أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أحا أحا لا تتنحّى

أحا أحا لا تتنحّى

حسام الدين الفرا

شاعر وكاتب سوري
عرض مقالات الكاتب

شهر حَزيرانَ (يونيو) هو شهر النكسات والتنحّي بامتياز، وترك السلطة.

كثُر الحديث عن التنحّي، في هذا الشهر، ولمْ يُعدِ التاريخ نفسه، ليكون هذا الشهرُ شهرَ التنحّي فعلاً؟

في التاسع من يونيو عام 1967، بعد خمسة أيامٍ من نكسة حَزيرانَ، كنوعٍ من تحمّل مسؤولية النكسة، تنحّى الرئيس المصري جمال عبد الناصر .

خرج عبد الناصر بخطابه الشهير وقال فيه :

” لقد قررت أن أتنحّى تماماً ونهائياً، عن أيّ منصب رسمى وأيّ دورٍ سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبى معها كأيّ مواطن آخر”

 بهذه الكلمات أعلن عبد الناصر تنحيه عن رئاسة الجمهورية، وإسناد المنصب إلى زكريا محيي الدين أحد الضباط  الأحرار .

وعقب سماع خطاب التنحي، قيل بأن جموع الشعب الغفيرة خرجتْ في مسيراتٍ ترفض خطاب عبد الناصر، وتطالبه بالعودة إلى الحكم، من جديد مُرددةً هتافات :

(ارفض ارفض يا زكريا عبد الناصر مية المية)

وردّد الشعب الهتاف الذي ذاع صيته في الآفاق (أحا أحا لا تتنحى)، مُوجّهين الهتاف لعبد الناصر.

شاركت أم كلثوم الشعبَ المطالبةَ ببقاء الرئيس، ورفض التنحّي بأغنيةٍ بتوقيع صالح جودت تأليفاً، ورياض السنباطي تلحيناً حيث غنّتْ فيها :

    قمْ واسمعْها من أعماقي فأنا الشعب

    ابقَ فأنتَ السد الواقي لمنى الشعب

    ابقَ فأنتَ الأمل الباقي لغد الشعب

وبسبب هتاف (أحا) الشهير، عاد عن قرار استقالته في اليوم التالي .

يبدو بأن لكلمة (أحا) سحراً خاصاً أعاد عبد الناصر إلى سدّة الرئاسة .

وفي هتاف (أحا) الشهير لعبد الناصر، وتنحيه قيل بأن إعلان الاستقالة كان مجرّد مسرحيةٍ مُتقنة التأليف والإخراج، وهو أيْ عبد الناصر حسبَ حساب كلّ شيءٍ، قبل خطابه الشهير، وهو بحركة التنحّي الخلبية أراد امتصاص نقمة الجماهير الغاضبة، من نتائج نكسة حزيرانَ .

عبد الناصر من دُهاة الساسة في عصرنا، ويعرف ما كان يعمل بالضبط، للتخلص من مفاعيل النكسة التي أصابت المصريين والعرب بالصميم، ولولا قيامُه بهذه الحركة المسرحية لانتفض عليه الشعب وثار.

لذلك قال عبد الناصر لمحمد حسنين هيكل :

 ” إنني لا أستطيع أن أتصوّر ما سيفعله الناس، والله

لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير، وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم “

إذن هناك من الشعب المصري مَن لم تنطلِ عليه الحيلة، وطالب بالتنحي حقيقةً وليس كلاماً، ورأى أن الدكتاتورية هي التي سأقتِ الجماهير، إلى التمسك، بالرجل الأوحد وتمجيده .

 لذلك وجّه بعضهم لعبد الناصر الهتاف (أحا أحا أنت مش حتتنحى).

اختلف المصريون في أصل كلمة (أحا) التي تعبر،عن الاحتجاج والتعجب .

من أين جاءت،  وفيما إذا كانت حميدةً أو ذميمةً ؟

بعضهم قال : إنه في عصر الدولة الفاطمية تمّ منع كلمة (أحتج)، من خلال قانون، لمنع الشعب من الاحتجاج وقمعه، فما كان من الشعب المصري الذكي إلا أن اختصر الكلمة بتعبير (أحتا)، وعند اكتشاف الفاطميين الأمرَ، حوّلها المصريون إلى (أحا)، وعندما ألغى الفاطميون القانون، بقيتِ الكلمة حتى يومنا هذا. 

ويرجّح آخرون بأنّ الكلمة اختصارٌ لـ (أنا حقاً أعترض) .

واختلف الناس كذلك في جواز استخدام هذه الكلمة، او عدمه وطلبوا الفتوى من أهل العلم، ووجّهوا السؤال :

هل من المُعيب استخدام كلمة (أحا)، مع العلم أنها منتشرة بين الشباب، وتُعطي معنى الاعتراض والتعجب ؟

لتأتيهم الفتوى من أحد الشيوخ :

الكلمة المذكورة مما ينبغي للمسلم التنزّه عن التلفّظ بها، لأنها في عُرْف الناس من البذاءة، وكما جاء في الأثر: “ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء”.

ومن غير الخافي أن هذه الكلمة إنما يتداولها الفُسّاق، ومَن على شاكلتهم، والمسلم يُنزّه نفسه عن أن يتشبّهَ بأمثال هؤلاء، فإنّ مَن تشبّهَ بقومٍ فهو منهم .

 اليوم كثُرَ الحديث عن التنحّي، وتفاءل الناس بشهر التنحي والنكسات (حزيران) .

 ولكنه مضى ولمْ يُعدِ التاريخ نفسه، مع الفارق الكبير بالشخصيات والظروف والملابسات ؟!

(خلِّ فكركم يروح إلى البعيد خلف المحيطات)

 هل سيتنحى الرئيس (شيت أمريكا ترامب ما غيرو)، بسبب المشاكل التي تُثقل كاهله في شهر تموز، لأن حزيران لم يحدثْ فيه شيء ؟

بالتأكيد إذا تنحّى، لن نعدم خروج مسيراتٍ عفويةٍ تُطالب بعودته عن القرار، وتهتف بعالي الصوت :

 (أحا أحا لا تتنحى)

(الله يعدمنا ياهن قولوا: إن شا الله) .

وكذلك لن نعدم وجود مطرباتٍ كثيراتٍ، لسْنَ في مكانة أم كلثوم يغنينَ ويطلبنَ من الرئيس عدم التنحي، وإن كان ما سيُغنّى هزيلاً أداءً وتأليفاً ولحناً .

وبالتأكيد سوف يفرح كثيرون بقرار تنحّيه، والتخلص من الرئيس (ترامب طبعاً)، وربما سوف يرددون الهتاف :

 (أحا أحا بعد ما ….. قال تنحى)

وبالتالي سيكونون منَ الفُسّاق الذين تحدّثَ عنهم الشيخ صاحب الفتوى (فتوى أحا)، لاستخدامهم هذه الكلمة التي دخلتِ التاريخ .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …