أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / “الاردوغانية”.. كيف بدأ مسار إصلاح أزمة الهوية في تركيا؟ 3 من 13
REUTERS/Henry Nicholls

“الاردوغانية”.. كيف بدأ مسار إصلاح أزمة الهوية في تركيا؟ 3 من 13

جمال سلطان

كاتب وصحفي مصري
عرض مقالات الكاتب

أزمة الهوية التي عانت منها تركيا بعد إجراءات مصطفى كمال ، وفشل حزب الشعب الجمهوري في علاجها ، رغم القسوة الشديدة التي مارسها الزعيم الجديد وخليفته العلماني المتشدد “عصمت إينونو” ، أدت إلى ظهور قيادات شابة في الحزب نفسه ـ حزب الشعب ـ ترفض اختياراته السياسية والاجتماعية وتعتبرها ضد قيم الحرية وضد روح المجتمع ، فحدث أن شكل أربعة من نواب الحزب وكوادره البارزين على رأسهم النائب البرلماني “عدنان مندريس” حزبا جديدا منشقا عن حزب الشعب الجمهوري في العام 1945 ، وأسموه “الحزب الديمقراطي” في إعلان لتحدي إجراءات منع تشكيل الأحزاب في ذلك الوقت .

في العام التالي لتأسيسه ، عام 1946 ، شارك الحزب الجديد في الانتخابات العامة، لكنه لم يحصل إلا على 62 مقعدا، لكنه عاد ليشارك في الانتخابات التالية ، عام 1950 ، ليفاجئ الجميع ويفوز بأغلبية ساحقة ، حصل بمقتضاها على أكثر من ثلاثمائة مقعد بالبرلمان ، بينما لم يحصل حزب الشعب الجمهوري ، حزب “أتاتورك” سوى على بضع وثلاثين مقعدا ، بعد أقل من ثلاثين عاما على حركة أتاتورك وتغييراته ، وشكل “عدنان مندريس” على إثر ذلك الفوز حكومة جديدة وضعت حدا لهيمنة حزب الشعب الجمهوري الذي حكم تركيا منذ إعلان الجمهورية عام 1923، وقد فهم وقتها أن نجاح الحزب في دعايته الانتخابية بالوصول إلى وجدان المواطنين الديني مع أملهم في التغيير كان حاسما في الفوز الكبير لحزب جديد ناشيء .

كان “عدنان مندريس” قد خاض حملته الانتخابية على أساس منحه الجماهير وعدا بإلغاء الإجراءات العلمانية الصارمة التي اتخذها سلفه “عصمت إينونو” وكان من بينها جعله الأذان بالتركية وكذلك منع قراءة القرآن وإغلاق المدارس الدينية، وحينما فاز، وفى بوعده وقام مندريس بإلغاء هذه الإجراءات بالفعل حيث أعاد الآذان إلى العربية وأدخل الدروس الدينية إلى المدارس العامة ، وسمح بدراسة اللغة العربية ، وفتح أول معهد ديني عال إلى جانب مراكز تعليم القرآن الكريم، كما قام بحملة تنمية شاملة في تركيا شملت تطوير الزراعة وافتتاح المصانع وتشييد الطرقات والجسور والمدارس والجامعات .
نجاح مندريس في حل شرخ الهوية ساعده كثيرا على إطلاق حملة إصلاحات ، أسهمت في تطوير الحياة الاقتصادية في تركيا حيث تقلصت البطالة وتحررت التجارة وعاش الناس فترة استقرار سياسي إلى جانب تراجع حدة التوتر الذي كان سائدا بين السكان والدولة بسبب الإجراءات المناهضة للإسلام ومظاهر التدين والعبادات ، ولم يعلن مندريس في أي من هذه الإجراءات أنه كان إسلاميا أو مؤيدا للإسلاميين، بل على العكس من ذلك كان حريصا على وضع تركيا في قلب العالم الغربي حينما قرر ضم تركيا إلى حلف شمالي الأطلسي وأصبحت الحصن المتقدم للغرب خلال الحرب الباردة بمواجهة الاتحاد السوفييتي والمعسكر الشرقي ، وأقام علاقات قوية مع الولايات المتحدة وساند مخططاتها في المنطقة وخارجها ، كما تودد إلى العالم العربي ، مقابل التضييق على العلاقات مع “إسرائيل” بل قام بطرد السفير الإسرائيلي من أنقره في العام 1956 تضامنا مع مصر بسبب العدوان الثلاثي الذي شاركت فيه إسرائيل ، وعندما دخل “مندريس” الانتخابات مرة أخرى فاز فوزا ساحقا من جديد ليعزز مكانته في زعامة تركيا .

بطبيعة الحال ، أثار نجاح “مندريس” أحقاد حزب الشعب الجمهوري ، حامل ميراث “أتاتورك” ، والذي رأى أن ما يجري يمثل تهديدا للميراث العلماني للدولة ، ومع أول متاعب اقتصادية لمندريس ، حرك حزب الشعب الجمهوري العلماني اضطرابات في الشوارع واحتجاجات واعتصامات وخلق حالة فوضى لإحراج رئيس الوزراء “عدنان مندريس” وإظهاره بمظهر الضعيف وغير القادر على ضبط الدولة والمجتمع ، وهي حالة تكررت ـ بعد ذلك ـ أكثر من مرة في تركيا ، بل كانت كل الانقلابات العسكرية يسبقها مثل هذه الظواهر التي يفتعلها حزب الشعب الجمهوري ، ونجحت جميعها في التمهيد للانقلابات العسكرية التي قطعت الطريق على الحكم المدني وحكام منتخبين من الشعب ، إلا مع اردوغان ، حاولوها لكنه كان قد استوعب دروس من سبقوه فنجح في إبطال “اللعبة” ، كما سوف يأتي .

وفي صباح 27 مايو/أيار عام 1960 قام الجيش التركي بقيادة الجنرال “جمال جورسل” مع عدد من الجنرالات بالانقلاب على “عدنان مندريس” ، وأعلنوا حل الحكومة ، وحل الحزب الديمقراطي الذي يرأسه مندريس ، واعتقال آلآف من كوادره ، وتسريح آلاف من الكوادر العسكرية من الخدمة ، وقام الجنرالات بتقديم “مندريس” وعدد من قيادات حزبه للمحاكمة حيث حكم عليهم سريعا بالإعدام وتم تنفيذه في اليوم التالي مباشرة لصدور الحكم ، وقد أطلق الأتراك علي مندريس لقب “شهيد الأذان” ، باعتبار أن قراره بإعادة الأذان باللغة العربية كان السبب الحاسم في الانقلاب عليه ، لتطوى صفحة أول تجربة سياسية لحل أزمة الشرخ الحضاري في هوية تركيا .
بعد حوالي خمسين عاما من إعدامه ، ومع استقرار النظام الديمقراطي ، أعادت تركيا الاعتبار “للشهيد” عدنان مندريس ، وكرمت ذكراه ، وأقامت نصبا تذكاريا كبيرا باسمه في اسطنبول ، ونقلوه إلى مدافن الأبطال ، وأطلقوا اسمه على ميادين وشوارع ومحطات مترو ، وتمت محاكمة من قاموا بالانقلاب ، رغم أن كثيرا من الجنرالات قد ماتوا ، لكنها محاكمة رمزية بالأساس لتثبيت معنى أن الانقلاب العسكري هو جريمة خيانة وطنية لا تسقط بالتقادم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية المسكينة المظلومة

د. موفق السباعي مفكر ومحلل سياسي إن القانون الذي وضعه الله الخبير البصير …