أخبار عاجلة

ثورة الناموس (القرص)

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

البارحة نهاراً تعرضت لهجوم حشري  ( الناموس )  فاستنجدت بوالدتي أشكو لها، لكنها ابتسمت، وقالت لي مواسيةً:

إن دمي حلو، ولهذا يهاجمني الناموس.

وعندما زرت صديقي الطبيب، قال لي:

“إن جينات الناموس تطورت مع الزمن كحال البشر، وأقامت ثورةً، وتطور جهازها العصبي، وزادت قدرتها وتأقلمت على الأدوية.”..

لم يعد ناموس اليوم كناموس الأمس، الذي كان يحترم نفسه، وﻻ يظهر إلا في الليل..

ناموس الأمس كان يلسع لسعة لسعتين في الليل، وينتهي الأمر، أما ناموس اليوم، فلم يعد يحترم أحدًا، و ﻻ وقت أحد، وأصبح الناموس مستيقظاً متنبهاً ليلاً ونهاراً، ويمارس مهامه في اللدغ، ومص الدماء على مدار اليوم، فتجده يهاجم الجميع،  وبكميات كبيرة، وﻻ يترك مكاناً إﻻ، ويلسع فيه، حتى في أماكن العيب والحرام….

كنا نتخلص من الناموس بأضعف مبيد حشري، واليوم لم يعد ينفع معه شيء.

حال الناموس المتطور ﻻ يشبه إلا حال كثير من شبابنا، وما يسمى بنخبنا، ومثقفينا اليوم، الذين تطوروا بعد الثورة، وما جرى في بلادنا، واعتقدوا أنهم خبيرون في جميع الفنون والعلوم…

فصاروا يخوضون بجهلٍّ في الدين، والسياسة، والإعلام والأمن، والعلم، والطب، وعلم الاجتماع، وعلم النفس، ويلسعون كل شخص، وفي كل الأماكن، و ﻻ يعرفون العيب، و ﻻ الحرام، و ﻻ أين يقفون وماهي الحدود؟!!.

لم يعد ينفع معهم نقاشٌ، و ﻻ تذكيرٌ بسير الأولين، و ﻻ اﻵخرين، و ﻻ تخويفٌ بالدين، أو الأخلاق العامة، أو حتى تخويف بالفضيحة.

ومع أني مع حرية التعبير، وإبداء الرأي،  إﻻ أن تلك الحرية تكون ملازمة للعلم بالشيء، ومعرفته، والإحاطة بكل تفاصيله.

فأنت طبيبٌ محترم، فكيف أجدك تخوض في التحليل العسكري. ؟!

وأنت ضابط عسكري، فكيف تجعل نفسك قاضٍ جنائي؟!

وأنت عامل بناء، فكيف أجدك مفتياً شرعياً ؟!

وأنت سائق أجرة، فكيف أجدك إعلامياً؟!.

وأنت رجل دينٍ، فكيف أجدك كل ما سبق..؟!.

وأنتِ فنانة استعراضية، فارحمينا من علمك الغزير في ممارسة  الحرية، وتحرير المرأة !!

وأنت شاب لم يبلغ العشرين، فكيف تناقش بكل المواضيع، وتعيب على الآباء، والأمهات تربيتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ثم تخوض في التاريخ، وتجلد من صنع الأمجاد.

أما عن الأنواع الأكثر تطوراً من الناموس

فلدينا ناموس يختبئ خلف أسوار الدين، ولسعاته تكون على أوتار القلب، فكم من جاهل يسنّ إبرته لينخز بها كل مخالف، عن خرافاتٍ ابتدعوها، ومحرماتٍ أباحوها، ومحللاتٍ اخترعوها، و إفتاءاتٍ يفتونها، و اتساعاتٍ ضيقوها، ومسلماتٍ هدموها، وحاكمٍ سجدوا له، وعنصر أمن أطاعوه، وجاهلٍ قربوه، وعالمٍ حطّموه، وشريفٍ حاربوه، وشعبٍ سرقوه، ومنبر حطموه، ومحرابٍ حرفوه، وباطنٍ أظهروه، وظاهرٍ أخفوه.

ولدينا ناموس الملاريا، الذي يدعي العلمانية، وهذا الناموس خطير جدًا، فهو يلسع في كل مكان، يلسع في القلب، والعقل، وأماكن العفة، وتحت العيون، وفوق الجفون، وبين الآذان، وتحت الشفة، همهم نوع واحد من التاريخ، والدين، فتراهم يشحذوا سكاكينهم كلما وجدوا أوهامهم تتحطم على صخرة الحقيقة،

فكم من سفالاتٍ ابتدعوها، وشبهاتٍ غرقوا بها، ومقدساتٍ نالوا منها، وشتائم سوقوها، ورذالاتٍ روجوا لها، وشياطين قلدوها، وموجةٍ ركبوها، وتاريخٍ شوهوه، وحدثٍ زوروه، وخطأ قدسوه، وكذبٍ افتروه !!

وهناك عديد آخر من الناموس، الذي لم يعد يستسيغ رؤيتها عقلي، وفكري، ونظري، وجسدي، وحتى كوابيسي.

فهل هي ثورة الناموس؟!

أم هي فوضى الناموس؟!

أم أن الجيل الجديد من الناموس لا يعرف أصول اللدغ، واللسع وبات لا يحترم أحدًا؟!

وهل سنستطيع النوم ليلاً آمنين مطمئنين بعيداً عن لسعاتهم، ومصهم لدمائنا.

رحم الله ناموس زمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الأوهام لا تصنع أوطانًا!

د. محمود سليمان أكاديمي سوري، دكتوراة في القانون الدستوري. عندما قام غالبية الشعب …