أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (11)

تأملات قرآنية مع شيخ الإسلام ابن تيمية (11)

الدكتور حسين القحطاني

عرض مقالات الكاتب

{داء الأولين والآخرين}
قال الله سبحانه تعالى في تمام خبر المنافقين : (كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) . “التوبة” ذكر الله تعالى في هذه الآية الجامعة الفذة أصلين عظيمين ، وهما داء الأولين والآخرين ، أحدهما : الاستمتاع بالخلاق ، وهو النيل من الشهوات البهيمية الفانية ، والثاني : الخوض في الشبهات الباطلة المضللة . ثم تضمنت الآية أوجه الشبه في أفعال المنافقين من الاستهزاء والكفر وأفعال الأمم السابقة التي كانت على جانب كبير من القوة والمال والأولاد ؛ بل كانوا أشد ، فتشابهت قلوبهم وأفعالهم ، كأنهم تواصوا على ذلك ، فاطمأنوا إلى الحياة البهيمية وتمتعوا بما فيها دون ضابط ولا انقياد . فقيل لهم : أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم أيها المنافقون الفاجرون بنصيبكم من هذه الشهوات ، كما استمتع الذين من قبلكم بحظوظهم الفانية ، وخضتم بالكذب على الله ورسوله كخوض تلك الأمم قبلكم . أنتم وأولئك الموصوفون بهذا الداء هم الذين ذهبت حسناتهم هباء منثورا في الدنيا والآخرة ، أنتم وأولئك هم الخاسرون ببيعهم نعيم الآخرة الأبدي بالدنيا الفانية ، وذلك هو الخسران المبين . وما أشبه الليلة بالبارحة ، لقد ظهر في عصرنا الحاضر رأس الكفر بعد أن قطع في صدر الإسلام ، واستفحل الانحلال الخلقي والانحلال العقدي ، وهما بداية سقوط الدول وخسرانها ، وما نراه ونسمعه من فساد في العقيدة والخلق ، نذير شؤم بالأمة الإسلامية ، والآية الكريمة تذكرنا بالمنافقين الأولين والأمم الغابرة الكافرة ، وما اغترفوه من موبقات ، حتى أصبحت أبوابها مفتوحة على مصراعيها في زمننا هذا ، وأعلنوا بلا حياء ولا كرامة عن أماكن الفسق والفجور والإلحاد في بلاد المسلمين ، وزجوا بالعلماء الربانيين في السجون ، وجيء بالعالم الفاجر ليخوض بشبهه الخبيثة ، ويلبس الحق بالباطل ، وأصبح الناس على فسطاطين ، فسطاط كفر لا إيمان فيه ، وفسطاط إيمان لا كفر فيه ، وكشر أهل النفاق عن أسنانهم ، ونطق الرويبضة ، وظهر السفهاء والفجرة على شاشات التلفاز ليصدوا عن سبيل الله ، كل ذلك للاستمتاع بالشهوات البهيمية ، والخوض في الشبهات الكفرية . يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : “جمع سبحانه بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض : لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به ، أو يقع في العمل بخلاف الاعتقاد الحق . الأول : هو البدع ونحوها . والثاني : هو فسق الأعمال ونحوها . والأول : من جهة الشبهات . والثاني : من جهة الشهوات . ولهذا كان السلف يقولون : “احذروا من الناس صنفين : صاحب هوى قد فتنه هواه ، وصاحب دنيا أعمته دنياه” . وكانوا يقولون : “احذروا فتنة العالم الفاجر ، والعابد الجاهل . فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون” . فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ولا يتبعونه . وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم … فقوله سبحانه : (فاستمتعتم بخلاقكم) ، إشارة إلى اتباع الشهوات وهو داء العصاة . وقوله : (وخضتم كالذي خاضوا) ، إشارة إلى اتباع الشبهات . وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات . وكثيرا ما يجتمعان . فقل من تجد في اعتقاده فسادا إلا وهو ظاهر في عمله . وقد دلت الآية على الذين كانوا من قبل استمتعوا وخاضوا . وهؤلاء فعلوا مثل أولئك . ثم قوله : (فاستمتعتم) ، (وخضتم) خبر عن وقوع ذلك في الماضي . وهو ذم لمن يفعله إلى يوم القيامة ، كسائر ما أخبر الله به عن أعمال وصفات الكفار والمنافقين عند مبعث عبده ورسوله محمد -صلى الله عليه وآله وسلم- ، فإنه ذم لمن يكون حاله حالهم إلى يوم القيامة . وقد يكون خبرا عن أمر دائم مستمر … فيكون كل من حصل منه هذا الاستمتاع والخوض مخاطبا بقوله : (فاستمعتم) ، (وخضتم) وهذا أحسن القولين . وقد توعد الله سبحانه هؤلاء المستمتعين الخائضين بقوله : (أولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون) . وهذا هو المقصود هنا من هذه الآية . وهو أن الله قد أخبر أن في هذه الأمة من استمتع بخلاقه ، كما استمتعت الأمم قبلهم ، وخاضوا كالذي خاضوا ، وذمهم على ذلك ، وتوعدهم على ذلك . ثم حضهم على الاعتبار بمن قبلهم فقال : (ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود) “التوبة” . وقد قدمنا : أن طاعة الله ورسوله في وصف المؤمنين بإزاء ما وصف به هؤلاء : من مشابهة القرون المتقدمة ، وذم من فعل ذلك . وأمره بجهاد الكفار والمنافقين بعد هذه الآية : دليل على جهاد المستمتعين الخائضين . ثم هذا الذي دل عليه الكتاب مشابهة بعض هذه الأمة للقرون الماضية في الدنيا وفي الدين ، وذم من يفعل ذلك دلت عليه سنة رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- ، وتأول هذه الآية على ذلك أصحابه رضي الله عنهم” . (اقتضاء الصراط المستقيم)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

هبوط آدم وحواء إلى الأرض وبداية الحضارة الإنسانية

د. علي محمّد الصلابيّ مع نزول آدم وحواء إلى الأرض رضي آدم …