أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (39)

إضاءات سياسية (39)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

المشهد السياسي السوري

25/11/2006

عقب القسم لمنصب رئيس الجمهورية الذي أداه الرئيس بشار الأسد ، تفاءل البعض بظهور بوادر تحول في عقلية السلطة الحاكمة ، وبدأ حراك سياسي تمثل باجتماعات وندوات لقوى سياسية ومحاولات من بعض الشخصيات لطرح أفكار تصب في الاتجاه لتأسيس أحزاب سياسية . سميت هذه الفترة (ربيع دمشق) مع أنها في نظري لا تعدو أن تكون أيام شتاء بطقس معتدل .

لم يكد الناس يتحركون لاسترداد حقوقهم الطبيعية والدستورية المسلوبة وممارستها حتى بدأت الاعتقالات في صفوف هذا التيار وزج بعشرة من الناشطين السياسيين والحقوقيين في السجون ، وجرت محاكمات لثمانية منهم أمام محكمة أمن الدولة التي لا يتوفر فيها أدنى معايير المحاكمات العادلة والنـزيهة المطلوبة في مثل هذه الحالات ، بينما حوكم نائبان أمام محكمة الجنايات في دمشق ، وكنت مع زملاء آخرين وكلاء عن هؤلاء المعتقلين ، وعبثاً حاولنا التمسك بالقانون وتطبيق أحكامه وممارسة حقوقنا باعتبارنا محامين نسعى لتحقيق العدالة إلا أننا لم نفلح ، وجرت المحاكمات بصورة بعيدة عن منطق العدالة ، وأغلقت المنتديات بينما أبقي على منتدى جمال الأتاسي ، الذي لحقه الإغلاق منذ نحو سنة .

إذا أمعن الواحد منا النظر في المشهد الذي كان في هذه الفترة فإنه يرى كتّاباً يكتبون في الشأن العام ، ويغلب على كتاباتهم الطابع السياسي ، ومن تفحص ما يكتب نرى أنه يصب في إحدى خانتين :

 أولاً : إما انتقاد السلطة السياسية وأعمالها .

 ثانياً : وإما هجوماً على المعارضة أو على بعض رموزها وتسفيهاً لها ولجهودها .

وأمام هذا المشهد حاولت جاهداً أن ألفت نظر البعض إلى ضرورة التواصل مع المجتمع وذلك عن طريق الدفاع عن همومه وقضاياه ، ذلك أنه كما هو معروف أن الناس لا يلتفون إلا حول من يدافع عنهم وعن مصالحهم ، أما التنظير السياسي والاجتماعي فقط فليس مكانه قواعد المجتمع بشكل عام وإنما مكانه النخبة ، وهذه النخبة لا تستطيع القيام بأي شيء سوى الكلام والنقد والتجريح والذي لا يغني ولا يسمن من جوع من وجهة نظر الناس المتضررين من فساد السلطة وضربها عرض الحائط بمصالحهم وقضاياهم !!! .

وفي الحقيقة لم يكن لملاحظاتي أدنى تأثير ولم يعر الإخوة المنظرون اهتماماً لما حاولت لفت نظرهم إليه ، و لا أدري لماذا اقتصر المشهد السياسي -لما سمي معارضة- على جانب النقد السياسي للنظام ، والتجريح والهجوم على العاملين في الحقل العام !! هل هو من أجل الكسب المادي الذي يعود على الكتاب بفوائد مجزية من الناحية المالية أم هناك هدف آخر وراء كل  ذلك ؟؟ .

لعله لم يدر في خلد هؤلاء الكتاب والسياسيين أن المرحلة التي نمر فيها تقتضي منا التعاون على ما نتفق عليه ولو بحدوده الدنيا وعملاً بالحديث القائل : «سِيرُوا على سَيْرِ أضْعَفِكُمْ»([1]) ، وأن يعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه ، ونحن كما هو معروف نمر بمرحلة صعبة معقدة بعد طول رقاد انكفأ فيها المجتمع عن ممارسة قضاياه بنفسه وقَبِلَ “عن ضعف أو إكراه” طوال عقود أن يكون مركوناً على الرف ، نتيجة ممارسة القمع والقهر من قبل الأنظمة التي تحكمت في البلاد والعباد ، وبالتالي فإعادة المجتمع إلى الشأن العام بعد هذه المدة الطويلة ليس أمراً سهلاً ويحتاج لتعاون كبير ، وجهود مضنيه وارتفاع فوق الشخصنة والمصالح الذاتية والآنية .

في هذا الجانب الذي يمكن أن يطلق عليه خارج السلطة -أو المعارضة السياسية- التي تضم بين جنباتها كما ذكرت سابقاً أحزاباً وتنظيمات وشخصيات انقسمت هي الأخرى إلى قسمين أو تيارين : أحدهما وجد ضالته في التغيير عن طريق الاستعانة بالخارج ، غير عابئ بدروس الماضي والمآسي التي وقعت تاريخياً في الأندلس نتيجة استعانة بعض أمراء المسلمين بالفرنجة ، أو ما حصل حالياً في العراق وأفغانستان ومن قبل في الكويت حين هبطت جحافل أمريكية فاستوطنت الخليج وسيطرت على ثرواته ومقدراته ثم دمرت كل ما شاهدته أمامها من حضارة وتاريخ واستولت على الثروات في عراقنا وأفغانستاننا !! ومع ذلك يرى هذا الفريق أن الاستعانة بالخارج هي السبيل للتغيير ، بل لقد ذهب البعض مذهباً أخطر حين رأى بأنه يلزمنا لسوريا توافق كالحالة التي حصلت في العراق ، أما القسم الآخر من المعارضة أو ممن أسميهم خارج السلطة فقد رأوا ضرورة التغيير من الداخل ولو بالتدريج .

أما السلطة فهي قد عادت القهقرى لتلوح من جديد باستعمال القوانين سيئة الصيت كحالة الطوارئ ومرسوم مناهضة أهداف الثورة .. الخ ، وإن كانت في اعتقادي لم تترك استعمالها يوماً ، فضلاً عن ممارسة الاعتقالات العشوائية والقمع العاري عن الحق والحقيقة والمتمترس بالفساد وبالقوة الغاشمة !! .

لم تستطع السلطة أن تضع الوطن على سكة التغيير ولو تدريجياً وإنما راحت تقول بأن الأولوية هي “للأمن” ولا ندري ما هو مفهوم الأمن بنظرها ؟ هل أمن السلطة ، أم أمن المجتمع ؟ وعادت لتزج بأعداد كبيرة من الناس في مراكز التوقيف الملحقة بالأجهزة الأمنية السرية التي اكتظت بالمعتقلين دون ذنب ولا جريرة سوى ما ترى الأجهزة الأمنية أنه يهدد “أمن الدولة” ، وأطلقت يد الأجهزة لتمارس أعمالها خارج القانون وضد العدالة والحق ، وأحيل بعض المعتقلين ليحاكموا أمام محكمة أمن الدولة وليحاسبوا على أفكارهم وآرائهم وليس على جريمة اقترفوها ؟  وألغت كل منبر للحوار ومنعت كل اجتماع ، ولوحت مراراً باستعمال حالة الطوارئ ، ثم وضعت رأسها بالرمال وأصمت سمعها عن صرخة الحق فلم تعمد إلى إنهاء أي من الملفات العالقة منذ عشرات السنين :  ملف المهجرين ، ملف المفقودين ، ملف سجناء الرأي والضمير ، ملف تشابك الأجهزة الأمنية ، بحيث يعمل الكل في الكل وبلا حدود أو قيود فيساق المدنيون إلى فروع الأمن العسكري ، أو الفروع الأخرى التي لها أول وليس لها آخر ، وحتى الآن لم يجر طي ملف التعذيب ، فكيف تطالب المجتمع أن يصدق دعواها لجهة الإصلاح أو مكافحة الفساد أو غير ذلك ؟؟ فلو أن أحد الناس صرخ بأعلى صوته طالباً إنهاء نهب المال العام ، والذي يتمثل في أدناها بوجود “طروش” من السيارات الفارهة تصطف أمام أبواب المسؤولين وخاصة العسكريين منهم (العاملين والمتقاعدين) ويتحمل المواطن قيمتها ومصاريفها وإصلاح أعطالها وهو يرزح تحت الفقر المدقع ؟؟ ، فهل هناك من يسمع لهذا الصراخ ؟؟ .

يلاحظ التلاميذ كيف يتجول رفاقهم بسيارات تحمل لوحات حكومية مدنية أو عسكرية ويطاردون فيها الفتيات عبر الشوارع وكيف أضحى مال الشعب مباحاً لا رقيب ولا حسيب على صرفه ، وبينما يمارس بعض المسؤولين أعمالاً تجارية خارج القانون مستغلين وظائفهم ونفوذهم  ويكدسون الأموال لحسابهم في البنوك خارج القطر بينما تجري عمليات غسيلها بأساليب وأفانين مختلفة كافتتاح بنوك أجنبية وتمرير حساباتهم بواسطتها ، بينما يرزح كثير من المواطنين تحت خط الفقر!! ، وللعلم فقط فإنه منذ مجيء هذه السلطة إلى الحكم لم يجر أن وضعت ميزانية للمحاسبة عن العام الذي انقضى وهو ما يسمى بالحساب الختامي ، والذي يظهر حقيقة الوضع المالي للبلاد وماذا صرف وماذا لم يصرف ، وما هي حصيلة عمل الحكومة في السنة الماضية ، وبالتالي فالحكومة لا رقيب عليها وهي تعمل خارج الرقابة المالية الفعلية .

سبق أن كتبت كما كتب غيري عن الفساد المستشري في جميع مفاصل السلطة ، كما جرى الحديث مراراً عن الضرائب غير المشروعة التي ترهق كاهل المواطن العادي وخاصة منها الضرائب غير المباشرة من أمثال ما سمي (طابع اللصيقة) والذي بواسطته يتحمل المواطنون رواتب القضاة الذين عجزت السلطة عن رفع سوية رواتبهم ، والذي يعتبر مرحلة من مراحل مكافحة الفساد في القضاء ، وأن نظرة خاطفة حول تكاليف الإنذار الذي يرسل بواسطة الكاتب بالعدل نراه قد قفز من مائة ليرة سورية ، منذ عام تقريباً إلى أكثر من سبعمائة ليرة سورية ، كما زادت بصورة كبيرة تكاليف إقامة الدعاوى إلى أضعاف ما كانت عليه في حين أن من المفروض أن تبذل العدالة مجاناً . ولكن ؟؟ .

عمدت السلطة إلى رفع أسعار المحروقات ومنها وقود السيارات دون أدنى حس بالمواطن  ، ذلك أن العاملين في هذه السلطة لا يدفعون قيمة المحروقات بسبب أنهم  يتمتعون “هم وأسرهم وأصدقاءهم كما قلت سابقاً”([2]) برفاه استعمال السيارات الفخمة والحديثة على حساب المواطن حتى أنه قد يحصل متقاعد عسكري على سيارة حديثة بعد تقاعده !! نقول هل لدى السلطة أية نية لرفع سوية معيشة المواطنين ورفع معاناة الفقراء منهم وذلك بإلغاء الامتيازات التي يتمتع بها من هم في السلطة وحول السلطة ؟؟

إذاً فإن طرفي الدولة : السلطة والمعارضة ، ليس لديهما حتى الآن مشروع لحماية المواطن والدفاع عن همومه وآلامه ، ولا هم لكل طرف سوى التعريض بالطرف الآخر أو التعريض بين أطياف الطرف نفسه ، فهل أن مشكلات المجتمع ليس لها من يهتم بها أم أن العزف على الخلافات السياسية هو الأهم ؟؟ ، أو هو ما يوفر لصاحبه الشهرة ؟؟ .

وقَّع عدد من التنظيمات السياسية والشخصيات على إعلان دمشق كما وقعت شخصياً عليه ، وقلنا أن هذا الإعلان بحدوده الدنيا هو ما توافق عليه الموقعون من أجل التغيير الديمقراطي والسلمي ، وتوقعنا أن يشكل نقلة نوعية لتحقيق مستقبل أفضل ، وحراك يدفع بالمجتمع للعودة لممارسة الشأن العام ، بعد أن حرم منه عقوداً طويلة بسبب القمع والقهر الذي مورس عليه ولا زال ، وها قد مر على توقيع إعلان دمشق أكثر من عام دون أن أرى في الأفق أية ملامح للنهوض ، ومع تسليمي بأن ما تقوم به السلطة من محاولات متكررة لمنع أي اجتماع أو ندوة بين الموقعين على الإعلان ، وملاحقة البعض والزج بهم في السجون  ، ما يدفع بالعمل إلى الخفاء ، ويعرقل مسيرة الإعلان وهو ما ينذر  بعواقب غير محمودة ، ذلك أن شعبنا -كما أعتقد- قد بلغ سن الرشد منذ أمدّ بعيد  وآن له أن يأخذ أموره بيده ، ويمارس رقابة على أعمال السلطة التي  تعمل دون رقابة حتى الآن .

لقد ولد إعلان دمشق بعد مخاض طويل وما أن صدر حتى كان الهجوم عليه من أطراف شتى على أشده ، دون أن يفكر أحدهم بالقول المأثور : (خير لك أن تشعل شمعة من أن تلعن الظلام)([3]) ، والذي يبدو لي أن هذه الأمور التي تحصل مردها التراكم السابق الناجم عن غياب الشعب عن ممارسة قضاياه وحل المشكلات التي لا تزال عالقة حتى الآن .

حتى ساعة كتابة هذه الكلمات لم يتضح لي أن القوى السياسية العاملة على الساحة السورية مستعدة لأن تمارس ديمقراطية تبشر بها أو أن تلتمس العذر للآخرين على مخالفتها ، وحتى الآن لا زال البعض يعاود استحضار الماضي الذي تحيط به شوائب كثيرة وهو لا يستطيع الفكاك منه ، كما يغلب على العمل العام الشخصنة ، ورغبة الظهور ، وجلب الأضواء ، ولا رغبة للكثير من الناس فيما يبدو اكتساب الخبرة والمعرفة ممن سبقهم في العمل العام بحيث لا يرى البعض في هؤلاء سوى “موضة قديمة”  عفا عليها الزمن ، كما يحلو للبعض تصوير العمل العام بأنه صراع بين الأجيال ، هكذا دون أن يحاولوا تلمس الواقع ومدى صواب هذا الطرح وما يترتب عليه من آثار ، ودون إدراك لما سيجره هذا التمايز من انعكاسات على مصير العمل العام وانعدام الخبرات ، فلو نظر هؤلاء للعالم الذي نسميه متحضراً فإنهم سوف يجدون أن العمل عبارة عن سلسلة متواصلة من البشر العاملين في الحقول العامة السياسية وغيرها دون تمييز بين كبير وصغير بل أن الخبرة تأتي في مقام بارز في كل مجال ولا يشعر الناس بوجود هذا الوهم المتمثل في “صراع الأجيال” .

مقترحات على الطريق :

بعد أن استطاع النظام تفكيك البنية المجتمعية فإن من المهم جداً في هذه المرحلة أن نعيد لحمة المجتمع ونمارس في الوقت الحاضر التشبيك المجتمعي وكل مواطن مسؤول هنا أن يدعو رفاقه وجيرانه ومن يلوذ به لترسيخ مفهوم التشبيك على اعتبار أنه مرحلة أولى من مراحل بداية إعادة المجتمع لممارسة حقوقه ، ومن جهة أخرى فإن من الهام جداً أن يستوعب المواطن حقوقه وأن يدافع عنها بمواجهة أي تصدي ضمن إطار الدفاع المشروع الملتزم بنصوص القوانين النافذة والحقوق الطبيعية والاتفاقات الدولية ، وإن في إهمال المواطنين لهاتين النقطتين إضعاف للمجتمع بحيث يكون التغيير ليس قريباً .

إن من الأهمية بمكان أن يدرك الناس كل الناس أن الوطن ملك للجميع وأن المرحلة التي نمر بها هي مرحلة تاريخية بالغة الأهمية لا بد فيها من تعاون بين الكل حتى يشكل كل طرف رافعة ترفع المجتمع من جهته وحتى نستطيع تجاوز الأخطار المحدقة بمنطقتنا كلها ، وإلا فإن ساعة الخلاص جد بعيدة . 

إن المواطنين ، سائر المواطنين مدعوون للعمل وترك الكسل والتواكل وإلا فإن مستقبل التاريخ لا يرحم والمستقبل غامض .   

والله من وراء القصد


([1]) قال السخاوي : لا أعرفه بهذا اللفظ . لكن في معناه قوله عليه صلى الله عليه وسلّم : «.. أَنْتَ إمامُهُمْ وَاقْتَدِ بأَضْعَفِهِمْ ..» أخرجه الخمسة ، وحسنه الترمذي .

([2]) راجع ذلك في الصفحات : 121 ، 275 ، 310 .. وغيرها .

 ([3])من أقوال الفيلسوف الصيني كونفوشيوس .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إضاءات سياسية (42)

هيثم المالح ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم …