أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / اقتصاص المظالم بين الخلق

اقتصاص المظالم بين الخلق

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

في ذلك اليوم يُقْتَصُّ للناسِ بعضُهم من بعضٍ، فالحسابُ شامِلٌ لظلم العبدِ نفسَه، وظلمه لغيرِه من الناس، وما أعظمَ خيبةَ الذي وقعَ في ظلمِ الناس، لأنَّ القصاصَ يومئذٍ لا يكونُ بالمالِ ولا السجنِ ولا غير ذلك، بل يكونُ بالحسناتِ والسيئاتِ، قال تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا *﴾ [طـه: 111] .

وقال رسول الله (ﷺ): « مَنْ كانتْ له مظلمةٌ لأخيهِ مِنْ عِرْضِهِ أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّله مِنْهُ اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ، إن كان لَهُ عَمَلٌ صالِحٌ أُخِذَ منه قَدْرَ مظلمته، وإنْ لم تكنْ له حسناتٌ أُخذَ من سيئاتِ صاحبه فحُمِلَ عليه » .

وقال رسول الله (ﷺ): « أتدرونَ مَنِ المُفْلُِس؟ » قالوا: المفلسُ فينا مَنْ لا دِرْهَمَ له ولا مَتَاعَ، فقال: « إنَّ المُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شتمَ هـذا، وقذفَ هـذا، وأكلَ مالَ هـذا وسفكَ دمَ هـذا، وضربَ هـذا، فيُعْطَى هـذا مِنْ حسناته، وهـذا مِنْ حسناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يَقْضِي ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فَطُرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النَّارِ »

ومن كمال عدل الله تعالى في ذلك اليوم أنّه يقتصُّ للبهائم بعضِها من بعضٍ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: « إذا كانَ يومُ القيامةِ مُدّتِ الأرض مدَّ الأديمُ، وحُشِرَ الخلائقُ: الأنسُ والجنُّ والدوابُّ والوحوشُ، فإذا كان ذلك اليوم جُعِلَ القصاصُ بين الدوابِ، حتّى تقتصّ الشاةُ الجمّاءُ مِنَ القرناءِ بنطحِها، فإذا فرغَ الله مِنَ القصاصِ بينَ الدوابِ، قال لها: كوني تراباً، فتكونُ تراباً، فيراها الكافِرُ فيقول: ﴿يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا *﴾ [النبأ: 40].

1 ـ عظم شأن الدماء:

من أعظمِ الأمورِ عندَ الله أن يَسْفِكَ العبادُ بعضَهم دمَ بعضٍ في غيرِ الطريق الذي شرعه الله تبارك وتعالى، قال رسولُ الله(ﷺ): « يَجِيْءُ الرجلُ اخذاً بيدِ الرجلِ، فيقولُ: يا ربِّ، هـذا قتلني، فيقولُ: لم قتلتَهُ ؟ فيقول: قتلتهُ لتكونَ العزَّةُ لكَ، فيقول: فإنَّها لي، ويجيءُ الرجلُ اخذاً بيدِ الرَّجُلِ فيقول: أيْ ربِّ، إنَّ هـذا قتلني، فيقول الله: لم قتلتَهُ؟ فيقول: لتكونَ العزَّةُ لفلان، فيقول: إنَّها ليستْ لفلانٍ، فيبوءُ بإثمِهِ » .

وقال رسول الله (ﷺ): « يجيءُ المقتولُ بالقاتلِ يومَ القيامةِ، ناصيتهُ ورأسُه بيدِه، وأوداجُه تشخبُ دماً، فيقول: يا ربِّ سَلْ هـذا فيمَ قتلني؟ حتَّى يدنيه من العَرْشِ ».

2 ـ أوّلُ ما يقضى بينَ العبادِ في الدماءِ:

 ولعظمِ أمرِ الدماءِ، فإنَّها تكونُ أوَّل شيءٍ يُقْضَى فيه بين العباد، فقد قال رسول الله (ﷺ): « أوَّلُ ما يُقْضَى بينَ الناسِ يومَ القيامةِ في الدماءِ».

ب ـ الحوض :

قال تعالى في سورة الكوثر ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ *﴾ .

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: بينما رسولُ اللهِ (ﷺ) ذاتَ يومٍ بين أظهُرنا إذ أغفى إغفاءةً، ثم رفعَ رأسَه مبتسماً، فقلنا: ما أضحكك يا رسولَ اللهِ ؟ قال: أُنزلتْ عليَّ انفاً سورةٌ فقرأ ثم ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ *فَصَلِّ لِرَّبِكَ وَانْحَرْ *إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ *﴾: « أتدرون ما الكوثر ؟ » فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: « فإنّه نهرٌ وعدنيه ربِّي عزَّ وجلَّ، عليه خيرٌ كثيرٌ، عليه حوضٌ، تَرِدُ عليه أُمَّتي يومَ القيامةِ، انيتُه عددُ النجومِ، فَيُخْتَلَجُ العبدُ مِنْهُم فأقول: ربِّ إنَّه مِنْ أُمّتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك » . فقوله « عليه حوض » يدلُّ على أنَّ الحوضَ يتفرّعُ من النهر، ويدلُّ الحديث أيضاً على أنّ الحوضَ موجودٌ في عَرْصاتِ يوم القيامة قبلَ دخولِ الجنّة، لقوله (ﷺ): « فيختلج العبد منهم » وهـذا لا يكونُ في الجنّةِ، لأنّهم في الجنة لا يمنعون من شيءٍ يشتهونه.

وقد جاءت الأحاديثُ النبويةُ في بيان حوض النبي (ﷺ) الذي أكرمه الله عزّ وجلّ به، وهو في عَرْصاتِ القيامة، وهو غيرُ الكوثرِ، بل الكوثرُ يكونُ مدداً له، والذي يتَلخَّص في صفته أنّه حوضٌ عظيم، وموردٌ كريمٌ، يُمَدُّ شراب الجنة من نهر الكوثر، وماؤه أشدُّ بياضاً من اللبن والوِرْقِ، وأحلى من العسل، وأبردُ من الثلج، وأطيبُ ريحاً من المسك، وهو في غاية الاتّساع، عرضُه وطولُه سواءٌ، كلُّ زاويةٍ من زواياه مسيرةُ شهرٍ، وكيزانُه عددٌ نجوم السماءِ، تردُ عليه أمةُ رسولِ اللهِ (ﷺ)، وهو فَرَطُهم عليه، مَنْ شَرِبَ منه شربةً لا يظمأُ بعدَها أبداً.

ولقد بيّن لنا رسولُ اللهِ (ﷺ) في أحاديثَ كثيرةٍ الذينَ يردون على حوضه، والذين يُذادون عنه، فيُمنعونَ من الشربِ منه، فمن تلك الأحاديث :

1 ـ عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّ رسول الله (ﷺ) قال: « إنّ حوضي لأبعدُ مَنْ أَيْلة من عدنٍ، والذي نفسي بيده إنِّي لأذودُ عنه الرجالَ كما يذودُ الرجلُ الإبلَ الغريبةَ عن حوضِهِ » قالوا: يا رسول الله وتعرفُنا ؟ قال: « نعم ، تردونَ عليَّ غُرّاً محجَّلينَ من اثارِ الوضوءِ، ليستْ لأحدٍ غيركم »

2 ـ قال رسول الله (ﷺ): « بينما أنا قائمٌ على الحوض إذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلم، فقلتُ: إلى أينَ؟ قال: إلى النار، والله، قلت: ما شأنهم ؟ قال: إنَّهم ارتدّوا بعدك على أدبارِهم القهقهرى، ثم إذا زمرةٌ، حتى إذا عرفتُهم خرجَ رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلم، قلت: أين ؟ قال: إلى النار، والله قلتُ: ما شأنُهم ؟ قال: إنّهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقهرى، فلا أراه يخلُصُ منهم إلا هَمَلُ النعم » أي فلا يرد الحوض إلا القليل، لأن الهمل من الإبل قليل بالنسبة الى غيره .

3 ـ وقال رسول الله (ﷺ): « إنِّي فرطُكُم على الحوضِ، مَنْ مَرّ عليَّ شَرِبَ، وَمَنْ شرب، لَمْ يَظْمَأْ أبداً، لَيَرِدَنَّ عليَّ أقوامٌ، أعرفُهم ويعرفونني، ثم يُحالُ بيني وبينهم »، وفي حديث اخر « فأقول: إنهم مني، فيقال: إنّكَ لا تَدْرِي ما أحدثوا بَعْدَكَ، فأقول: سُحقاً سُحقاً لمن غيّر بعدي » وقال النووي في شرح بعض روايات الحديث عند قوله (ﷺ): ( هل تدري ما أحدثوا بعدك ) المراد به على أقوال :

القول الأول: إن المراد به المنافقون والمرتدّون، فيجوزُ أنّ يُحْشَروا بالغُرّة والتحجيل، فيناديهم النبيُّ (ﷺ) للسمة التي عليهم فيقال: ليس هـؤلاءِ ممّا وُعدتَ بهم، إنَّ هـؤلاء بدّلوا بعدك، أي لم يموتوا على ما ظهرَ من إسلامهم .

القول الثاني: إنّ المراد مَنْ كان في زمن النبي (ﷺ) ثم ارتدَّ بعدَهُ، فيناديهم النبيُّ (ﷺ) إنْ لم يكن عليهم سمةُ الوضوءِ، لما كان يعرفُه (ﷺ) في حياته من إسلامهم، فيقال: ارتدوا بعدك .

القول الثالث: إنّ المرادَ به أصحابُ المعاصي والكبائر، الذين ماتوا على التوحيد، وأصحابُ البدعِ الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، وعلى هـذا

لا يُقْطعُ بهـؤلاء الذين يُذَادُوْنَ بالنار، يجوز أن يذادوا عقوبةً لهم، ثم يرحمهم سبحانه وتعالى، فُيدْخِلُهم الجنة بغيرِ عذابٍ، ونقل هـذه الأقوال، أو قريباً منها، القرطبي وابن حجر رحمها الله تعالى .

ولا يمتنعُ أن يكونَ أولـئك المذادون عن الحوضِ هم من مجموع تلك الأصناف المذكورة، فإنَّ الرواياتِ محتملةٌ لكلِّ هـذا، ففي بعضها يقول النبي (ﷺ): «فأقول أصحابي» و«أُصيحابي» بالتصغير . وفي بعضها يقول: « سيؤخذ أناسٌ من دوني فأقول: يا ربي مني ومن أمتي » وفي بعضِها يقول: « ليردنَّ عليَّ أقوامٌ أعرفُهم ويعرفونني » وظاهرُ ذلك أنَّ المذادين ليسوا طائفةً واحدةً، وهـذا هو الذي تقتضيه الحكمةُ، فإنَّ العقوباتِ في الشرع تكونُ بحسب الذنوب، فيجتمع في العقوبة الواحدة كلُّ مَنِ استوجبها من أصحابِ ذلك الذنب.

وإذا كان النبيُّ (ﷺ) قد بيّن أنّ سببَ الذودِ عن الحوض هو الارتدادُ كما في قوله: « إنهم ارتدوا على أدبارهم » أو الإحداثِ في الدين كما في قوله: « إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك » فمقتضى ذلك هو أن يُذَادَ عن الحوضِ كلُّ مرتدٍ عن الدين، سواء أكان ممن ارتدَّ بعد موتِ النبي (ﷺ) من الأعراب، أو منْ كان بعدَ ذلك، يشارِكُهم في هـذا أهلُ الأحداثِ، وهم المبتدعةُ، وهـذا ما ذهبَ إليه بعضُ أهل العلم، وكذلك الظلمةُ المسرفون في الجور وطمس الحق، والمعلنون بالكبائر، وكلُّ هـؤلاء يُخاف عليهم أن يكونوا ممن عُنوا بهـذا الخبر والله أعلم.

فالذود عن الحوض إنّما هو بسبب الردة أو الإحداث في الدين، والصحابةُ من أبعدِ الناس عن ذلك، بل هم أعداءُ المرتدين، الذين قاتلوهم، وحاربوهم في أصعب الظروف وأحرجها بعد موت النبي (ﷺ)، فقد تصدّى أصحابُ النبي (ﷺ) لهـؤلاء المرتدين، وقاتلوهم قتالاً عظيماً، وناجزوهم حتى أظهرهم الله عليهم، فعاد للدين من أهل الردة مَنْ عادَ، وقُتِلَ منهم من قُتِلَ، وعاد للإسلام عزُّه وقوتُه وهيبتُه على أيدي الصحابة رضي الله عنهم .

وكذلك أهلُ البدع كان الصحابةُ رضوان الله عليهم أشدَّ الناسِ إنكاراً عليهم، لهـذا لم تشتدَّ البدعُ وتقوى إلا بعد انقضاء عصرهم، ولما ظهرتْ بعضُ بوادرِ البدع في عصرِهم أنكروها، وتبرّؤوا منها ومن أهلها، وهـذه المواقفُ العظيمةُ للصحابة من أهل الردّة وأهل البدع، من أكبر الشواهد الظاهرة على صدق تدينهم، وقوة إيمانهم، وحسنِ بلائهم في الدين، وجهادهم أعداءَه بعد موتِ رسول الله (ﷺ)، حتى أقامَ الله بهم السُّنةَ، وقمعَ البدعَ، الأمرُ الذي يظهرُ به كَذِبُ مَنْ رماهم بالردة والإحداث في الدين، والذود عن حوض النبي (ﷺ)، بل هم أولى الناسِ بحوضِ نبيِّهم، لحُسْنِ صحبتهم له في حياته، وقيامهم بأمرِ الدين بعد وفاته .

ولا يُشْكِلُ على هـذا قولُ النبيِّ (ﷺ): « لَيَرِدَنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضِ، حتى إذا عرفتُهم اختلجوا دوني »، فهـؤلاء هم مَنْ ماتَ النبيُّ (ﷺ) وهم على دينه، ثم ارتدوا بعد ذلك، كما ارتدت كثيرٌ من قبائلِ العرب بعدَ موتِ النبيِّ (ﷺ)، فهـؤلاء في علم النبيِّ (ﷺ) من أصحابه، لأنَّه ماتَ وهم على دينه، ثم ارتدّوا بعد وفاته، ولذا يقال له: « إنّكَ لا تدري ما أحدثوا بعدك » إنّهم ارتدوا على أدبارِهم القهقرى، فظاهِرٌ أنّ هـذا في حَقِّ المرتدين بعد موتِ النبيِّ (ﷺ) .

وأين أصحابُ النبيِّ (ﷺ) الذين قاموا بأمر الدين بعدَ نبيهم خيرَ قيام، فقاتلوا المرتدين، وجاهدوا الكفّار والمنافقين، وفتحوا بذلك الأمصار، حتى عمَّ دينُ اللهِ كثيراً من الأمصار، مِنْ أولـئك المنقلبين على أدبارِهم .

وهـؤلاء المرتدون لا يدخلون في الصحابة، ولا يشملُهم مصطلح الصُّحبةِ إذا ما أطلق، فالصحابي كما عرّفه العلماءُ المحققون: من لقيَ النبيَّ (ﷺ) مؤمناً به، وماتَ على الإسلام .فاللهم ارزقنا شَرْبةً هنيئةً مريئةً من حَوْضِ النبيِّ (ﷺ) لا نَظْمَأُ بعدَها أبداً .

ج ـ الميزان :

قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ﴾ [الأنبياء: 47] قال العلماءُ: وإذا انقضى الحسابُ كان بعدَه وزنُ الأعمال، والوزنُ لإظهارِ مقاديرِها، ليكونَ الجزاءُ بحسبها .

وقد ذُكِرَ لفظُ الوزنِ والميزانِ في القرآن الكريم في ثلاث وعشرين اية، منها خمس عشرة آية خاصّةً بالبحث على إقامةِ العدل في ميزان الدنيا، والحذرِ من التطفيفِ في الكيل والميزان … المستوجبِ لعذابِ الله، ومنها ثماني آيات خاصة بالوزن في الآخرة.

وقد دلّتِ السنة المطهرة على أنَّ الميزانَ ميزانٌ حقيقي، لا يقدر قدره إلا الله عز وجل، قال رسول الله (ﷺ): « يُوْضَعُ الميزانُ يوم القيامةِ، فلو وُزِنَ فيه السماواتُ والأرضُ لوسعتْ، فتقولُ الملائكةُ: يا ربِّ لِمَنْ يَزِنْ هـذا ؟ فيقولُ الله تعالى: لمن شئتُ مِنْ خَلْقِي، فتقولُ الملائكةُ: مَنْ تجيزُ على هـذا ؟ فيقولُ: مَنْ شئتُ مِنْ خَلْقِي، فيقولون: سبحانك ما عبدناك حقَّ عبادتك» .

1 ـ دقة الميزان:

 قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ *﴾ [الأنبياء: 47]

يخبِرُ تعالى في هـذه الآية عن القضاء العادل يومَ القيامةِ بأنّه يوازِنُ بين أعمال العباد موازنةً دقيقةً، فيحاسبُ كُلاًّ على أعماله، ووصفَ الله تعالى الموازينَ بالقسطِ، لأنَّ الميزانَ قد يكونُ مستقيماً، وقد يكون بخلافه، فبيَّن أنَّ تلك الموازين تجري على حدِّ العدل والقسطِ، وأكد ذلك بقوله: ﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ .

وقد صور القرآن الكريم دقّة الموازنةَ بصورةٍ حسيةٍ من مألوف الناس، قال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ *﴾ [الأعراف: 8 ـ 9] .

كما صوّر الحديثُ النبويُّ ذلك الميزان الدقيق العادل بصورة حسية قال رسول الله (ﷺ): « تُوْضَعُ الموازينُ يومَ القيامةِ، فيُؤْتَى بالرَّجُلِ، فيوضَعُ في كِفّةٍ، فيُوْضَعُ ما أحْصِي عليه، فَتَمَايلَ به الميزانُ، قال: فَيُبْعَثُ به إلى النَّارِ، قال: فإذا أُدْبِرَ بهِ، إذا صائحٌ يصيحُ من عندِ الرحمنِ يقول: لا تَعْجَلُوا لا تَعْجَلُوا، فإنَّه قد بقيَ له، فُيؤتَى ببطاقةٍ فيها، لا إلـه إلا الله، فتوضعُ مع الرَّجُل في كِفّةٍ، حتّى يميلَ به الميزانُ » .

2 ـ المؤمنون هم المفلحون:

ذكر الله سبحانه في القرآن الكريم أنَّ مَنْ ثَقُلَتْ موازينُه بأنْ رجحتْ من موازين أعمالُه بالإيمانِ وكثرةِ الحسناتِ، فأولـئك هم الفائزون بالجنة، الناجونَ من العذابِ، فالمؤمنون على تفاوت درجاتهم في الأعمال همُ المفلحون، وإنْ عُذّبوا على بعضِ ذنوبهم بمقدارها .وفي ذلك يقول الله في آيات كثيرة منها: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ *فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ *وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ *تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ *﴾ [المؤمنون: 101 ـ 104] وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ *فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ *﴾ [القارعة: 6 ـ 7] .

3 ـ الأعمال التي تثْقُلُ في الميزانِ:

 إنّ كلَّ أعمالِ البرِّ والطاعةِ تثقلُ في الميزانِ، وتجعلُ كِفّةَ الحسناتِ راجحةً على كِفّةِ السيئاتِ، ولكنْ هناكَ أشياءُ تجعلُ كفَّة الحسناتِ ثقيلةً جدّاً، منها :

أ ـ حُسْنُ الخلق: قال رسول الله (ﷺ): « ما مِنْ شيءٍ أَثْقَلُ في ميزانِ العبدِ المؤمنِ يومَ القيامةِ مِنْ حُسْنِ الخُلُقِ، وإنَّ اللهَ يُبْغِضُ الفاحِشَ البَذِيءَ».

ب ـ تسبيح الله وتحميده: قال رسول الله (ﷺ): « كلمتانِ خفيفتانِ على اللسانِ، ثقيلتانِ في الميزانِ، حبيبتانِ إلى الرحمنِ: سبحانَ اللهِ وبحمدهِ وسبحانَ اللهِ العظيم » .

ج ـ الحمد لله: قال رسول الله (ﷺ): « الطُّهورُ شَطْرُ الإيمانِ، والحمدُ لله تملأُ الميزانَ، وسُبحانَ الله والحمْدُ للهِ تملان ـ أو تملأ ـ ما بينَ السماواتِ والأرضِ، والصلاةُ نورٌ، والصدقةُ برهانٌ، والصبرُ ضياءٌ، والقرآن حُجَّةٌ لكَ أو عليكَ، كلُّ الناسِ يغدو، فبائعٌ نفسَه، فمعتقُها أو موبقُها » . ففي قوله: «وسبحان الله والحمد لله تملان ـ تملأ ـ ما بين السمـوات والأرض » سببُ عظيمُ فضلِها ما اشتملت عليه من التنزيه لله تعالى، والافتقار إليه.

د ـ احتباسُ الخيلِ في سبيل الله: قال رسول الله (ﷺ): « مَنِ احتبسَ فرساً في سبيلِ اللهِ إيماناً باللهِ، وتصديقاً بوعدِهِ، كان شِبَعُهُ ورِيُّهُ وَرْوثُهُ وبَوْلُهُ حسناتٍ في ميزانه يومَ القيامةِ ».

د ـ الصراط:

إنّ الصراط جسرٌ ممدودٌ على متن جهنم، أحدُّ من السيفِ، وأدقُّ من الشَّعْرِ، يمرُّ عليه جميعُ الخلائق، وهم في جوازِه متفاوتون فيقع فيها أهلها، وينجو الآخرونقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *﴾ [مريم: 71‑72] والمراد بالورود في الآية المرور على الصراط، وعن جابر عن أم مبشر، عن حفصة قالت: قال النبيُّ (ﷺ): « إنِّي لأرجو ألا يدخل النارَ أحدٌ إنْ شاءَ الله تعالى ممّن شهدَ بدراً والحديبية » . قالت: قلتُ: يا رسول الله، أليس قد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا *﴾، قال: « ألم تسمعيه يقول: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقُوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا *﴾ [مريم: 72] ».

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ *يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ *يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ *فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاَكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ *﴾ [الحديد: 12 ـ 15] .

لقد كرّم الله تعالى المؤمنين يومئذٍ تكريماً عظيماً، إذ يمرّون على الصراط بسرعاتٍ مختلفةٍ، وأنوارٍ متفاوتةٍ، أما المنافقون فلا نور لهم.

وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لاَ يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ*﴾ [التحريم: 8] وفي قوله تعالى: على قدر ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾، يمرّون على الصراط، منهم من نُورُه مثلُ الجبل، ومنهم من نورُه مثل النخلةِ، ومنهم من نورُه مثل الرجل القائم، وأدناهم نوراً من نورُه في إبهامه يتّقدُ مرةً، ويطفأ مرةً .

1 ـ المؤمنون يشفعون لإخوانهم في النار:

 عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في حديثه الطويل في سياق الشفاعة عن رسول الله (ﷺ) وفيه: « ثم يُضْرَبُ الجِسْرُ على جهنم، وتحلُّ الشفاعةُ، ويقولون: اللهمَّ سلّم سلّم » قيل: يا رسول الله، وما الجسر؟ قال: « دَحْضٌ مَزَلّةٌ، فيه خطاطيفُ وكلاليبُ وحَسَكٌ، تكونُ بنجدٍ فيها شويكةٌ يقال لها السعدان، فيمرُّ المؤمنون كطرفِ العينِ وكالبرقِ، وكالريحِ، وكالطير، وكأجاويدِ الخيلِ، والرّكابِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ، ومخدوشٌ مُرْسَلُ، ومكدوسٌ في نارِ جهنّم، حتى إذا خلصَ المؤمنونَ من نارِ جهنم، فوالذي نفسي بيده ما مِنْكُم من أحدٍ بأشدَّ مناشدةً لله في استقصاءِ الحق من المؤمنين لله يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربّنا كانوا يصومون معنا، ويصلّون ويحجّون، فيقال لهم: أخرجوا مَنْ عرفتُم، فتحرَّمُ صورُهم على النار، فيُخرِجون خلقاً كثيراً قد أخذتِ النّارُ إلى نصفِ ساقيه، وإلى ركبتيه، ثم يقولون: ربّنا ما بقي فيها أحدٌ ممن أمرتنا به … »  .

2 ـ الأمانةُ والرحمُ على جنبتي الصراط:

 قال رسول الله (ﷺ): « وتُرسَلُ الأمانةُ والرَّحِمُ، فتقومانِ على جنبتي الصراطِ يميناً وشمالاً، فيمرُّ أولُكم كالبرقِ» . قال: قلتُ: بأبي وأمي، أيُّ شيءِ كالبرق؟ قال: « ألم تروا إلى البرقِ كيف يمرُّ ويرجِعُ في طَرْفَةِ عينٍ؟ ثم كمرِّ الريحِ، ثم كمرِّ الطيرِ، وشدِّ الرحالِ، تجري بهم أعمالُهم، ونبيُّكم قائمٌ على الصراطِ يقولُ: ربِّ، سلّم سلّم، حتى تعجزَ أعمالُ العبادِ، حتى يجيءَ الرجلُ، فلا يستطيعُ السيرَ إلا زَحْفاً، قال: وعلى حافتي الصراطِ كلاليبُ معلَّقةٌ مأمورةٌ بأخذِ مَنْ أُمِرَتْ به، فمخدوشٌ ناجٍ، ومكدوسٌ في النارِ ».

فياله من موقف يشيب لهوله الولدان !

ها هي الأمانةُ على الصراطِ تقولُ لكلِّ خائنٍ يمرُّ عليها: أينَ الأمانةُ التي ضيعتَها ؟ … أين أمانةُ الطاعةِ ؟ … أينَ أمانةُ الزوجةِ والأولادِ ؟ أينَ أمانةُ الأموالِ التي سرقتها ؟ أينَ أمانةُ الشهادةِ لهـذا الدين ؟ أينَ الأماناتُ التي أبت السماواتُ والأرضُ والجبالُ أن يحملنها، وأشفقنَ منها، وحملتها أنتَ أيها الإنسان، بل ها هي الرحمُ تتعلّقُ على الصراطِ لتقولَ لكلِّ مَنْ قطعها: أينَ صلةُ الرَّحِمِ التي قطعتَها في الدنيا ؟ وماذا ستصنعُ اليومَ أمام تلك الأهوال؟

قال رسول الله (ﷺ): « إنّ الله تعالى خلقَ الخلقَ، حتّى إذا فرغَ منهم، قامتِ الرحمُ فقالت: هـذا مقامُ العائذِ بكَ من القطيعةِ، قال: نعم، أما ترضينَ أنْ أصلَ مَنْ وصلكِ، وأقطعَ من قطعكِ ؟ قالتْ: بلى، قال: فذلكَ لكِ » ثم قال رسول اللهِ (ﷺ): « اقرءوا إن شئتم ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ *أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ *﴾ [محمد: 22 ـ 23].

وقال رسول الله (ﷺ): « ما مِنْ ذنبٍ أجدرُ أنْ يُعَجِّلَ اللهُ تعالى لصاحبِهِ العقوبةَ في الدُّنيا مَعَ ما يدّخره له في الآخرة من قطيعةِ الرحمِ، والخيانةِ، والكذبِ، وإنَّ أعجلَ الطاعةَ ثواباً لصلةُ الرَّحمِ، حتّى إنّ أهلَ البيتِ ليكونوا فجرةً، فتنموا أموالُهم، ويكثرَ عددُهم، إذا تواصلوا » .

3 ـ تهذيب المؤمنين وتنقيتهم قبل دخولهم الجنة:

 بعد أن يجتازَ المؤمنون الصراط يُوْقَفون على قنطرةٍ بين الجنّةِ والنار، ثم يهذّبون وينقّون، وذلك بأنْ يقتصَّ لبعضهم من بعضٍ ،إذا كانتْ بينهم مظالم في الحياة الدنيا، حتى إذا دخلوا الجنة، كانوا أطهاراً أبراراً، ليس لأحدٍ عند الآخر مظلمةٌ، ولا يطلبُ بعضُهم بعضاً بشيءٍ من غِلٍّ وبُغْضٍ، قال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: 43] .

قال رسول الله (ﷺ): « يخلصُ المؤمنون من النارِ، فَيُحْبَسُوْنَ على قنطرةٍ بين الجنّةِ والنار، فيُقتصُّ لبعضِهم من بعضٍ مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أُذِنَ لهم في دخولِ الجنّةِ، فوالذي نفسُ محمّدٍ بيده لأحدُهم أهدى بمنزله في الجنة منه بمنزله كان في الدنيا ».

ثم الناسُ بعد تجاوز قناطر الصراط على نوعين: نوعٌ تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فهـؤلاء أهلُ الأعراف، وهو سور بين النار والجنة، قال تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلى الأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ *﴾ [الأعراف: 46]. ونوع رجحت حسناتهم سيئاتهم وهم أهل الجنة .

4 ـ عظة المرور على الصراط:

 تفكر الان فيما يحلّ بك من الفزع بفؤادك إذا رأيتَ الصراطَ ودقّته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعُك شهيقُ النار وتغيّظها، وقد كُلّفتَ أن تمشي على الصراط، مع ضعفِ حالكَ، واضطرابِ قلبك، وتزلزل قدمِكَ، وثِقَلِ ظهرِكَ بالأوزار، المانعةِ لك من المشي على بساط الأرض، فضلاً عن حِدَّة الصراط، فكيف بك إذا وضعتَ عليه إحدى رجليك ؟ فأحسست بحدِّته، واضطررتَ إلى أن ترفع قدمكَ الثانية، والخلائق بين يديك يزلّون، ويعثرون، وتتناولهم زبانيةُ النار بالخطاطيفِ والكلاليبِ، وأنت تنظرُ إليهم كيف يُنَكِّسون إلى جهة النار رؤوسَهم، وتعلو أرجلُهم، فيا له من منظرٍ ما أفظعه، ومرتقًى ما أصعبه، ومجازٍ ما أضيقه!!

قال الشاعر :

أَبَتْ نفسي تتوبُ فما احتيالي

إذا برزَ العبادُ لذي الجلالِ

وقاموا من قبورِهمُ سُكَارى

بأوزارٍ كأمثالِ الجبالِ

وقد نُصَبَ الصّراطُ لكي يَجُوْزُوا

فمنهم منْ يُكَبَّ على الشِّمَالِ

ومنهم مَنْ يسيرُ لدارِ عَدْنٍ

تلقّاه العرائسُ بالغوالي

يقول له المهيمنُ: يا وليي

غفرتُ لك الذنوبَ فلا تبالي

مراجع البحث:

-علي محمد الصلابي، الإيمان باليوم الآخر ،فقه القدوم على الله، دا ابن كثير، بيروت 2014، ص 230-211

-عبد المحسن المطيري، اليوم الآخر في القرآن العظيم والسنة المطهرة، ص34.

-عمر سليمان الأشقر، اليوم الآخر القيامة الكبرى، ص240

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 2 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الأول استعدادات الفاتح للفتح ولعل من الأفضل …