أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

        نعم هذه هي القاعدة التي يجب على المؤمنين أن يدركوها، وأن يتيقنوها “وما النصر إلا من عند الله”، فلا العدد ولا العدة ولا حسن التخطيط والتنظيم – على الرغم من أهميتها كما قرر القرآن ذاته- تغني وتنصر إن لم ينصر الله عز وجل.

        وقد عرف تلك الحقيقة نبينا صلوات ربي وسلامه عليه، فقام ليلة بدر يتضرع إلى من بيده النصر حتى سقط رداءه عن منكبيه، وأشفق عليه أصاحبه، فنزل النصر.

        وعرف تلك الحقيقة الملك المظفر قطز، فأخذ يمرغ وجهه في التراب ذلاً لمن بيده النصر، فأنزل الله عليه النصر وهزم التتار…

         هل يتخلف النصر عن المؤمنين بعد الأخذ بالأسباب وتوفير الشروط؟:

  • يجب أن نشير بداية إلى أنه كما أن الصراع بين الحق والباطل سنة ماضية منذ أن خلق الله آدم، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، كذلك فإن انتصار الحق على الباطل سُنَّة ثابتة وماضية أيضا، لا تتحول ولا تتبدل ولا تتغير، وهو أمر قد أوجبه الله على نفسه، كما قال سبحانه: (وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)الروم 47، وقوله أيضا: { كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ }يونس 103.

 لكن قد يقع لبس عند كثير من الناس في مفهوم الانتصار، فيقصره بعضهم على بعض صوره الظاهرة فقط، دون سواها، فكان لابد من بيان المفهوم الصحيح للانتصار، وهو أن النصر له صور كثيرة، منها ما هو ظاهر مقرون بالتمكين الحسي، كإهلاك المجرمين، وإنجاء الرسل من بعدهم، ومنها ما هو خفي غير ظاهر، مقرون بالتمكين المعنوي، كالذي ينتهي بمقتل الرسول، أو الداعي، أو قهره، وانتصار المجرمين في الظاهر.

     وثمة سؤال مهم يبرز هنا، لا نريد أن ننتهي من هذا الجزء من البحث قبل أن نتعرض له بالمناقشة، وهو: هل يمكن أن تستوفي الأمة أسباب وشروط النصر المادية والمعنوية، ثم يتخلف النصر ولا يتحقق؟..

          الإجابة بالإيجاب قطعا؟، وهو أمر كثيراً ما يغفل عنه بعض الناس، فقد يتخلف النصر وتكون الغلبة للأعداء، على الرغم من تحقق الشروط والأسباب التي أشرنا إليها آنفا، وذلك لأسباب قدرية كونية يقدرها الحق عز وجل؛ لحكمة قد نعلمها، أو لا نعلمها، إما أن تتعلق بفريق الكفار، أو بفريق المؤمنين، ولكنه يكون نصرا ظاهرياً ووقتيا لحكمة يريدها الله عز وجل، وفيما يأتي بيان ذلك بإيجاز:

الإملاء والاستدراج لأهل الكفر:

          فقد يتخلف النصر عن المؤمنين، على الرغم من أخذهم بجميع الأسباب المادية والمعنوية، التي أمروا بالأخذ بها – كما بيناه سابقا – وعلى الرغم من استيفائهم لكافة الشروط التي تجعلهم يؤمنون ويطمئنون إلى أن الغلبة والظفر سيكون من نصيبهم بإذن الله، ثم تكون الغلبة والنصر لأعدائهم عليهم.

          قد يكون ذلك لونا من ألوان الإملاء والاستدراج للكافرين والظالمين والجاحدين، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ{182} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ{183}الأعراف، فالله تعالى يتوعد الكفرة والمعاندين لرسله ولدينه ولعباده المؤمنين باستدراجهم حتى يغتروا بما هم فيه، من القوة والمنعة والاستعداد، ويعتقدوا أنهم على شيء، ثم يعاقبهم الله عز وجل ويأتيهم أمره على حين غِرَّة، ويأخذهم من حيث لا يعلمون، ولا يشعرون ولا يحتسبون.

        وفي موضع آخر يكرر القرآن نفس المعنى في قوله تعالى: {43} فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ{44} وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ{45}القلم، يقول (ابن كثير ) في تفسيره لهذه الآيات: أي من يكذب بالقرآن – وهذا تهديد شديد – أي دعني وإياه مني ومنه، أنا أعلم به كيف أستدرجه، وأمده في غيه، وأنظره ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر.

         ولهذا قال تعالى “سنستدرجهم من حيث لا يعلمون” أي وهم لا يشعرون، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة لهم، وهو في نفس الأمر إهانة لهم، كما قال تعالى: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ}المؤمنون55.. وكما قال تعالى {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ}الأنعام44، (وأملي لهم إن كيدي متين) أي وأؤخرهم وأنظرهم وأمدهم وذلك من كيدي ومكري بهم القوي الذي لا ينقطع حتى يبلغ مداه وغايته.

        وهكذا تكرر اصطلاح «الاستدراج» في موضعَين من القرآن الكريم، هما: الآية 182 من سورة الأعراف، والآية 44 من سورة القلم، وقد تشابهت الآيتان في التعبير:  “سَنستَدْرِجُهم مِن حيثُ لا يَعلمون”.      

ولكن ما معنى ” الاستدراج ” في الاستعمال القرآني:

        يقال: استَدرجَه أي: رَقّاه من درجة إلى درجة، أو أنزله على التدريج. ويماثل الاستدراج المكر والإمهال الإلهيّ للعبد العاصي، وجعله إيّاه متدرّجاً في معصيته، سادراً في هواه، حتّى يُشرف على الهلاك. تماما كما قال الله تعالى:  {وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }آل عمران 54، وقال تعالى:  {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ }النمل50، وقوله عز وجل: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَو يَقْتُلُوكَ أَو يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ }الأنفعال30، وقال تعالى أيضا: {وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْماً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ}آل عمران 178.

         والمعنى: ولا يظننَّ الجاحدون أننا إذا أَطَلْنا أعمارهم، ومتعناهم بمُتع الدنيا، ولم تؤاخذهم بكفرهم وذنوبهم، وصرنا عليهم، أنهم قد نالوا بذلك خيراً لأنفسهم، إنما نؤخر عذابهم وآجالهم; ليزدادوا ظلماً وطغياناً، ولهم عذاب يهينهم ويذلُّهم.

         ويحصل الاستدراج – عادةً – بتجديد الله عزّ وجلّ النعمةَ تِلو النعمة للعاصين بلا استحقاقٍ منهم، – ومن هذه النعم التمكن من الفوز والنصر على المؤمنين أحيانا- ، فما يزالون مستزيدين من النعم والملاذّ، غافلين عن التوبة، لاهين عن الموت الذي يترصّدهم، حتّى يُلاقوا يومَهُم الذي يُوعدون.. جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال “إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته”.

الابتلاء والتمحيص للمؤمنين:

  • من زاوية أخرى فقد يتخلف النصر عن عباد الله المؤمنين، على الرغم من  توافر شروطه وعوامله وأسبابه، ويكون ذلك اختبارا وابتلاءً وتمحيصا للمؤمنين، قال تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{140} وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ{141}

         والمعنى: وتلك الأيام يُصَرِّفها الله بين الناس، نصر مرة وهزيمة أخرى، لما في ذلك من الحكمة، حتى يظهر ما علمه الله في الأزل، ليميز الله المؤمن الصادق، مِن غيره، ويُكْرِمَ أقوامًا منكم بالشهادة.

          والله لا يحب الذين ظلموا أنفسهم، وقعدوا عن القتال في سبيله، فالله تعالى يربي أمة محمد بالأقدار، وصنوف الابتلاءات والاختبارات، وجاء في تفسير الظلال: ” إن السياق القرآني الكريم يكشف لنا عن الحكمة الكامنة وراء الأحداث في تربية الأمة المسلمة وتمحيصها وإعدادها لدورها الأعلى، لتكون أداة من أدوات قدر الله عز وجل  في محق الكافرين، وستارا لقدرته في هلاك المكذبين، {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ }.

         والتمحيص عملية تتم في داخل النفس، وفي مكنون الضمير، إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيدا لإخراج الدخل والدغل والأوشاب، وتركها نقية واضحة مستقرة على الحق؛ بلا غبش ولا ضباب.

         وكثيرا ما يجهل الإنسان نفسه؛ ومخابئها ودروبها ومنحنياتها، وكثيرا ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب لا تظهر إلا بمثير، وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه؛ بمداولة الأيام بين الناس؛ بين الشدة والرخاء، يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه قبل هذا المحك المرير؛ محك الأحداث والتجارِب والمواقف العملية الواقعية.

        إنه الابتلاء والتمحيص الذي يمضي على سنن لله ثابتة، وقضاء نافذ، وقدر غالب، وحكمة بالغة، فما كان الله ليذر المؤمنين على ما هم عليه، حتى يميز الخبيث من الطيب، والقوي من الضعيف، وحتى يعلم الله الذين صدقوا ويعلم الكاذبين، (الم• أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يُفتنون• ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين) العنكبوت 1-3 ، وقال تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أوليس الله بأعلم بما في صدور العالمين}العنكبوت10.

        فالمؤمنون كثيرا ما يتعرضون للابتلاء، حتى يظل الصف المؤمن نقياً من المنافقين والضعفاء، وحتى يحمي الله المؤمنين من الفتنة وأبوابها، وحتى ترتفع درجة المؤمن بذلك عند ربه، وتتحقق  تربية الأمة، وإعدادها – كما يريد الله تعالى-  الإعداد الجيد، لتحمل مسؤوليتها العظيمة، في قيادة البشرية، وتعليم الإنسانية، وترشيد الحياة.

          فهي أمة الوسطية والشهادة على العالمين، قال تعالى:{ وكذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا} البقرة 143. والوسطية هنا لا تعني نصف الشيء، فذلك هو الأوسط، وأما الوسط فتعني القيادة والريادة وأفضل الشيء وأعلاه[1].

        وإن أول ما تقتضيه مثل تلك التربية الإيمانية الرائعة، وأول ما يستوجبه مثل ذلك الإعداد العظيم إنما هو:

         صلابة في الخُلق، وثبات على الحق، وصبر على المعاناة، واستيعاب للدروس، ومعرفة بمواطن الضعف والقوة في النفس البشرية، وخبرة بمواطن الزلل، ودواعي الانحراف في الشخصية الإنسانية..

            ثم بعد ذلك كله، صبر على الشدة بعد الرخاء، كالصبر على الرخاء بعد الشدة، في توازن رائع، يليق بأبناء هذه الأمة من  أصحاب العقائد النقية، والنفوس الصافية، والقلوب الرحيمة؛ حملة المبادئ، وصناع الحياة، وطلاب السؤدد، وورثة المجد…

          وصفوة القول: إن على المؤمنين أن يعلموا المعنى الحقيقي للنصر في التصور الإسلامي، وفقا لمقاييس الاسلام، التي تختلف جذريا عن مقاييس الفكر الوضعي، والمذاهب الارضية، وكيف أن هذا المعنى  يشير ضمن ما يشير إليه إلى أن النصر قد يتخلف عن عباد الله المؤمنين، ليكون من نصيب أعدائهم.

          وقد يتأخر النصر عن المؤمنين لأسباب عديدة، وحِكَم كثيرة، منها ما هو شرعي، كتخلف شرط من شروطه المادية والمعنوية، التي من أهمها تحقيق التوحيد الخالص لله عز وجل، أو كان لانحراف عن منهج الله عز وجل، وعدم الامتثال والطاعة لله ولرسوله، ومنها ما هو كوني قدري، كالتمييز والتمحيص والابتلاء والاختبار لفريق المؤمنين، أو الاستدراج والإملاء لفريق الكافرين.


[1]ـ راجع كتابي: من أسرار البيان في إعجاز القرآن, منشورات دار التوفيق صنعاء, وفي صدد إعادة طبعه بجزأين قريبا إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشرعية اليمنية: أسباب النصر وعوامل الهزيمة!

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي من المعلوم أن الانتصار أو …