أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / بكل حيادية، القومية العربية ما لها وما عليها

بكل حيادية، القومية العربية ما لها وما عليها

د. عبد الحقّ الهوّاس

أكاديمي سوري.
عرض مقالات الكاتب

فكرة القومية نتاج فكر غربي له ظروفه في صراع البرجوازية مع سلطة الإقطاع، وسلطة الكنيسة المتحالفة معه … وبانتصار البرجوازية تغيرت خارطة أوروبا لتستوعب التغيير الناتج عن ذلك الصراع بحيث أخذت الدولة شكلها الحديث وفق مفاهيم جديدة اقتصادية وتاريخ مشترك واشتراك باللغة ، وكان لابد من الوقوف بوجه الكنيسة لوظيفتها المزرية في تسويغ سلطة الإقطاع ومجازر الدكتاتوريات في تطور أنتج معه العلمانية المتحررة من سلطة الكنيسة والمحافظة على القواعد الكنسية في آن معا …
لكن الأمر يختلف لدى العرب الذين لم يعرفوا مفاهيم : الأمة ، الدولة ، الحس القومي ، المجتمع المقنن ، السلطة، والحكومة ومؤسساتها إلا بمجيء الإسلام ، فكل ما ذكرته أعلاه هو نتاج الدين الإسلامي ، فالموضوع إذًا مختلف تماما عما جرى بالغرب ، فهو كما يبدو عكس ما كان لدى أوروبا !! فكان الخطأ الأول لدى القوميين العرب أنهم استنسخوا الفكر القومي الغربي كما هو ، وشجعهم الغرب ليضمن اجتماعهم ضد الأتراك العثمانيين آنذاك حتى لايكون هناك تناقض بين أبناء الدين الواحد ، وإنما يكون الصراع بين جنسين ، ولعل هذا ما يفسر حيرة ساطع الحصري كما ورد في مذكراته أنه شكا للمندوب السامي البريطاني في العراق تقليد الشباب العربي للأتراك ؟ فأجابه : عمقوا عندهم الحس العربي … المشكل الفكري الذي حال دون إيجاد فكر قومي عربي إسلامي أن ناقلي الفكر القومي كانوا بين اثنين ؛ ناقل ينقل ببغائية عمياء، وناقل نصراني أو طائفي لايرغب بالإسلام مكونا في حياة العرب إلا باللفظ المتشدق لأهداف معروفة … من هنا انتهجت القومية العربية العلمانية المشوهة فنشأ صراع لابد منه بينها وبين المجتمع الإسلامي الذي رأى فيها حربا على عقيدته … ولأجل ضمان القومية في مجتمع ارتاب منها ووقف إزاءها حذرا، كان هناك مساران ، مسار سياسي من خلال تشكيل أحزاب قومية ، وآخر اتباع أسلوب الانقلابات العسكرية لضمان فرضها بالقوة وعدم سقوطها في انتخابات حرة ، وتداول سلمي للسلطة … تنبه بعض القوميين العرب إلى هذا الخطأ ومنهم صدام حسين الذي بدأ بإدخال الدين إلى البعث فيما عرف بأسلمة البعث ، لكن التركة كانت ثقيلة جدا، والراعي الدولي لايسمح ، والنهاية مأساوية، فتباينت ردود الأفعال بين منكر للقومية ، وبين من يعزو ما جرى للعسكر والمنظرين الطائفيين، فيعزو سقوط الفكر القومي إلى مؤامرة دولية … والحق كان على القوميين المخلصين أن يقوموا بخطوات جدية من خلال تشخيص الداء الحقيقي، وهو استبعاد الدين الإسلامي، وهو المكون الحقيقي للقومية لدى العرب ، وأن يستلهموا أفكارهم من معينه الثر… الغريب أن بعض الشيوعيين العرب تصرفوا، وإن بشكل محدود فاعترفوا بالقومية العربية، كما فعل رياض الترك أو ما يعرف بالمكتب السياسي ، لكن فكرهم حال دون الوصول إلى الإسلام ، إلا في حالة لها ظروفها الخاصة، وهي حالة الحزب الاشتراكي اليمني ، لكنه انتهى إلى حزب قبلي أكثر منه ماركسي ، ولم يكن له من الماركسية سوى الدموية ، أما الإسلام فكان لدى أعضائه طقسا أو عادة …بينما أحجم القوميون العرب عن تقديم خطوة باتجاه الإسلام ، وعزاها بعضهم إلى سيطرة الشوارعية المتحزبة … ولو أن القوميين العرب فعلوا هذا لكسبوا ثقة المجتمع، وتواضعوا مع كل الأحزاب على تثوير المجتمع فكريا بحيث يحدد صلاحية الأفضل ضمن تجربة حيوية في تداول السلطة سلميا والتنافس على بناء الوطن ، ولتخلصوا من الصراعات الحزبية الغبية التي نتجت بشكل طبيعي كمحصلة لاختلاف جوهري في الرؤيا الضبابية نتيجة الاستنساخ ، مما فتح الباب واسعا لتناحر الأحزاب القومية نفسها في تفسيرات واهية لا معنى لها ، وصراعات بين التيارات والجماعات والأحزاب الدينية فهي برغم منبعها الواحد إلا أن عدوى الصراع الحزبي أصابها فانجرت إلى ساحة مَن يسقط مَن ، ومَن هو الأفضل على الساحة والأقرب إلى الله ، ولم تمارس ذلك من خلال الانشغال ببناء الوطن، وإثبات الأفضل ومراقبة المقصر وإثارة تنافس شريف … وهنا أؤكد أني تعمدت عدم الدخول في نظرية المؤامرة حول تشكيل الأحزاب والهدف منه ، ولا في حتمية الصراع بينها للهدف نفسه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التحالف الاستراتيجي بين النظام السوري وإسرائيل.

ليس صحيحاً أن الرئيس المصري الراحل أنور السادات أول من وقع معاهدة سلام مع إسرائيل.. …