أخبار عاجلة
كاريكاتير علاء رستم

خروف دخل البرلمان

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

     أودّ الإشارة بداية إلى أن عنوان هذا المقال هو مطلع قصيدة للشاعر التونسي “المنصف المزغني”، كان قد أرسلها لي أحد الأصدقاء على واتس أب يقول فيها الشاعر:

خروف دخل البرلمان

قال: ماع

فجاء الصدى إجماع

     هذه القصيدة حقيقة هي التي حفزتني إلى كتابة هذا المقال لتوضيح بعض ما يجري في سورية حول انتخابات مجلس الشعب المزعومة، مع التأكيد أن ما أعرفه عن مجالس الشعب عموماً ومهامها، وصفات نوابها لا يتعدا قراءات متواضعة في الصحف الورقية، وبعض المواقع الالكترونية، ومن ثم لست متخصصاً في هذا الشأن، ولا أدع أنني على معرفة ودراية كافية بكيفية عمل أعضاء مجلس الشعب.                     

     ولكن هذا لا يمنع من أن أسطر رأيي في هذا الميدان من واقع ما أعرفه عن مجلس الشعب السوري منذ عام 1973م حتى الآن. هذا المجلس الذي يعرف جميع السوريين كيف تُشكله فروع المخابرات من شخصيات لها باع طويل في تسطير التقارير، وعدم القدرة على الرفض، والتصفيق بمناسبة أو من دون مناسبة إلا ما رحم ربي.

     لقد هالني وأنا أقرأ أسماء الشخصيات التي تم اعتمادها في قائمة ما يُسمى بالجبهة الوطنية لتمثيل الشعب السوري، وقفز إلى ذهني السؤال الذي كثيراً ما أطرحه: كيف نحدد الشخصية الوطنية التي نختارها لتمثيل الشعب في البرلمان؟ وهل من تم اختيارهم شخصيات وطنية يمثلون الشعب فعلاً؟ مع الأسف أن الإجابة عن هذا السؤال أكثر من محبطة، وبخاصة عندما نعرف أن بعض الشخصيات المرشحة للمجلس القادم هم قادة ميليشيات طائفية قتلوا ودمروا وعاثوا بالأرض فساداً، بل إن أحدهم ظهر في أكثر من موقع مع المجرم قاسم سليماني، فضلاً عن جواسيس المخابرات، ورجال الأعمال الفاسدين.

     الغريب في الأمر، إنه بالرغم من كل المآسي التي مرت بها سورية والسوريين خلال السنوات العشرة الماضية، ما زال النظام لم يفهم أن أمثال من سيدفع بهم إلى مجلس الشعب هم جزء رئيس من الأسباب التي أدت إلى دمار سورية وخرابها.. هؤلاء اللصوص وكتبة التقارير، والفاسدين، والذين لا يحللون ولا يحرمون هم معاول الهدم الحقيقية التي أعادت سورية مئة سنة إلى الوراء.

     ما زال النظام لم يفهم أن ممثل الشعب يجب أن يكون متمتعاً بثقافة قانونية عالية، ومتمكناً من الحديث بلغة أجنبية على الأقل، وأن يكون على دراية بالقانون والدستور، وأن تكون سمعته نظيفة، وغير متورط في الفساد، ولا يسعى إلى تحقيق مصالحه الشخصية، وأن يكون ذا شعبية كبيرة، ويؤدى دوراً تشريعياً رقابياً، وليس دوراً خدمياً فقط، وأن يكون النائب ذا كفاءة عالية، ومتفهم للواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وأن يكون التحاق أي نائب بالبرلمان عن طريق الانتخاب والاقتراع العام باستخدام الأساليب الديمقراطية، وليس بترشيح من حزب فاحت رائحته النتنة، أو من فرع مخابرات أو بعمليات تزوير.

     مع ملحوظة أنه من خلال معرفتنا، الممتدة نصف قرن، بهذا النظام نعلم يقيناً أنه لا يستطيع الاستمرار بالحكم مع الشرفاء والأحرار، ولا يستطيع أن ينهب ويسرق قوت الشعب إلا مع لصوص على شاكلته، ولا يستطيع تمرير قانون أو تشريع إلا بوجود شخصيات ضعيفة تخشى على مصالحها ومكتسباتها، والنظام يعرف أن أمثال هؤلاء من السهل السيطرة عليهم، لأن اخطائهم كثيرة، ونفوسهم ضعيفة، وهم من قال عنهم الشاعر التونسي: خروف دخل البرلمان. قال: ماع، فجاء الصدى إجماع.. ومع ذلك نأمل أن يكون مجلس الشعب القادم مجلساً يعمل على إحقاق الحق عبر تكريس عدالة حقيقية تُعطي السوريين بعض حقوقهم، وتُمكنهم من الدفاع عن حريتهم وكرامتهم، وأن تسمح بسن القوانين والتشريعات بما يحقق مصالح الشعب لا مصالح فئة منه، مع أن أمر كهذا شبه مستحيل مع من يفرضهم النظام على الشعب قسراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الحضارة الإسلامية والسقوط الإنساني

مصعب الأحمد كاتب وباحث وشاعر سوري قرأت ما كتبه أحد الجزائرين في مدونة …