أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مقام الرئاسة

مقام الرئاسة

حسام الدين الفرا

شاعر وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

1

نحن شعبٌ والعياذ بالله نحبّ المناصب، و(البروظة) والعلو، حتى ولو كان على الخازوق .

يقول صديقي ويتابع : كنت أرى من خلال عملي مدى استعداد بعضهم، ليفعلَ أيَّ شيءٍ، في سبيل أن يُوضع في منصب، ولو كان مدير مدرسةٍ نائيةٍ، لم يسمع بها أحد .

تتألف من بضعة صفوفٍ مُجمَّعة، وتبعد عن مركز المدينة أكثر من مئة كيلو متر .

من أجل ذلك يقوم بنصب المكائد، وكتابة التقارير ليتخلّص من الخصوم والمنافسين المُفترضين، على إدارة المدرسة.

وبعد أن يتسنّم هذا المنصبَ الرفيع، يلبس الجاكيت وربطة العنق، لكي يليق بهذه المسؤولية الجسيمة، وتصبح إطلالته رسميةً، ويصبح كلامه موزوناً، ولا يضحك لرغيف خبز التنور الساخن .

إذا رأيت صديقي أحدهم ذات يوم قد ارتدى الجاكيت وربطة العنق، فتأكدْ بأنه استلم منصباً، وعليك أن تُقدم له التبريكات، وتحتفي به أصولاً .

يتابع صديقي : حتى ولو كانت الزعامة على أمانة الفرقة الحزبية، أو رئاسة الجمعية الفلاحية في الريف البعيد جداً، لن تعدم وجود متنافسين على هذه الزعامة، وبعضهم مستعدٌّ أن يكتب تقريراً بأبيه، من أجل الوصول إليها .

وعند استلامه المنصبَ يتنكّر لأصدقائه وأهله، ويحاول بشتى السبل التمسك بتلابيبه، وعدم تركه حتى تخرج منه الروح .

المناصب في الغرب تكليفٌ وليست تشريفاً، كما هي عندنا تماماً !

مَن ذهب منا إلى هناك يعرف ذلك، ويلمس حرص المسؤول على المال العام، وتفانيه في خدمة الناس، وتواضعه وعدم تكبره .

يتابع صديقي: كلنا شاهدنا خالة السوريين (ميركل) كيف تتسوّق مع زوجها، وكأنها لا تقود بلداً يُعتبر من البلدان المتقدمة في العالم، وشاهدنا صورها (السيلفي) مع اللاجئين الذين يملكون هواتفَ أغلى من هاتفها .

وربما يكون اللجوء إلى الغرب ذا فائدةٍ لنا، لنعرف كُنْه المسؤولية، وكيف يجب أن يكون الرئيس .

مرةً اجتمعت صدفةً مع صديقٍ لي، عند مدير إحدى الدوائر الذي حفيَ، وانتسب إلى أكثرَ من حزبٍ سياسيٍّ، ليصل إلى مبتغاه .

يبدو أن المدير من باب فضّة العتب قال لصديقي بأنه افتقده، ولم يعد يراه، كما في السابق .

أجابه صديقي بأنه لا يحب زيارة المسؤولين من باب المزاح .

عقّبتُ على مزاحه بقولي مداعباً صديقي والمدير الجديد : يعني بعد الإطاحة به تعود لزيارته ورؤيته باستمرار ؟

بعد سماع المدير كلامي نظر إليَّ نظرة غضبٍ وانزعاج، وكأنني قد ارتكبتُ إثماً كبيراً، وتفاجأ بجرأتي على قول ذلك له .

رآني المدير بعد عدة أيامٍ فعاتبني، بأنني قلتُ كلاماً لا ينزل لا في ميزان ولا في قبّان .

يقول صديقي ويتابع :

مجرّد مزاحٍ بسيطٍ لم يتقبلْه المديرُ حول الإطاحة به، فكيف يتقبّل الوزير، أو الرئيس فكرة ترك المنصب، والعيش كأيِّ إنسانٍ ؟

علينا ألّا نستغربَ من الرئيس إذا لصق بكرسي الرئاسة، وارتكب من أجله المجازر .

إذا أمين فرقة حزبية، أو رئيس جمعية فلاحية صار كلاهما من الفراعنة، فلا عتب البتةَ على مقام الرئاسة!!

2

بُشرى يا شعبي بُشرى

خلصَنا اللهُ منَ المتر وعشرهْ

قال هذا الكلام أحد زجّالي إدلبَ يوماً، في مدير دائرتهم الذي سامَهم صنوفَ العذاب، بمعاملته السيئة للموظفين، وكان قصير القامة كثيراً، لذلك عندما أُقيلَ، من منصبه فرحَ الموظفون، وقال صاحبنا هذا الزجل .

السؤال : متى سيكتب أحدهم :

بُشرى يا شعبي بشرى

خلّصنا الله منَ المترينِ وعشْرهْ

ملاحظة : لا يروح فكركم لبعيد، لأن المقصود سيادة محافظ حمصَ .

فلا يفكّرَنّ أحدٌ مجرّد تفكيرٍ بأن المقصود غيره .

سؤال لأهل حمصَ العديّة :  كم يبلغ طول محافظ حمصَ، مع الرقبة والحباشات ؟

هل هو متران وعشرة، لأني لا أعرف حقاً ؟!

3

كثُرَ اليوم مرشحو الرئاسة، وكلّ مُرشّحٍ يبزّ أقرانه بفصاحته ومناقبيته العالية، وليس عبثاً أن يقول أحد هؤلاء بأنه الحجّاج، لأنه ما شاء الله يمتلك قوّة شخصية وفصاحة الحجاج (اللهم لا حسد).

 هذه المرحلة الصعبة، في عمر بلدنا تحتاج إلى أكثرَ من حجاج، ليقطف الرؤوس التي أينعت بالفساد، ويُقوّمَ الإعوجاج.

هؤلاء الذين يعلنون ترشّحهم لم يخالفوا الدستور، وهم تجاوزوا السنة الرابعة والثلاثين (كما ينص الدستور المُعدَّل) من حيواتهم الملأى بالنضال، وخدمة المجتمع والوطن.

علينا أن نشجعهم ونشد أزرهم، لأنهم تجرّؤوا على هذه الخطوة المباركة .

هم يبرهنون أن في الوطن رجالاً أكِفّاءَ (بتشديد الفاء وليس بتسكينهاْ)، ليكونوا بهذا المقام العلي .

حرامٌ عليكم أن تستكثروا عليهم فرحتهم بالترشّح، وهم ينتظرون هذه الفرصة، منذ ستينيات القرن الفائت .

عليكم أن تُمكنوهم من ممارسة هذا الحق الدستوري، فهم طوالَ حياتهم ممنوع عليهم، ولو في الحلم أن يحلموا بهذا، وحتى وإن حلموا به ذات ليلةٍ لا يجرؤون أن يتكلموا لأحد عنه، لأنه قد يُودي بهم إلى التهلكة .

لا ينبغي البتةَ أن ينبري أحدٌ منا ليقول :

مقامُ الرئاسةِ

صارَ كما عندَ جيرانِنا مهزلهْ

ترشّحَ من أجلهِ كلُّ ديكٍ

ونادى وصاحَ على المزبلهْ

وصلْنا ليومٍ

إذا لم نمتْ فعلينا

بأنْ نُكثرَ الحوقلهْ .

#كلّو_إلّا_مقام_الرئاسة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية المسكينة المظلومة

د. موفق السباعي مفكر ومحلل سياسي إن القانون الذي وضعه الله الخبير البصير …