أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ثورتنا بين العسكرة والسياسة وطريقة القيادة واختيار القادة – 3 من 5

ثورتنا بين العسكرة والسياسة وطريقة القيادة واختيار القادة – 3 من 5

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(عدنا من الجهاد الأصغر، إلى الجهاد الأكبر).

        لقيادة ثورتنا، ولكسب معركتنا السياسية – كما كسبنا المعركة العسكرية ثم أضعناها – نحتاج إلى أصحاب الرأي السديد، والمبادئ الواضحة، والفكر النير، والعقل الألمعي، والذكاء المتقد، والحرص الشديد، والانتباه الحذق، والفطنة الزائدة، والحصافة المتأنية، وسرعة البديهة، وطلاقة اللسان، والكلمة الفصل، وحسن المنطق، وقوة الشكيمة، وثبات القلب، وذكاء العقل، وقوة الحجة، وصلابة الموقف..

        الحجة بالحجة، والدليل بالدليل، وتفنيد ما يطرح، وتقديم ما يُربح، وكسب المعركة السياسية، دون أن يحدث صدام، أو يسيل دم، أو تزهق أرواح، أو تحرق أرض، أو يدمر وطن.  

        إن المعركة السياسية أهم وأخطر من المعركة العسكرية أحيانا، فإذا لم يكن لديك سياسيون بارعون يستثمرون النصر العسكري، ويحافظون عليه، ويجنون ثماره، ضاع النصر، وذهبت التضحيات، وقد يتحول النصر إلى هزيمة، وهذا ما حصل في ثورتنا، وفي الثورة العراقية العربية السنية ضد المحتل الأمريكي، حيث  كسبها العسكري المقاتل الثائر المجاهد، وخسرها السياسي، وأكل ثمرتها الشيعي المجوسي، ودفع الثمن الشعب كله, والأمة كلها.

         في ثورتنا، الساحة لا تشكو من قلة المقاتلين، ولكن تشكو من قلة الساسة، ومن يدعون السياسة كثر، ومن هم سياسيون فعلا قلة، وقلة قليلة، وإن وجدوا فمبعدون، أو تائهون، أو ضائعون في زحمة المتسيسين، المتمسيسين.  

      نعود إلى تحديد مصطلحاتنا، وتأصيلها فنقول:

        الثوري هو الذي يقود الجماهير، ويثورها، ويجعل منها سندا ومتراسا وظهيرا، وقوة فاعلة مؤثرة في السياسة والعسكرة، وعلى الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، ويفرض نفسه بقوة الجماهير، وبما يحشد منها على الجميع، ويكون صمام الأمام، والمرجعية التي يعود إليها العسكري والسياسي، ويكون القائد الثوري صلة الوصل بينهما وبين الجماهير، وسندا لهما معا في معاركهما، وداعما ومراقبا ومباركا ومصححا، وعينا ساهرة لا تغفل، وأمانا وضمانا للجميع، بعد أن يكون قد  كسب ثقة الجميع، وأمن له الجميع، بما يتمتع به من الإيمان العميق، والإخلاص في الحفاظ على الأمانة التي حُمِّلْها، وشدة الحرص عليها، مع الخُلق الرفيع، والعفة والطهارة والعصامية، والحذر الشديد من الوقوع في الخطأ، والخوف  الشديد على مبادئ الثورة من الانحراف، والثبات عليها، والعمل الدؤوب المخلص على تحقيقها.

         وهو الذي أخذ من العسكرية بطرف، والسياسة بطرف، وجمع بينهما، وأخذ خير ما فيهما، وطرح ما يؤخذ عليهما.. عسكري بارع في صفوف القتال، وسياسي محنك في طاولة التفاوض، وجماهيري مناضل ثوري قائد متميز بارز بين جموع الناس، يعرف كيف يجعل بينه وبينهم سحرا ورموزا وإشارات وأسرارا لا يفهمها ويعرفها إلا هو وهم.. يجمعهم بنداء، ويحركهم بكلمة، ويثورهم بشعار، ويقدمون بتوجيه، ويحجمون بإيماءة، ويقتحمون الصعاب والمحن والشدائد بفرح وشوق وحماس واندفاع، وثقة بأنه ومن معه سيكملون المسيرة، ولن يتخلوا عن الهدف، مهما صعب وابتعد وحال بينه وبينهم كثرة الأعداء، وقوتهم، وضعف الإمكانات وقلة الموارد، لأن الثروة هي الشعب، والقوة هي الشعب الثائر، وشعاره:

                          (إرادة الشعب من إرادة الله، وإرادة الله لا تقهر)..

     مدرسته الكبرى: إيمانه بالله، وبشعبه الثائر، وبعدالة قضيته، وحقه وشعبه في الحياة الحرة الكريمة..

       مهمته العظمى: تحقيق أهدافه، وأهداف ثورته وشعبه.. ومن بعدها أهداف أمته العظيمة.

       وسيلته الوحيدة: العمل الجماهيري الثوري، ومجاله الحيوي هو الربط ما بين ساحات الشعب، وساحات الحرب، وطاولة التفاوض.. وما بين المناطق والخنادق، والبنادق والزنابق.. وكان متميزا في كل هذه المواقع، وهذا من القليل النادر.

      العسكري: هو المتخصص بالعلوم العسكرية، وقيادة الجنود، والتخطيط للمعارك، وخوض غمارها بالتنسيق مع القادة الميدانيين، وتحقيق الانتصارات العسكرية معهم.. ودخل الدورات العسكرية، ودرس وتعلم في كلياتها الحربية، وتدريباتها الميدانية..

     العسكري يحتاج إلى القوة البدنية، والتدريب العضلي والجسدى، والتغذية الصحية لتقوية الجسم.

      والسياسي يحتاج إلى القوة العقلية، والتدريب الذهني، والتغذية الفكرية..

      والثوري يحتاج إلى القوة الروحة واللفظية، والشخصية القيادية التي تجذب الناس، وتحسن التعامل معهم، وكسب ثقتهم، وحسن قيادتهم.

       كلما كان العمر أصغر كان للعسكرة أقرب، وكلما كان العمر أكبر كان للسياسة أقرب وأفضل، والثوري من يجمع بينهما.

      السياسي يحتاج إلى الهدوء والرقة واللطافة والنعومة والسلاسة والتؤدة.

      والعسكري يحتاج إلى الحزم والقوة والثبات ورباطة الجأش، والصبر، والقدرة على التحمل، والاستعداد للتضحية، وتقديم الخسائر.

      والسياسي يحتاج إلى المراوغة والذكاء والفطنة والليونة والقدرة على التهرب من الحرج، والابتعاد عن العنف، وتجنب الصدام، والحرص على كسب المعركة دون خسائر، ولا تضحيات..

       فالعسكرة تعني الشدة والبطش.. والقوة الخشنة، والسياسة تعني اللين والرقة والهدوء والطمأنينة.. والقوة الناعمة.. والثورية تعني الجمع بين القوتين؛ الخشنة والناعمة وما بينهما.

       العسكرة تعني انتزاع الحقوق بالقتال، وبالقوة العسكرية، مهما كلفت من تضحيات، وقدمت من خسائر، وسالت من دماء..

       والسياسة تعني: حقن الدماء، وتوفير الخسائر، والحصول على الحقوق بالحكمة والتعقل والمفاوضات.

       والثورية تعني الجمع بينهما، وإجراء الحسابات بين الربح والخسارة، فإذا كانت الكلفة قليلة لجأنا للعسكرة، وإذا كانت أكبر انتظرنا وصبرنا لحين مؤاتاة الفرصة المناسبة، وإن لم تأت صنعناها، ولو بشيء من التكلفة والخسارة.

      السياسي يعفو ويصفح ويرحم، وقد يقدم بعض التنازلات، ويعطي الفرصة لعدوه بالهروب والمراجعة والتوبة عن الخطأ وتصحيحه واستثماره، إن شعر بذلك، وأراد عدوه ذلك. .

      والعسكري يقسو ويبطش ويسحق، ولا يتزحزح، ويخنق عدوه، ولا يعطيه متنفسا، ويقطع عليه الطريق، حتى لا يرجع، ويقضي عليه إن تمكن منه..

      السياسي: هو المتابع للشأن السياسي من الثورة، المتعمق فيه، بمعرفة خلفيات الثورة وأثرها على الداخل، ومتابع لمجرياتها وما حصل فيها وما حصل لها على المستوى العربي والإقليمي والدولي، ومواقف الدول والشعوب والمنظمات المدنية، والقوى غير العسكرية الفاعلة على الأرض؛ من أحزاب وجمعيات ومنظمات جماهيرية وقوى مدنية، وما يسمى بالقوة الناعمة.

      السياسي يجب أن يتابع كل ما يجري في الخارج حول قضيته، عربيا وإقليميا ودوليا، وأن يفهم عدوه بماذا يفكر ويخطط، وماذا يدبر، ومن مع عدوه من حلف معاد علني وسري، ومن الذي يتعاطف معه صادقا مخلصا، ومن الذي يجامله كاذبا، ومن الذي يكيد له، ويطعنه من الخلف، ومن يتآمر عليه.

      السياسي يجب أن يفهم عدوه فهما دقيقا، وماذا ينوي ويريد من كل مبادرة يقدمها، أو طرح يطرحه، أو مفاوضات يدعو إليها، وأن يتجاوب أو يرفض ويتخذ الموقف المناسب، بعلم وذكاء وفطنة ودهاء، ويحسب مقدار الربح والخسارة في الحالتين..

       إن السياسي البارع هو الذي يستطيع أن يحول الهزيمة إلى نصر.. ففي صلح الحديبية كان شرط المشركين بإعادة من جاءهم مسلما، والسماح بعودة من عاد مرتدا عن دينه إلى مكة، والعودة عن العمرة هذا العام إلى العام القادم، على أن يدخلوها من غير سلاح، وتكون هدنة مدتها عشر سنين.. عد هذا المسلمون هزيمة، وانتصار لمكة وقريش والكفار.. ولولا مشورة من امرأة لهلك القوم، ولكن السياسي البارع صاحب الرؤية الثاقبة، رأى فيها ما لم يره كل المسلمين، ووافق عليها، وكانت انتصارا أدى إلى فتح مكة دون قتال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المعركة بين الثوابت الثورية والتوافه الوطنية

المحامي عبد الناصر حوشان من أوجه الصراع بين الثورة، والنظام المسارات التفاوضية …