أخبار عاجلة
REUTERS/Henry Nicholls

“الاردوغانية”.. كيف ولدت الأحزاب السياسية الإسلامية في تركيا 5 من 13

جمال سلطان

كاتب وصحفي مصري
عرض مقالات الكاتب

العام 1970 ، وفي ظل فوران المجتمع وانكشاف أحشائه على نزعات جديدة على تركيا ، يسارية ودينية وكردية وقومية ، شهد حالة سياسية فريدة ، عندما أعلن البروفيسور نجم الدين أربكان ، عضو البرلمان عن مدينة “قونيه” ، عصب التيار المحافظ في تركيا ، عن تأسيس حزب “إسلامي” باسم “حزب النظام الوطني” ، وكان تحديا كبيرا في ذلك الوقت ، وبعد تسعة أشهر من انطلاق هذا الحزب وممارسة نشاطه وبدء انتشاره في الأجيال الجديدة ـ تأسيس الأحزاب في تركيا بالإخطار ـ أصدر قائد الجيش الجنرال “محسن باتور” تحذيرا ، فانعقدت المحكمة الدستورية ـ التي يملك الجيش سطورة كبيرة عليها آنذاك ويشارك في عضويتها أيضا ـ وقررت حل الحزب .

بعد عامين تقريبا أعاد “أربكان” الكرة ، وأسس مشروعه باسم جديد “حزب السلامة الوطني” ، ثم شارك في أول انتخابات بعد تأسيسه ، ليحقق فوزا مفاجئا وإن كان غير كبير ، بحوالي خمسين مقعدا ، لكنها كانت كافية لكي يدخل حكومة ائتلافية بالمشاركة مع “حزب الشعب الجمهوري” ـ وريث الأتاتوركية ـ عام 1974 ، وكان ذلك حدثا فريدا ، أن تتشكل الحكومة من ضدين عقائديين ، وهو ما جعل هذا الائتلاف لا يعيش طويلا ، ولم تكمل تلك الحكومة عاما واحدا ، غير أن اسم ونجم “أربكان” كان قد برز بوضوح في الساحة السياسية ، وشغل الشارع ، حتى بعد خروجه من الحكومة ، وبدأ يشتبك مع الأحداث في العالم العربي والإسلامي ويحشد للتضامن مع فلسطين وشعبها ، وقدم حزبه مشروع قانون إلى البرلمان في صيف عام 1980 يدعو الحكومة التركية إلى قطع علاقاتها مع إسرائيل، وأتبع ذلك مباشرة بتنظيم مظاهرة ضخمة ضد القرار الإسرائيلي بضم مدينة القدس ، كانت المظاهرة من أضخم ما شهدته تركيا في تاريخها المعاصر، الأمر الذي اعتبر استفتاء على شعبية الإسلام السياسي بزعامة أربكان .

بعد أيام قليلة من تلك المظاهرة الضخمة ، وفي صباح 12 سبتمبر/أيلول عام 1980 قاد الجنرال “كنعان ايفرين” رئيس أركان الجيش انقلابا عسكريا ـ هو الثالث في تركيا ـ وهو الأكثر دموية في تاريخ البلاد ، حيث قتل فيه عشرات الآلاف ، واعتقل نحو 650 ألفا، وأخضع 230 ألفا منهم لمحاكم عسكرية، بينما هرب عشرات الآلاف من تركيا إلى خارجها ، وتولى الجنرال “ايفرين” الحكم بنفسه ، وقرر حل البرلمان وإلغاء الأحزاب السياسية، ونصّب نفسه رئيسا للبلاد في 7 نوفمبر/تشرين الثاني سنة 1982، وألغى الحريات المدنية وأي ضمانات لحقوق الإنسان، وتعرض في عهده الآلاف من كل التيارات والتوجهات الأيديولوجية والسياسة للتعذيب والقتل في السجون بسبب معتقداتهم السياسية ، وقد سجن “نجم الدين أربكان” في هذه الموجة ثلاث سنوات ، كما صدر قرار بحل حزبه الجديد ومصادرة ممتلكاته .

بعد عام من تنصيب “ايفرين” نفسه رئيسا للبلاد ، عادت الحياة السياسية للحركة التدريجية ، في تلك الأثناء أسس الأكاديمي والسياسي المغمور وقتها “تورجوت أوزال” حزبا جديدا أسماه “حزب الوطن الأم” عام 1983، وأوزال كان أحد أعضاء حزب السلامة الإسلامي الذي أسسه أربكان ووقع عليه الانقلاب الثاني ، انفصل عن أربكان وأسس حزبه الجديد ، وكانت وجهته الأساسية هي علاج شرخ “الهوية” ، الذي عصف بتركيا ووجودها ، فكان “أوزال” يتقدم بوصفه المقرب من الصوفيين ، ومن الإسلاميين ، وفي نفس الوقت يعلن تمسكه بعلمانية الدولة وميراث مصطفى كمال ، والمفاجأة أنه في أول انتخابات خاضها الحزب حقق فوزا كبيرا ومفاجئا ، أتاح له تشكيل الحكومة منفردا في العام 1983 ، وفي الانتخابات التالية نجح أيضا باكتساح في العام 1987 ، ومرة جديدة تثبت الأحزاب الجديدة والناشئة أملا للشعوب بعد انهيار آمالها على الأحزاب القديمة ، وتولى “تورجوت أوزال” رئاسة الحكومة الجديدة ، بينما كان قائد الانقلاب “كنعنان ايفرين” رئيسا للدولة ، وفي العام 1991 مع نهاية ولايته كرئيس للوزراء تولي “أوزال” رئاسة الجمهورية ، وشهد عصر “أوزال” تناميا واضحا للتيارات الإسلامية ، التي يبدو أن أجواء الحرية الجديدة أتاحت لها حيوية العمل والاندماج في المجتمع الجديد ، فظهرت لهم صحف ومجلات ومراكز أبحاث وقنوات تليفزيونية ، وبدأ المجتمع يستعيد ميراثه التاريخي بهدوء وتدرج وانتشرت المدارس الدينية ، وللمرة الأولى يظهر رئيس الوزراء في صلاة الجمعة وكان حدثا فريدا في تركيا الجمهورية منذ تأسيسها ، كما ظهر في احتفالات الصوفيين بالمولد النبوي ، وظهر في عهد “أوزال” تحسن اقتصادي واضح ، ورغم أن حزب الشعب الجمهوري ورموز العلمانية المتشددة في تركيا هاجموه كثيرا وحرضوا عليه ، إلا أن العسكر لم يتدخلوا بسهولة هذه المرة ، ربما بسبب مرارة تجاربهم السابقة ، كما أن الحسابات الدولية وقتها لا تساعد العسكر على الانقلاب ، حيث حرب أفغانستان ورغبة الولايات المتحدة ـ زعيمة حلف الأطلنطي ـ في عدم الصدام مع التيارات الإسلامية في المنطقة ، وهذا ربما ساعد “أوزال” أو حماه من الانقلابات العسكرية في تلك المرحلة .

وفي ربيع 1993 توفي “تورجوت أوزال” بصورة مفاجئة وغامضة ودون أن يعاني من أمراض سابقة ، قيل أنها أزمة قلبية ، ثم تسربت معلومات بعد ذلك تتحدث عن “تسميمه” بفعل فاعل ، أو بمعنى آخر إزاحته من السلطة بدون الحاجة إلى الانقلاب هذه المرة .
وفي حوار تليفزيوني مع نجل “أوزال” بث مؤخرا قال أن والده كان قد لمح في نهايات فترة ولايته بروز نجم وحماسة شاب سياسي جديد اسمه “رجب طيب أردوغان” كان عضوا بارزا في حزب نجم الدين أربكان ، وأن “أوزال” عرض على السياسي الشاب “اردوغان” أن يأتي مديرا لمكتب رئيس الوزراء ، إلا أن “اردوغان” رفض العرض احتراما لولائه لأستاذه نجم الدين أربكان ….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الأوهام لا تصنع أوطانًا!

د. محمود سليمان أكاديمي سوري، دكتوراة في القانون الدستوري. عندما قام غالبية الشعب …