أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (41)

إضاءات سياسية (41)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

لا يوجد انتخابات حقيقية في ظل نظام استبدادي في سوريا

10/12/2006

المحامي هيثم المالح في حديث خاص للمرصد السوري : سنة 2006 تشبه بداية الثمانينات ، لا يوجد انتخابات حقيقية في ظل نظام استبدادي شمولي .

جمعية حقوق الإنسان في سوريا وهيثم المالح اسمان ارتبطا ببعضهما :

هي تعرّف بنفسها بأنها جمعية مستقلة غير حكومية تأسست بتاريخ 02/07/2001 من قبل مجموعة من المهتمين والناشطين في الحقل العام . أما هو فيعرف عن نفسه بأنه ممارس لنشاطه في الدفاع عن حقوق الإنسان منذ عام 1978 بصفته محام وعضو لجنة الحريات العامة وحقوق الإنسان في نقابة المحامين في أواخر السبعينات . فمعتقل ، فأحد مؤسسي جمعية حقوق الإنسان في سوريا ورئيساً لها . فتح مكتبه الشخصي مقراً للجمعية ، ويفخر أنه كان “أول شخص تحرك في سوريا للحديث عن الطوارئ والأحكام العرفية 1978”! ويفخر كذلك أنه “الشخص الوحيد الذي أقام دعوى لإلغاء نظام الطلائع سنة 1975” .

في الذكرى الثامنة والخمسين لإطلاق الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، التقينا الأستاذ المحامي هيثم المالح وبدأنا حديثاً معه من تقييمه لحال حقوق الإنسان في سوريا اليوم فقال : {للأسف يوجد تراجع كبير وأعتقد أن الأجهزة الأمنية قد حصلت على ضوء أخضر من أعلى سلطة في الدولة للعودة إلى ممارسة القمع ، بعد مرور فترة من الهدوء والاسترخاء الأمني . إذاً يوجد ارتداد ، وبتصوري ، إن هذه السنة تشبه بداية الثمانينات .. يوجد سياسة قمعية واضحة وضغوط أمنية على تنظيمات وشخصيات كثيرة ، وهذا أدى إلى تراجع العمل . ففي حديث للرئيس مع مجموعة يوسف فيصل قال فيه إن الأولوية للأمن . نفهم أن هذا يشكل ضوءاً أخضراً للأجهزة الأمنية لممارسة القمع . أنا لدي قضية في محكمة أمن الدولة أدافع فيها عن شخص قدم من كندا وأراد الذهاب إلى العراق لأنه سمع أن الناس يريدون القيام بذلك كما أن مفتي الجمهورية الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله قد أفتى بوجوب قتال الأمريكيين الذين قاموا باحتلال بلد عربي ومسلم . كذلك فإن الرئيس بشار الأسد كان قد أعلن بشكل واضح أن المقاومة حق مشروع ، إضافة إلى أن الدستور يقول نحن جزء من أمة عربية . هكذا فإن موكّلي يعاقب على رأيه} .

سألنا الأستاذ المالح عن موقفهم في الجمعية من التعاطي مع الإعلام كجزء من وسائل العمل في مجال حقوق الإنسان ، فأجاب : {الإعلام أساسي في العمل العام ، لكن ليس كل ما نفعله يمكن تناوله في الإعلام . الجمعية ترسل بالبيانات التي تصدرها إلى الإعلام وتُنشر ، لكن الخوف والخطر أن يتحول الإعلام إلى هدف . وللأسف الشديد بعض الأشخاص يهمّهم الإعلام أكثر من العمل وهدفهم أن يكونوا تحت الأضواء وأن يتحولوا إلى سوبر ستار ، وهذا مرض قاتل للعمل .

الإعلام وسيلة هامة للتعبير عما نفعله لكنه ليس هدفاً بحد ذاته :

في السنوات السابقة كنّا أكثر ممارسة للإعلام من هذه السنة ، والسبب هو عودة أجهزة السلطة لممارسة الضغوط على العاملين في العمل العام أكثر من السنوات السابقة بدليل الاعتقالات التي حصلت : ميشيل كيلو ، فاتح جاموس ، أنور البني والآخرين . وهذا مؤشر على عودة العقلية الأمنية وممارسة الضغط على المجتمع بالطريقة القديمة .

مجلس الإدارة الجديد في الجمعية فهم من هذه الرسالة أن نكون أكثر حذراً وأكثر روية ولا يجوز إعطاء السلطة مبررات لاتخاذ تدابير تشلّ العمل بشكل نهائي . فارتأى المجلس الجديد أن نخفف من ممارسة النشاط الإعلامي حرصاً على الجمعية وعلى استمرار عملها ، إذ يجب ألا تتعرض للتوقف عن القيام بعملها الذي تحاول من خلاله إعادة الناس إلى ممارسة الشأن العام . قد يكون عملنا في الإعلام أبطأ من السابق ، لكن أعتقد أننا نعمل في إطار معقول ، ثمة أشياء كثيرة يجب الإدلاء بها لكن ليس كل ما يُعلم يقال} .

وعن آليات ووسائل عمل الجمعية يؤكد الأستاذ هيثم أن أهم ما استطاعوا تحقيقه كجمعية هو “بقاؤهم على الساحة دون أن تتمكن السلطة من نفي وجودهم” ويضيف : {قمنا بعمل جيد لا أعتقد أن جمعيات غيرنا قامت به . نحن اعتبرنا السلطة الموجودة ، قائمة فعلية لا يمكن تجاهلها وبما أنها تنتهك حقوق الإنسان بالتالي لا بد من التعامل معها ، مراسلتها والاتصال بها ، فنحن نعمل ضمن إطار حقوق الإنسان ونظامنا الداخلي يقول نحن نقف على مسافة متساوية من النظام والمعارضة .

وأنا شخصياً قابلت عدداً من الوزراء المعنيين بدءاً من وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل السيدة غادة الجابي ، إلى وزير العدل ووزير الخارجية ، ومسؤولين في السلطة ، ثم التقيت بمسؤولين أمنيين كبار في إطار الدفاع عن حقوق الإنسان وتقديم ملفات . آخر لقاء كان لي مع اللواء هشام اختيار رئيس مكتب الأمن القومي ، قدمت له خلاله (7) أو (8) ملفات حول مشاكل متعددة منها الاختفاء القسري ، والمتضررين بسبب السجون ، هذا عملي . وكذلك راسلت عدة مرات وزيراً سابقاً للداخلية ، وإحدى المراسلات أدت إلى نتيجة ، وأخلي سبيل الشخص الذي راسلت من أجله . كما قابلت وزير العدل عدة مرات ، وكنا قد أرسلنا من الجمعية مذكرتين حول منع التعذيب في السجون وحول نشر ثقافة حقوق الإنسان ، خاطبت فيهما (5) وزراء : وزير الداخلية ووزير التعليم العالي ووزير العدل ووزير الدفاع ووزير التعليم .. وهذه المذكرات هي الأولى من نوعها في سوريا ، إذ لم يمارس مثل هذا العمل من قبل ، وهو ذو مستوى عالٍ وراقٍ . قد أكون مقتنعاً أنه لن يتم أي تحرك لكن يجب أن أعمل بغض النظر عن النتائج .

وزير العدل الحالي أعرب عن اهتمامه بموضوع حقوق الإنسان وقال إنهم ساعون لتدريس هذه المادة في معاهد القضاة وأنه جلب إلى مكتبة القضاة عدداً من الكتب التي تهتم بحقوق الإنسان . لم يتحقق كل شيء لكن تحققت أشياء . السلطة تعتبرنا موجودين وتعاملنا كجمعية ، تلقينا العديد من الرسائل موجهة إلى (جمعية حقوق الإنسان في سوريا) ، من قبل وزارة الداخلية وغيرها ، وهذا اعتراف ضمني .

عملنا ليس في الانتهاكات السياسية فقط بل في البيئة وانتهاك المساواة أمام القانون والانتهاكات المتعلقة بإعطاء بعض الطلاب أفضلية لدخول الجامعات بعلامات غير صحيحة ، أي ما يسمى (منظمات الشبيبة التابعة للدولة) . لكن بالنتيجة فإن السلطة لا تعتبرنا شرعيين (مشرعني) وهذا ينعكس على العمل سلباً .

أما بالنسبة إلى الإمكانيات المادية التي نتحرك من خلالها ، فهي تعتمد على اشتراكات أعضاء الجمعية وهي ضعيفة إذ لا تمكننا من استئجار مكتب خاص بالجمعية لذا قدمت مكتبي مركزاً للجمعية ولولا هذا لما كان لنا مكتب ، لأن النفقات ستكون باهظة . وهذا من سلبيات العمل في حقوق الإنسان في ظروفنا الحالية لأنه يجعل عملنا أقل علنية} .

سألنا الأستاذ المالح عن الانتخابات القادمة (على المستويات المختلفة) ، فيما إذا كانت جمعيتهم ستشارك في ما سيسمى لجان مراقبة الانتخابات ؟ فقال : {في سوريا لا يوجد انتخابات على كل الأصعدة . الدولة هي التي تتحكم بالصناديق ، تنجّح من تريد وتسقّط من تريد ، تتحكم وتتدخل وتنتهك ، باختصار لا يوجد تكافؤ فرص وليس الجميع متساوون . النفوذ يلعب دوراً كبيراً وكذلك العلاقات مع الأجهزة الأمنية ، والمال . على سبيل المثال لدينا ما يسمى بالمحكمة الدستورية التي تقام فيها قضايا للبحث في عدم شرعية الانتخابات ، في سنة 1978 زرت رئيس المحكمة آنذاك فقال لي أبطلنا انتخاب (125) عضو مجلس شعب لكن ثبّتوا بمرسوم رئاسي . ما قيمة ذلك إن كان رئيس الجمهورية هو من يعين مجلس الشعب وليست الانتخابات .

ليس من فائدة للجان مراقبة الانتخابات في ظل واقع غير صحيح ، غير ديمقراطي ولا حريات فيه ، هذه من مبدأ عدم تكافؤ الفرص ، يجب أن يمنح كل المواطنين فرصاً متساوية للمشاركة في العمل العام وفي بناء الدولة سواء على مستوى المجالس المحلية أو مستوى المخاتير أو المفتي ، فسابقاً كان المفتي يُنتخب من قبل هيئة علماء أما الآن فلا ينتخب بل يعين ، أيضاً على مستوى مجلس الشعب وعلى مستوى رئاسة الجمهورية .

لا يوجد انتخابات حقيقية في ظل نظام استبدادي شمولي لأنه لا يوجد حريات ، كما أن قانون الانتخاب سيئ والأمور كلها مركبة لتصب في مصلحة النظام .

ونحن كجمعية حقوق الإنسان نتكلم عن هذه الناحية ، ننبه إلى الانتهاكات ونقول بحق كل مواطن بالترشح والحصول على العضوية إن حصل على الأكثرية المطلوبة} .

لِمَ يصنف الناشط في حقوق الإنسان كمعارض ؟ يجيب الأستاذ المالح : {العمل في مجال حقوق الإنسان فيه تماس مع الجانب السياسي ولا يمكن نفي ذلك . فنحن أمام سلطة غير ديمقراطية وبالتالي فإن أي عمل تقوم به جمعيات حقوق الإنسان من رصد انتهاكات السلطة وإعلانها ، تعتبره السلطة من جانبها معارضة . والحقيقة أنه ليس كذلك بل هو عمل حقوقي ، فنحن على مسافة متساوية من النظام والمعارضة . نحن نعطي رأياً حقوقياً وليس سياسياً ، لكن من يمارس الانتهاكات يقوم بعمل سياسي لذا فإن عملنا يتعارض مع ما يقوم به هذا السياسي من انتهاكات ويكشف مساوئه .

ثمة خيط رفيع بين الحقوقي والسياسي ، لا بد من وجود تفاعل ، فعل ورد فعل ، قد يكون عملنا في حقوق الإنسان رد فعل على الانتهاكات التي تقوم بها السلطة سواء كانت انتهاكات أمنية أو سياسية أو غير ذلك} .

تعرضت جمعية حقوق الإنسان في سوريا كغيرها من الجمعيات إلى الانقسامات ، فما هي الأرضية التي تحدث الانقسامات عليها ؟

يقول المحامي هيثم المالح : {أعتقد أن الانقسامات ليس هدفها المصلحة العامة ، بل الشخصنة . فهنالك أشخاص يعتقدون أن لديهم الرؤية الصحيحة ، أما الآخرون فليس لديهم رؤية . الخلاف بالرأي طبيعي وهو ظاهرة صحة لكن عندما يؤدي إلى انقسام فليس الهدف هو الرأي بل صنع الزعامة والرئاسة والجلوس تحت الأضواء وقد يكون لأسباب أخرى لست بصددها الآن . وهنا في جمعيتنا حدث خلاف بالرأي وانسحب البعض وكانوا مخطئين لأنه لم يقمعهم أحد ولم يطلب منهم مطالب ، لكن هناك أسباب لا يمكن ذكرها في الإعلام لذلك اضطروا إلى الانسحاب} .

وعن رأيه الشخصي بالوضع السياسي والتشكيلات السياسية الموجودة على الساحة السورية الآن أجاب : {ليس لدينا خبرة في السياسة . فقد توقف العمل السياسي العام وممارسته منذ عام 1958 ، أي منذ قيام الوحدة بين سوريا ومصر حيث تأسس النظام البوليسي ، وحتى الآن نحن كشعب خارج الأطر السياسية .

قام الاستعمار الفرنسي على ركيزتين هما التفقير والتجهيل ، وبالتالي لم تقم تنظيمات سياسية أيام الاستعمار الفرنسي سوى الكتلة الوطنية وكانت عبارة عن مجموعة من الشخصيات والزعامات هدفها مقاومة الاستعمار ، أي لم يكونوا حزباً سياسياً . وعندما خرج الاستعمار انقسمت الكتلة إلى حزبين حزب الشعب والحزب الوطني ، وهذان الحزبان قاما على الزعامات . والأحزاب العقائدية التي نشأت تلك الفترة هي الحزب الشيوعي وحزب البعث العربي الاشتراكي والإخوان المسلمون ، كان هنالك القوميون السوريون لكنهم لم يشكلوا ثقلاً ذا معنى ، وتلك الأحزاب ليس لديها خبرة ولا علم سياسيين .

لدينا ينعكس الخلاف الشخصي على العمل العام ، كما هنالك شخصنة ، فكل يريد أن يكون زعيماً وإن صار زعيماً فلا يترك الزعامة . لذلك يوجد تشرذم بشكل دائم ، يختلف الناس وينقسمون أو يتركون ، وهذا يؤدي إلى الضعف ولا يمكن إصلاحه في ظل نظام استبدادي . يحتاج إلى ممارسة عملية لاكتساب الخبرة العملية كذلك إلى دراسات نظرية .

لذلك فإن الوضع السياسي سيئ وليس لدينا تنظيمات سياسية تحوز على احترام الناس . وما هو موجود من تشكيلات وتنظيمات سياسية لم تتمكن من تجييش الشارع مثلاً وهي لا تقوم بالدفاع عن مصالح الناس ، كله عبارة عن تنظير ، نسبّ بعضنا أو نسب الحكومة . وأنا نفسي دعوت الناس للاهتمام والكتابة عن مصالح الناس ، إن لم يتبنوا مصالح الناس لن ينجحوا . يجب أن يشعر الناس أن تلك التنظيمات تدافع عنهم} .

أخيراً سألنا الأستاذ المالح عن أهم ما يميز جمعيتهم عن غيرها فقال : {نحن أكثر قرباً للمبادئ الحقوقية وأكثر مصداقية وتحرياً للخبر وأكثر حيادية ولا نتوخى الطبل والزمر والتهويش ، نحن يأتي الناس إلينا ويشكون همومهم لأنهم يشعرون أننا ندافع عنهم} .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إضاءات سياسية (42)

هيثم المالح ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم …