بموافقة الجهاز الأمني الخاص .

3- لا يمكن لأي مالك أن يبيع داره التي يملكها للغير إلا بموافقة الجهاز الأمني آنف الذكر .

هذه الحقوق الأساسية التي يملكها أي مالك عقار ، أو مستأجر عقار ، بموجب القوانين النافذة ، مسلوبة بحكم الواقع الذي أشرت إليه آنفاً ، وهنا نقول إذا كان المالك أو صاحب الحق لا يملك ممارسة حقوقه إلا بإذن من لا يملكون هذه الحقوق ، فما هو التفسير لهذا التصرف ؟

ليس بالضرورة ممارسة الإذلال بالضرب ، أو بالاعتقال غير المبرر ، أو بالحكم خارج إطار مفاهيم العدالة وحقوق الإنسان ، ولكن حين يشعر المواطن أنه ليس حراً في ممارسة حقوقه ، فهذا يندرج في إطار الإذلال ، بمعنى أن عليه أن يتوجه إلى الجهاز الأمني ليسأله أن يسمح له بممارسة حقوقه ، وهذا الجهاز أو المسؤول عنه يملك بحكم القوة -وليس بحكم قوة الحق- أن يمنع هذا المواطن من ممارسة حقوقه ، وبالتالي يشعر المواطن بالذل ، وذلك بسبب أنه يجد نفسه مُكرهاً أن يراجع الأجهزة الأمنية لكي يمارس حقوقه في الوطن والتي أعطاه إياها القانون .

فيما روي عن عمر بن الخطاب الخليفة العادل الثاني أنه قال : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) هذا القول مضى عليه أكثر من ألف وأربعمائة عاماً ، ثم جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فقرر (يولد جميع الناس أحراراً متساويين) .

وهنا كيف لنا أن نوفق ونحن على أعتاب القرن الواحد والعشرين ، بين ممارسة القوة العارية عن الحق على المواطن دون مبرر مشروع ومقبول ، وبين ممارسة المواطن لهذه الحقوق ؟ .

يقع المواطن في هذه الحالة بين المطرقة والسندان ويشعر أنه مسلوب من حقوقه التي له أن يمارسها دون أي معارضة خارجه إلا معارضة القانون ، فماذا يمكن أن نسمي هذه الحالة ؟ . 

ثم قد يصدر جهاز ما تعليمات غير قانونية ليتم تطبيقها على المواطنين ، هذه التعليمات تتسم بطابع السرية ، وبالتالي يفاجأ المواطن حين مراجعة جهاز ما أن هناك تعليمات ، ثم يُسبغ على هذه التعليمات طابع النظام أو القانون ، هكذا يفهمك المسؤول الأمني حين تراجعه !! .

وزارة الداخلية تمنع المواطنين من الدخول مبنى الوزارة لمراجعة قضاياهم ، فيتكدسون أمام الباب أو يحتاجون إلى وساطة من الداخل للدخول إلى مبنى هم مالكوه باعتبارهم دافعي الضرائب وجميع هذه التدابير تحط من قدر المواطن وتشعره بالذلة والضعف .

سقى الله أياماً خوالي ، حين كانت الحكومة كلها تمارس عملها في  المبنى الذي تتخذه الآن وزارة الداخلية مقراً ، أما مقابلة وزير وحتى رئيس وزارة فكان أمراً بغاية اليسر .

الطريق خلف وزارة الداخلية وطرقات أخرى مغلقة على مرور السيارات ، وقد وجدت هذه الطرق في الأصل لاستخدام المواطنين الذين يتحركون عليها لأعمالهم ، إلا أن الأمور خارج القانون هي الفاعلة ولا قيمة لحقوق المواطنين ، والقانون هنا لا قيمة له . 

المطلوب معالجة هذه المواضيع في إطار القانون ، والسلطة وعلى رأسها الرئيس الدكتور بشار الأسد معنيون بهذه المعالجة .

ألا هل بلغت اللهم أشهد

على هامش انتخابات مجلس الشعب

دمشق 08/04/2007

أيام قليلة تفصل المواطن عن موعد انتخابات مجلس الشعب ، فماذا على المواطن فعله ؟

للجواب على هذا السؤال ينبغي لنا مراجعة تاريخ مجالس الشعب منذ مجيء حزب البعث إلى السلطة فوقياً وحتى الآن!!

معلوم أن الوظيفة الأساسية لمجلس الشعب أو المجلس النيابي كما يسمى سابقاً هي الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية ، وإصدار التشريعات اللازمة التي تخدم مصالح الشعب ، وتضبط الحياة العامة للتمكن من الرقي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي وللتأسيس لدولة القانون .

فماذا قدمت مجالس الشعب على التوالي ؟

قبل دستور 1973 وبعده انفردت السلطة التنفيذية بإصدار تشريعات غير مدروسة ولا تؤسس لدولة القانون ، ومن هذه التشريعات :

1- المرسوم التشريعي رقم (14) لعام 1968 والذي شرعن حماية العاملين في أجهزة الأمن من المساءلة القانونية حال ارتكابهم الجرائم -المادة /16/ من المرسوم- .

2- المرسوم التشريعي رقم (4) المتضمن الأحكام التي تطبق بحق من يعرقل تنفيذ التشريعات الاشتراكية .

3- القانون (49) لعام 1980 الذي قضى بفرض عقوبة الإعدام على كل منتسب لجماعة الإخوان المسلمين ، والذي يشكل تصادماً كاملاً مع الدستور ، ومع قانون العقوبات ، ومع المعاهدات الدولية .

4- مرسوم مناهضة أهداف الثورة .

فماذا فعلت جميع مجالس الشعب التي من المفروض أنها انتخبت لتمثل إرادة الشعب ومصالحه ؟! لا شيء ، والعكس صحيح ، إذ إننا الآن نجد بين المرشحين الحاليين أعضاء سابقين في مجالس تشريعية سكتت عن تشريعات لا تحقق مصالح الشعب ، أو أنها سنت هذه القوانين ، من أمثال القانون (49) لعام 1980م ، وبالتالي فمجالس الشعب لا تقوم بواجباتها التي من المفروض أنها انتخبت من أجلها .

إن أياً من مجالس الشعب لم يتعرض بقليل أو كثير لضرورة وجود محاسبة للسلطة التنفيذية ؛ بمعنى وجود ميزانية لقطع الحسابات ، ومعرفة ماذا نفد من الميزانية التقديرية لأي عام من الأعوام السابقة ، كما لم تجر أية مراجعة لمبيعات النفط ومآل مداخلها .

لم يتعرض أحد من مجالس الشعب للطرق الوعرة في العاصمة والحفر التي تملؤها وسوء التنفيذ الذي يبدو عليها بعد أشهر من تنفيذها ، فكأن أعضاء المجلس يتنقلون بطائرات مروحية ولا يسيرون على الطرقات العامة .

لم يعر أي من مجالس الشعب أي اهتمام لرفض تنفيذ أحكام المحاكم القطعية الصادرة بحق بعض جهات القطاع العام برغم لفت نظره إلى ذلك من قبل كاتب هذه الكلمة .

تم تدمير السلطة القضائية والسيطرة عليها لصالح السلطة التنفيذية -أجهزة الأمن بالتحديد- وشرعنت لصائق لتسديد زيادات رواتب القضاة كي تدفع من جيوب المواطنين ، في حين لم تكلف السلطة التنفيذية نفسها بإيجاد البدائل والتي منها الرقابة على الهدر ، ونهب المال العام ، فطروش السيارات التي تزين المواقف أمام دور المسؤولين ، وخاصة العسكريين منهم ، واستعمالها لغير أغراض المصلحة العامة ، ومن قبل الأولاد والأصدقاء لإيصالهم إلى مدارسهم ، وحتى السيارات العسكرية كسيارات الجيب وغيرها تستعمل لغير ما أعدت له .

فلو كان هناك رقابة شعبية على هذا الهدر والنهب للمال العام فإن بالإمكان تأمين رواتب للقضاة عن غير طريق اللصائق التي ذكرناها آنفاً والتي فرضت على أصحاب القضايا في المحاكم دون مؤيد قانوني ، فهل تصدى مجلس الشعب لهذه الانتهاكات لحقوق المواطنين ؟ هذا غيض من فيض ولو أردت تسطير عجز مجالس الشعب السابقة عن ممارسة مهامها لاحتجت لصفحات طوال قد يتعب القارئ منها .

نتجول الآن في الطرقات فماذا نشاهد ؟

صور ملونة بأوضاع مختلفة بغرض تسويق المرشح أو المرشحة للجمهور ، فيختار كل منهم الوضع الذي يراه مناسباً في عرض صورته ، ولكننا لا نجد أي مرشح يقدم لنا برنامجاً يعد به ناخبيه ، وكأننا في معرض صور لممثلين وفنانين!! أما المضمون فهو خواء خالٍ من أي معنى !!!

فهل المطلوب من المواطن أن يختار المرشح أو المرشح الأجمل صورةً أو الأكثر وسامةً وشباباً ؟

في الحقيقة كل ذلك لا يعني شيئاً والمطلوب الوحيد هو أن يوجد مرشحون يقدمون للمواطن برامج محددة يستطيع فيها الاختيار بينهم ، ثم يحاسبهم مع انتهاء الدورة الانتخابية .

من ذلك يتبين أن الاستمرار في سوق الانتخابات على النحو الذي تم في السابق لعقود خلت أمر غير منتج ، وأن مجلس الشعب الذي سيشكله المرشحون سيكون كالمجالس السابقة لا معنى له ، ولا يؤدي الوظيفة المطلوبة منه ، وفي هذه الحالة أرى أن مقاطعة الانتخابات هي الأجدر حتى تتخذ السلطة القائمة الخطوة الضرورية واللازمة للتغيير .. ولا أظن هذا آتياً في الوقت الحاضر . والله من وراء القصد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بيان “جمعية حقوق الإنسان السورية” في إسطنبول حول مأساة مخيم الركبان

لم تعد مأساة الشعب السوري خافية عن العالم أجمع، وما زالت الأيام تقسو عليه في …