أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / من أين يأتي النصر؟

من أين يأتي النصر؟

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

على صفحته على موقع الفيس بوك عرض الخبير التربوي الأستاذ الدكتور صابر جيدوري، السؤال الآتي:
” لماذا لم يتحقق مشروع المفكرين العرب الذين حاولوا أن ينهضوا بالأمة العربية عن طريق الحوار الفلسفي، بدءًا من رفاعة الطهطاوي، وفرح أنطون، وأحمد فارس الشدياق، وجمال الدين الأفغاني، وخير الدين التونسي، والشيخ محمد عبده، الذين طرحوا مسألة الدولة المدنية ؟ هل لأنهم أخذوا من فلسفة الدستور الفرنسي، واختمرت فكرتهم من جان جاك روسو، واستهوتهم روح الشرائع لمونتسكيو، وأحبّوا آراء فلسفة فولتير، وأعجبوا بمسارح وشوارع باريس ؟ يعني هل فشل هؤلاء المفكرون في بناء مشروع نهضوي للأمة العربية ناتج عن تجربتهم الفلسفية التي جاءت من الغرب، وحاولوا تطبيقها في الشرق الإسلامي الذي لم ينسجم معها، أم توجد أسباب أخرى للفشل ؟
والجواب على سؤاله:
إن شيئًا مهمًا من الجواب الموضوعي والعلمي الرصين على سؤال الدكتور صابر حول أسباب الفشل ، موجود في كتابي المختص في علم الاجتماع السياسي الدكتور برهان غليون، الكتاب الأول المحنة العربية: الدولة ضد الأمة، والكتاب الثاني بيان من أجل الديمقراطية.
في كتابه المحنة العربية، الدولة ضد الأمة وفي الفصل الخامس منه : عصر المحنة أو ثمن الحداثة المجهضة.
يذهب الدكتور برهان غليون إلى أن انهيار مشروع التحديث العربي قد فتح باب المراجعة، ولاسيما أن العرب يعيشون أزمة مع اختلافها من مكان إلى آخر، وقد برز تصوران متعارضان لطبيعتها ، فالأول يؤكد على بروز معارضة في المجتمع العربي للتحديث والحداثة، يرجع أسبابها إلى مقاومة البنى القيمية والمعرفية والثقافية القديمة ، وإلى عدم فاعلية الهياكل التقليدية الموروثة في المجتمع ، والتي لا يمكن الخروج من هذه الحالة إلا بتصفية الإرث التاريخي الاجتماعي والفكري المترهل، وإدخال منظومات القيم والمنطق العقلاني الحديث العلمي والتقني في نظام المجتمع، ولا سيما ممارسة السلطة حتى وإن كان عن طريق القوة.
في حين يشدد التصور الثاني في التحلل الأخلاقي والتخلي عن الهوية الثقافية، واتساع دائرة الاستلاب وتبعية واقتداء النخب الحاكمة بالدول الغربية المسيطرة ، وفي هذ الحالة يشكل رفض العقائد الغربية وإعادة التقدير للتراث القومي والديني ،واستلهام عقائدية اجتماعية جديدة ومستقلة الشرط الأول لإعادة بناء الدولة الوطنية أو الدولة التي تعبر عن روح المجتمع ومصالحه.
وفي كتابه بيان من أجل الديمقراطية، ولاسيما منه الفصل الأول: تحرر قومي أم ثورة طبقية؟
يؤكد الدكتور برهان على أن قاعدة النهضة على الصعيد الفكري كانت الجامعة الأميركية وجامعة القديس يوسف وغيرها من المؤسسات العلمية والبعثات المرتبطة مباشرة بالغرب منذ منتصف القرن التاسع عشر؛ ومن ثم أن النخبة العربية الحديثة التي تكونت طبقة اجتماعية مرتبطة بالغرب ، وتابعة له وستصبح فيما بعد ركيزته الأساسية.
إن نضال تلك النخب ضد الاتراك لم يكن في سبيل التحرر القومي والثورة بقدر ما هو التحالف مع الاستعمار الغربي الرأسمالي، وتسليمه البلاد وتعميق الارتباط والاندماج به من خلال التبعية الفكرية له، والقيام بنقل وتقليد قيمه على الرغم من رفع الشعارات المعادية للغرب !
النظام الحديث من النهضة وإلى اليوم ،يقوم على ثلاثة مبادئ: النهب وحصيلته الإفقار، والقهر وحصيلته الاسترقاق، والاستعباد السياسي، والترجمة والتقليد وحصيلتها الجهل، وعليه من أين يأتي النصر؟
من جانبنا، نذهب إلى أن حركة النهضة العربية قد أخفقت في تحقيق أهدافها لأسباب تعود للظروف الداخلية والعامل الخارجي، فعلى المستوى الداخلي كان هناك بون واسع بين النخبة والشعب ،ويعود لانعزال وتعالي النخبة على الاختلاط بالشعب، مع أنها تزعم حمل آلامه وآماله، وبين السلطة والنخبة ،ويعود إلى استخفاف السلطة بالنخبة وأفكارها وتهميشها وإفقارها، وبين السلطة والشعب ،حيث تنظر السلطة للشعب بدونية على أنه قطيع يسهل اقتياده ،مع أنها تزعم أنها تعمل على تقدمه ورقيه، ومن ثم بين السلطة والنخبة والشعب، ما أدى إلى أن تقوقعت النخبة على حالها ولم تقم بدور الوسيط بين الشعب والسلطة، وتغولت السلطة في استبدادها وفسادها، وتراجع مستوى الحياة الكريمة للشعب.
إن السلطات الرسمية العربية بسبب كونها نظمًا استبدادية تفتقد الجانب المؤسساتي لم تتبن أو ترع أو تطبق أفكار النخب الحقيقية والأكاديمية مثلما فعلت وتفعل النظم الديمقراطية في العالم لتحقيق مصالحها؛ حيث بقيت أفكارهم البناءة أسيرة في بطون الدراسات والأبحاث والكتب ،أو وسيلة من أجل الترقية العلمية ومكانها فوق رفوف المكاتب يغطيها الغبار، ودائمًا نجاح الفكرة مرهون بتبنيها ورعايتها وتطبيقها من قبل سلطة آمرة، وهذا لم يحصل للمفكرين والأكاديميين العرب، كما حصل مع المصلح الألماني مارتن لوثر الذي خالف الكنيسة الكاثوليكية بتعاليم جديدة، فتبناها الشعب وعدد من الأمراء لتولد الكنيسة البروتستانتية.
أما على المستوى الخارجي، فالعالم الغربي نتيجة الموقف السلبي والعدائي من العرب والإسلام، ومعرفة قوة فاعليتهم وتأثيرهم، فهم لا يريدون أي مشروع نهضوي، ويقفون ضد نجاح أية تجربة واعدة قوية في العالم العربي، ومهما كان توجه أصحابها، ولعل المثال تجربة الوالي العثماني محمد علي في مصر، رغم دعم القوى الدولية له إلا أن تخطيه الخطوط المرسومة له جعلت القوى الغربية تقف أمامه، وتقيد حركته في اتفاقية كوتاهية 1833، ومن ثم معاهدة لندن 1840، التي اختزلت مشروعه الطموح في حكم مصر وراثيًا وخضوعه للسلطان العثماني .
وكذلك تجربة بعث العراق حيث ما أن وصل البعثيون إلى السلطة حتى وضعوا أفكارهم القومية قيد التطبيق، فشرعوا في إرسال البعثات العلمية إلى أوربا والولايات المتحدة لتلقي العلم والمعرفة،وبعد ذلك بدأوا في بناء العراق على أسس وطنية من أجل أن يكون قوة مهابة في المنطقة تسعى إلى الوحدة العربية، فتم إدخالهم في حروب ضروس لأنهم لا يسمحون (للعراق تحت حكم وطني) بامتلاك أسباب العلم والقوة ، ولذلك من أجل إسقاط نظامه قطعت الولايات المتحدة آلاف الأميال لغزوه وتدميره وتحويله إلى دولة فاشلة تعود إلى عصر ما قبل الصناعة كما هدد ووعد جيمس بيكر وزير الخارجية الأميركي، طارق عزيز وزير الخارجية العراقي في 1991.
في العالم العربي، ومنه سورية لا يمكن أن يقود النهضة ويحقق النجاح نخب رخوة نرجسية تعيش في مجتمع أغلبيته عربية ،وتتبنى أفكارًا لا تنتمي إلى ثقافته وحضارته العربية الإسلامية التي هي حلقة مهمة من حلقات الحضارة الإنسانية؛ لأنه لا يمكن أبدًا بأي حال ومهما كانت النوايا أن يكون نجاح النهضة بمحاولة انتهاج سبيل الانسلاخ والارتهان الثقافي للآخر المختلف، لأن وجود الأمة يرتبط بوجود الثقافة الخاصة بها، والهوية المميزة لها، فإذا زالت ثقافتها أو انمسخت في ثقافة أخرى زالت تلك الأمة من الوجود، وفي هذا الشأن قال فرانز فانون: ” لا أمة بدون ثقافة خاصة، ولا ثقافة بدون أمة “. والأمم الحية لا تتأقلم أبدًا بإطار ينفي قيمها الثقافية والحضارية، ويفرض عليها الخنوع والذوبان في ثقافة وحضارة الآخر.
إن العقول المصابة بآفة الدونية أمام الآخر في العالم العربي، ومنهم أغلبية ما يسمى بمثقفي سورية، فهم بذريعة التنوير والحداثة من أجل النهضة المزعومة التي يبشرون بها، ما انفكوا يحاولون تنميط ومسخ الشعب السوري بثقافة الأخر، وليس التفاعل مع الإيجابي منها، وبذلك فقد أخذوا مهمة المستشرقين والمبشرين سابقًا، ومهمة رجال دوائرهم لاحقًا، وقد غفلوا أن التميز الثقافي هو الجوهر الحقيقي للشعور بالهوية والحرية والقدرة على الابداع، لاسيما أن الذوبان في الآخر المختلف والتبعية له ليس من الوطنية ،ولذلك منذ دخول الألفية الثالثة ومثقفو فرنسا التي تنتمي إلى الثقافة الفرانكفونية الكاثوليكية يحذرون من سطوة وتأثير الثقافة الأميركية الانجلوسكسونية البروتستاتنية ؟!
في سورية لم يرعو الذين يسيطرون على توجيه الثقافة على حقيقة أنه لم يكن، ولن يكون هناك أي تأثير وقيمة أو يحالف النجاح ما كتبته نخب لا تنتمي إلى ثقافة الأغلبية، وعلى سبيل المثال لا الحصر ما كتبه الدكتور الطيب تيزيني، والدكتور صادق جلال العظم، فهما لا ينتميان إلى الثقافة العربية الإسلامية السائدة في سورية ولاسيما أن المشروع النهضوي يرتبط نجاحه في أن تكون ركائزه الأساسية من مصادر الشعب الروحية والثقافية مع انفتاح رشيد على الإيجابيات من الثقافات الأخرى كما فعلت اليابان.
إن ضعف القدرة على إنجاز الأهداف التي تنطعت النخب الثقافية المزعومة إلى تحقيقها، قد دفعها هذا الفشل الذريع إلى التعويض عن هزيمتها النكراء، ،وعدم احترام الذات والجمهور إلى القيام بعملية هروب للأمام، من خلال العدوان على ثوابت ومسائل تستفز الشعب السوري الثائر، مثل: المؤامرة على تطلعاته بالحرية والحياة الكريمة ، بمحاولة تقاسم السلطة على أساس المحاصصات الطائفية والقومية، والنيل من عقيدته الإسلامية، والدعوة إلى إلغاء الهوية والثقافة السائدة، وترويج قيم التهتك والفاحشة والرذيلة.
ولذلك، فقد أصبح الصراع في سورية بين طرفين، الطرف الأول ينتمي إلى ثقافة الأمة، والطرف الثاني من المنسلخين عن ثقافتها ويتبعون ثقافة أخرى.
والمفارقة، أنهم بدعم ومساندة خارجية يسيطرون اليوم على توجيه الثقافة(من خلال المراكز والمواقع المحسوبة على الثورة) وعلى السوريين أن يعوا أن هذين التيارين مختلفان، ولا يمكن أن يلتقيا، وعلى الحصيف أن يختار موقعه، فالتيار الأول يضم جميع الشعوبيين والأتباع للآخر ويتكون من النظام الطائفي والمعارضة له بشقيها السياسي والثقافي التي تتصدر المشهد، ويتلقى هذا التيار كل أنواع الدعم والمساندة من نظم إقليمية ودولية فاعلة ومؤثرة، والتيار الثاني يضم الوطنيين من أتباع الثقافة السورية العربية الإسلامية والانفتاح الراشد والمسؤول على العصر ومدنياته وحضاراته الإنسانية الأخرى والاستفادة من كل إيجابياتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

خصائص خليل الله إبراهيم -عليه السّلام- وصفاته العظيمة (1)

د. علي محمّد الصلابيّ إنّ خليل الله إبراهيم عليه السلام عَلمٌ من …