أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الفراعنة الصغار

الفراعنة الصغار

مجدي شلش

أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر الشريف
عرض مقالات الكاتب

سمة من سمات الطبيعة البشرية وإحدى غرائزها الكبرى، ليست متلازمة مع الكفر أو الفسوق أو العصيان، إنما قد تجدها أيضا في أشد الناس حماسة وعاطفة نحو حب الذات وتأليه الأنا باسم الشرائع والأوطان .

المتفق عليه عند الحكماء بأن لفظ الفرعون صفة وليس علما على شخص معين، هي مجموعة من السمات والصفات إذا تحققت في شخص كان فرعونا، نعم تكبر وتصغر الفرعونية في الإنسان حسب استعداداته وميوله ورغباته.

هناك الفراعين الكبار الذين نازعوا الله في أسمائه وصفاته حتى قال كبير منهم ” …أنا أحي وأميت…”
وقال الآخر : ” أنا ربكم الأعلى ” لكن السمة الأكبر والأعظم التي تتجسد في الكبار من الفراعين والصغار هي : ” ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد “.

الفراعنة الكبار والصغار يعتبرون كل مصلح فاسدا، وكل مرشد ضالا، وكل صيحة عليهم، من خرج من تحت العباءة أو السيطرة مصيره معلوم ومعروف، ومن تجرأ بالنصح فهو مختل مجنون، ومن رفع رأسه على أسياده فالحبل والسكين موجود.

لا أبالي بالفراعنة الكبار الذين ملؤا الدنيا صياحا وضجيجا وقتلا وإرهابا، جامعهم الكفر والضلال، ومنهجهم الظلم والطغيان على الله تفرعنوا، وعلى الرسل تجبروا، وعلى البشر تألهوا، وفي الكون أفسدوا، والنهاية رمم وقمامات في مزابل التاريخ رموا.

المشكلة الأكثر انتشارا الفراعين الصغار الذين اتخذوا من الدين ستارا للاستبداد الفكري والإرهاب العقلي بحجة امتلاك الحقيقة المطلقة أو معرفة المصلحة والمنفعة أو أنه الأوحد في العلم الفلاني، رأيه من المقدسات، وفكره ينتج اللوذعيات، وسلوكه كله كرامات، لحمه مسموم، وجسمه طاهر مطهر غير مكروه.

صدق من قال في نفس كل واحد منا فرعون صغير، يخنس بالتربية والتهذيب والشوري واحترام الآخر، وينمو ويشتد ويكبر بكبر الأنا وتأليه الذات بمنصب رفيع أو مال وفير، أو جمال أو حسب منقطع النظير، فما بالنا لو اجتمع فيه الجميع ؟

هذا هو الإنسان معقد التركيب بين الانسحاق للمستبدين الطغاة إن كان فارغا من التميز الذاتي، أو مستبدا متجبرا عند الاستغناء بالرأي أو الرخاء بالشهرة والمال والجاه، طبيعية خاصة تختلف عن الجن والملائكة وسائر المخلوقات، وصدق الله في قوله: ” كلا إن الإنسان ليطغي أن رآه استغنى ” .

الفرعون الصغير تجده مستأسدا على من تحته من ولد أو زوج أو عامل أو جار أو تلميذ أو أب أو أم أو قريب، وتراه ذليلا منكسرا أمام أسياده الذين يلقمونه اللقمة أو بعض الشهرة أو مجرد التمحل بالجلوس معهم، ينتفخ على إخوانه ويشتد،. ويصغر أمام أعدائه وينخفض، عكس الآية فعامل الألداء بالرحمة واللين والشفقة، وعامل الأقربين بالشدة والعنف والغلظة.

أعفن الفراعين الصغار من برر للكبار خطأهم، وعظم للسفهاء قولهم، ومدح الجبناء بالشجاعة، واللصوص بالشفافية والنزاهة، والكذبة بالصدق، متمنيا أنه في يوم من الأيام سيحل محلهم، ويجلس في محلتهم، ويرث مكانتهم، يمهد بالظلم لإخوانه وأحبابه سبيل المجرمين، ويعصف بكل القيم والمبادىء من أجل أشخاص خالفوا العرف والدين.

أتعبتنا النفس البشرية بسماتها المتناقضة وصفاتها المتضادة، الحلال يصبح حراما، والصواب يكون خطأ، والمصلحة اليوم مفسدة غدا، والعدو أصبح صديقا، والصديق عدوا، شر الناس من باع دينه لدنيا غيره.

الفرعون الصغير يجعل من الهر نمرا ومن الكلب أسدا ومن الحقير زعيما مبجلا، الفرعون الصغير يختذل الدنيا كلها في جناب كبيره، هو الدولة والدولة هو، هو الأمة والأمة هو، هو الجماعة والجماعة هو، تلبيس باسم الشعب لمن ملك الدولة، وباسم الصف لمن ملك الجماعة أو الأمة.

الشناعة الكبرى من الفراعنة الصغار اتخاذ آيات الله هزوا لتبرير المصالح والمفاسد، فيجعلوا من البشر الذين يصيبون ويخطؤن باسم الدين والحب والثقة والطاعة والسبق آلهة وأربابا، من اعترض انطرد والباب يفوت الجمل، وكأن الدولة أو الكيان عزبة ورثوها عن الآباء والأمهات، هى في الحقيقة ميراث الكل وللكل بحكم الشراكة في البناء والتضحية بالدماء، والإيمان بالفكرة والدعوة والحركة.

غافل عن الحقيقة من مزج بين الأشخاص والمؤسسات وجعلها شيئا واحدا، يعتبر الفرعون الصغير أن النقد أو النصيحة الموجهة للشخص تقدح في ذات المؤسسة أو الكيان، الحي لا تؤمن عليه الفتنة، وكم من أشخاص عبروا نحو الهاوية بسبب الفراعين الصغار الذين زينوا لهم الباطل حقا والإيمان كفرا والمعصية ألذ طاعة وذكرا.

النقد بأدبياته الشرعية والمنطقية عند أولى الألباب ليس قدحا، والاستفسار بقيمه العلمية ليس ذما، وقديما وقف سلمان الفارسي رضى الله عنه أمام الفاروق في أمر لباس وقال : لا سمع ولا طاعة، فما بالنا في دولة تباع أو كيان يجمد أو تاريخ يحطم وقيم تباد.

الفراعنة الصغار كثير منهم موجودون في السياسة والإعلام والدين، ينشأ ربة صغيرة ثم ينمو ويكبر في الزريبة الكبيرة، الأول يبدأ ناشطا سياسيا وينتهي منافقا عليما، يعرف متى يتكلم ومتى يخرص، راقص على كل الحبال والمصالح، عبد لمن بيده الكعكة أو التورتة، والثاني متلون بلون الحرباء اليوم اللون أصفر وغدا أحمر وبعد غد أسود، والأخير اسوأهم وأرداهم،الأصل أن مقامه مقام الأنبياء إذ به وقد ناصر السفهاء، وخلط الأوراق، وتلاعب بالنصوص ” …واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون ” صدق من قال فيهم : عمم على رمم.

النموذج الأمثل والأسوة الحسنة في التفريق بين الشخص والقيمة، والفرد والمؤسسة، والسلوك والحقيقة، هو المصطفي صلى الله عليه وسلم يقتد من نفسه لمجرد الإحساس بالخطأ، يطلب منه سواد رضي الله عنه القصاص لأنه أوجعه في بطنه، فيكشف له بطنه ويقول: استقد يا سواد، وقبل موته يخطب وينادي ويقول: من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليقتد منه، ومن كنت أخذت منه مالا فهذا مالي فلياخذ منه.

إنه الفصل التام بين النبوة كوحي وبين سلوك الإنسان الذي قد يعتريه شيء من النسيان أو السهو أو عدم تقدير الصواب نظرا لقلة الخبرة في المجال، أو الحرص على من هم في ظنه أقرب إلى القبول بالامتثال، نفسه صلى الله عليه وسلم تشبعت بالوحي جلالا وتعظيما فخاطب أبا ذر رضي الله عنه وقال له : إنك امرؤ فيك جاهلية لما وقع في أخيه.

لا مجاملة على حساب القيمة للأشخاص وإن سبقوا، ولا محسوبية لقادة وإن تقدموا وضحوا، أفضل منهم رأيناه وقد ربط على بطنه الحجر والحجرين، وخرج إلى الطل بعد جلبة وقال لن تراعوا، ووقف في مقدمة الصفوف وهتف أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب، تعلم منه الصديق والفاروق، فانتصروا في ميدان المعارك لما هذبوا وانتصروا في ميدان النفوس.

الفراعنة الصغار محل الدهس في الغالب من الفراعنة الكبار، يعلمون حيلهم ونفاقهم وتزلفهم لهم، يضربونهم بأفحش الألفاظ ويكسرون أنفهم ببعض الملذات والمتاع، ويمرغون وجوههم في أنتن البرك والمستنقعات، إنها الدورات التدريبية لهم حتى يصيروا كبارا في الفرعنة على حق، ويكونوا أهلا لميراث الغل والحقد، هكذا تنبت شجرة الفرعنة تبدو صغيرة في البداية ثم تنمو شجرة خبيثة في النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

شيء من العشق في زمن الكراهية

أنور الغربي الأمين العام لمجلس جينيف للعلاقات الدولية والتنميةمستشار سابق في رئاسة الجمهورية …